بمحاذاة الياسمين

احمد الصغير ( القدس العربي) - جريدة القدس العربي – 28 مايو 2014

قراءة نقدية: ‎أحاديث الروح في ديوان «امسك طرف الضوء»

تُعَد الشاعرة خلود المعلا من الشاعرات اللائي ‬يحملن آلام القصيدة النثرية بشغف واسع، لأنها لا تنطلق ‬من أرضية ثابتة في قصيدة النثر العربية، بل ترسخ لنصها ‬على...

عودة >>

احمد الصغير ( القدس العربي) - جريدة القدس العربي – 28 مايو 2014

قراءة نقدية: ‎أحاديث الروح في ديوان «امسك طرف الضوء»

تُعَد الشاعرة خلود المعلا من الشاعرات اللائي ‬يحملن آلام القصيدة النثرية بشغف واسع، لأنها لا تنطلق ‬من أرضية ثابتة في قصيدة النثر العربية، بل ترسخ لنصها ‬على طريقتها الخاصة جدا من خلال رحلتها في التجارب ‬الشعرية المتحركة داخل العالم الذي تصنعه. المعلا تكتب ‬نصا قصيرا أشبه بشعراء الإبيجراما اليونانية، أو شعراء ‬الهايكو الياباني.‬‬‬‬‬‬
وعلى الرغم من قصر النص الإبيجرامي النثري ‬لدى خلود المعلا، فإنه يحمل الكثير من العمق الدلالي ‬والفني الذي يحتاج لتأويلات متعددة، ولا يحتاج لشروحات ‬سطحية. وعليه فإن المُعَلَّا شاعرة عربية تنسج من قلبها ‬رؤيتها للعالم من خلال روح الذات الشاعرة في نصوصها، ‬فترسم الصورة الشعرية من خلال لغة تتماس مع الهواء ‬اللغوي الذي يمر أمام أعيننا ولا نراه، نشمه ولا ‬نتذوقه. هذه هي شعرية خلود‬‬‬‬‬‬‬

المعلا تتشكل من الروح ‬لتدخل في أعماقها، حيث حضور القلب كثيرا داخل الديوان ‬ممتزجا بروح النص، والحياة، كما يطل الوقت برأسه في ‬نصوصها كثيرا، لأن الذات الشاعرة ترصد الوقت من خلال ‬جوانيتها التي تتمسح بآفاق العوالم الرحبة في دنيا ‬البشر، فهو وقت يبدد وحشة الذات ضافيا عليها محبة ‬المعشوق والعاشق، ومنحها أيضا، ألقا صوفيا مائزا في ‬الشعرية العربية. ‬‬‬‬‬‬‬

جاء مشروع خلود المعلا الشعري يحمل سموقا ‬ما، وتمايزا إنسانيا كبيرا على مستوى التشكيل والرؤية ‬الدلالية، بل تجلت خلود المعلا في رصد فتوحات الصمت ‬والتأمل في الحياة، فتقول في تصدير الديوان: «ها أنا ‬الآن أنصت، ها أنا أسمعه أخيرا»‬ ‬‬‬‬‬

تبدو شعرية الصمت التي تحتفظ في حوصلتها ‬بالسؤال الغامض، أين كنت أيتها الروح؟ وتبدو الذات ‬الشاعرة منصتة لهسيس الحياة، وأنينها المتواصل في عالم ‬لايرحم الضعفاء. وتقول الشاعرة في موقف الضمة حيث نلاحظ ‬تأثرها الكبير بمواقف ومخاطبات الصوفي الأكبر عبدالجبار ‬النفري: «الضمة نقطة وجودي،‬‬‬‬‬
لام لغتي،
بالضمة على النقطة أصير،
ولهذا أكتب اسمي ألف مرة كلما هبط الليل
وأذوب عناقا»‬‬
الذات الشاعرة تبدو غائمة في لغة الصمت، ‬والحال، حيث الضمة المسكونة على حرف الميم في المعلا، ‬وقبلها حرف الخاء، في خلود، كما أن الضمة هي سحر ‬التصوف والارتقاء. تصبح الضمة ذات وجهين دلاليين الأول ‬هو الحركة الإعرابية كما ذكرنا، والثاني، ضمة الحبيب ‬للحبيب (الوطن الأرض الأهل، المعشوق الأكبر). كما أن ‬الضمة التي تكون على الحرف الأول في خُلُود، وعلى ‬الميم في المُعَلَّا، هي جزء من البنية الصرفية للاسم، ‬حيث وجودها يشكل خصوصية ما لدى الذات الشاعرة، فهي ترى ‬حياتها من خلال خلود. وتقول في حال التصوف والحزن: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«لا أفرح بالشمس
لأنها تبدد غيمتي التي طالما انتظرتها
فأدرك أن الحياة زائلة»‬ ‬
تبدو الذات الشاعرة حزينة في النص الفائت، ‬عندما تستخدم أداة النفي لا، التي تنفي الفرح الذي ‬تبعثه الشمس، مبددة جراحنا، ولكن هذه الشمس تقطع حياتنا، ‬ليمضي العمر بنا دون رجوع، فهي أيام محسوبة علينا. خلفها يتساقط العمر الجميل، لنعبر الكثير من المحن التي ‬تجففها شمس أيامنا الماضية، وعندها تدرك الذات الشاعرة ‬أن العالم زائل بزوال هذه الغيوم، وبحضور الشمس يتطهر ‬كل شيء، ليطل الشعر برأسه من نافذه العابرين إليه. وتقول المعلا أيضا متلبسة حال الصوفي الذي يبحث في ‬روحه عن روحه : ‬‬‬‬‬‬‬

«‬كلُّ شَيٍء حوْلي ساَكنٌ ‬
حَتَّى ارتعاشةُ ذلكَ الغصنِ الوَحيدِ
لنْ تَتَغَيَّرَ هذهِ الحالُ
علىَّ إذًا أنْ أهَرِولَ إلى قلْبِي
أحَرّرَهُ»‬ ‬

تكتب خلود المعلا كثيرا عن تغير الحال، ‬والنفس / القلب، ، وتبدو لي وكأنها جاءت إلى روحها، ‬لتبحث عن ماهية الحقائق الجديدة، تبحث في نفسها عن ‬نفسها أيضا، كما تتشكل من خلال النص الشعري لدى المعلا ‬ذات شاعرة، تيقن تمام اليقين، أنه لن يحدث تغير إلا ‬بانفجاره من الداخل/ القلب تحديدا، ليبدأ القلب في ‬التغير، عندما يبدأ الإنسان في تحرير هذا القلب المشغول ‬الأسير في جسد الآخرين، عندّ إذن سيبدأ الحال كله في ‬التشكل الحياتي من جديد . كما تتكرر مفردة القلب كثيرا ‬في ديوان المعلا أمسك طرف الضوء، وكأنها تعيش داخل هذا ‬القلب، أو تتحرك من خلاله فتقول في نص قصير: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬كيفَ تركتَ قَلْبِي يومَ ذاكَ ‬
ما مِنْ أحَدٍ يَعْرِفُ
ما مِنْ أحَدٍ مُطْلَقًا
ولَا حَتَّى أنَا»‬ ‬

تتجلى صورة / روح الصوفي في نص المُعَلا، ‬لأنها تصف حال الروح دون حقيقة الجسد، بل تطمح لوجود ‬الروح التي تبحث عن القلب في كل مكان ؟ فقد تركت ‬القلب منغمسا، تائها في حضرة الحبيب، فقد تماهى البدن ‬في عملية الإدراك الحسي العابرة التي فُقِدَ القلب على ‬أثرها، وأصبح نول الوصول في إخفاء المحبة، والبحث عن ‬الحبيب من خلال الضوء الذي يخرج من قميصه. وعن توق ‬الروح تقول المعلا: ‬‬‬‬‬‬‬

«في روحي
تتناسل كائنات شتى
تتمايل على غصن ذابل
فيجثم قلبي على نبضه
في هذا المساء الربيعي»‬ ‬

إن تكرار الروح والقلب في نصوص خلود المعلا، ‬يمنحنا تأويلا جليا لنصها، حيث ارتباط الروح بالقلب، ‬وكأن القلب يسكن الروح، والروح تسكن القلب من ناحية ‬أخرى، وترتكز الشاعرة على مفردات بعينها ملحة عليها ‬ومكررة إياها مثل: (تتناسل ــ تتمايل ــ يجثم ــ نبضه ‬ــ في المساء الربيعي) إن الحال يطل بنفسه في هذه ‬القصيدة القصيرة من خلال الأفعال المشهدية التي تتعلق ‬بروح القصيدة، لأنها تمنح الذات الشاعرة ، هروبا من ‬الواقع الراهن؛ للخلود في الواقع الأكثر عدلا وصفاء ‬روحيا خالصا، بحثا عن الحب والخير والجمال. وتقول في ‬قصيدة طويلة بعنوان تحريض: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬ماذا لو قفزتُ من ذاكرتي ‬
ومشيت بمحاذاة الماضي؟
ماذا لو وقفت على شفا الوقت
ونثرت مخاوفي في عيون الريح؟
ماذا لو توقفتُ عن العد
وتسلقت أسوار القدر؟
ماذا لو هرولت نحو الطبيعة
وتلاشيتُ في رهافة غيمة ؟
ماذا لو ركضت الآن ….. ؟؟»‬ ‬

تتجلى في النص شعرية السؤال التي تعتمد ‬عليها المعلا فتحمل الكثير من التحريض نحو الجنوح لكسر ‬حواجز الصمت الأبدي، حيث فرار الذات من الحاضر، والرغبة ‬الملحة للعودة إلى الماضي، حيث ذكرياتنا، عشقنا، روحنا ‬الطاهرة، كان الماضي أكثر جمالا من الحاضر الآن الذي ‬تعيشه الذات الشاعرة. ثم تبالغ الذات الشاعرة في وجود ‬المجازفة لكسر حاجز المستقبل والقفز من خلاله نحو ‬المجهول الذي تصبو الذات لمعرفته. بل تبحث أيضا عن ‬الخلاص النهائي من هذا العالم / الحاضر، حيث تعاني الذات ‬الشاعرة من فجائع اللحظي الذي قضى على الطبيعة التي ‬تمنحنا الأمل في الغد. وتقول أيضا في نص لافت بعنوان، ‬أدوات:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬هذا الصمت الذي لا أطيق ‬
هذا الزمن الذي أخاف
هذا العمر الناقص الذي يمر
هذا القلب الذي لايسمعه أحد
هذا الوطن البعيد
هذا الانتظار
هذا الهذيان
إذا، ها أنا أملك أدوات الحياة»‬ ‬

تتجلى أدوات الحياة التي تحمل الكثير من ‬الإشارات والكلمات المشحونة بالشعرية المشهدية لدى خلود ‬المعلا، حيث إنها تمنح الذات الشاعرة الكثير من الألم ‬والضياع.‬‬‬

خلود المعلا
أمسك طرف الضوء

عبده وازن - جريدة الحياة - الأحد ٥ يناير ٢٠١٤

ذات الشاعرة خلود المعلا مرآة الحياة

لم يحمل ديوان خلود المعلا مصادفة عنواناً ذا دلالة صوفية هو «امسك طرف الضوء» (دار فضاءات)، فالشاعرة تقترب في قصائدها من منابت...

عودة >>

عبده وازن - جريدة الحياة - الأحد ٥ يناير ٢٠١٤

ذات الشاعرة خلود المعلا مرآة الحياة

لم يحمل ديوان خلود المعلا مصادفة عنواناً ذا دلالة صوفية هو «امسك طرف الضوء» (دار فضاءات)، فالشاعرة تقترب في قصائدها من منابت الشعر الصوفي ولكن بعيداً من الترميز المغلق والمصطلحات المعقدة، بل هي تداني الصوفية بصفتها مناخاً شعرياً تحيا القصيدة وتتحرك داخل أرجائه الفسيحة. إنها الصوفية الشعرية المشرعة على أفق رومنطيقي حيناً ووجداني حيناً، تكون الذات فيه هي النقطة والدائرة، ناهيك عن الحب في أحواله الموّارة والمتقلبة. ولعل «إمساك» الشاعرة بـ «طرف الضوء» ليس إلا إمساكاً بالقصيدة والشعر اللذين يضيئان ليل العالم ويجعلانه ليلاً أليفاً تخاطبه الشاعرة قائلة: «تعال ضمّني إليك أيها الليل/ كم احبك». ولا تتوانى عن الاعتراف بأنها تترك روحها «تتيه في بساتين النور» على غرار الشعراء الذين خبروا أحوال التجلي الروحي.

قد توصف تجربة خلود المعلا في هذا الديوان بـ «تجربة الصعود» التي تواجه بها كل ما يعيق الكائن من التحرر والانعتاق من أسر المادة والخيبة والألم والوحدة والجفاف والقفر (كل شيء مقفر حتى الذاكرة، تقول). وهي تعتبر أنّ «في الصعود كل شيء يظهر على حقيقته»، وحتى الكون كـما تقول، يصبح نقياً «حين نعلو». وتـحـتدم هذه الرغبة في التحليق عندما تكتشف الشاعرة أنها أشبه بعصفور يُفتح له القفص كي يطير لكنه يكتشف أنّ لا جناحين له. إنها المأساة الإنسانية التي يؤكدها الصراع بين الحلم والواقع، بين الأمنية والعجز عن تحقيقها. لكنّ الشعر يظل هو الحافز على الارتقاء وعلى تخطي المعوقات التي تحول دونه: «أرقى جبل روحي بصعوبة لأستحث الغيم»، تقول الشاعرة. وعندما ترقى هذا «الجبل» لا تنثني عن ملامسة «الزرقة»، كما تعبر.

اختارت خلود المعلا الابتعاد عن القصائد الطويلة في ديوانها الجديد، مؤثرة كتابة قصائد قصيرة تقترب أحياناً من روح قصيدة «الهايكو» اليابانية. قصائد مكثفة لغة ومعاني، مقتصدة في أسلوبها، لا تسعى إلى الاطناب والتفسير، تقول ما تبتغي قوله بهدوء وشفافية. وقد تبدو القصائد هذه كأنها تكمّل بعضها بعضاً لتصنع الديوان. وقد يكون من الممكن قراءتها من دون التوقف عند العناوين، فهي تخضع لسياق شعري واحد وينتظمها خيط داخلي متين.

ولعل هذا التداخل هو ما منح الديوان وحدته ورسّخ أواصر الصنيع الشعري. أنها قصائد تخفي وتضمر أكثر مما تعلن وتفشي. وفي أحيان تبرق لحظات شعرية في طريقة خاطفة: «يظهر/ أصعد إليه بلهفة/ فيغشاني ضباب المساء»، «قلبي سديم»، «لست سوى قلق»، «أذبتك الليلة في كأس الزنجبيل»... وما يزيد من وحدة القصائد ويرسخ سياقها العام هو استخدام الشاعرة للضمير المتكلم «الأنا» الذي يشكل اللحمة التي تحوك القصائد واحدة إلى أخرى. القصائد القصيرة لا تتخلى عن هذه «الأنا» إلا نادراً جداً، وهي إذا غابت، تظل مضمرة، نظراً إلى ذاتية التجربة التي تخوضها الشاعرة. هذا شعر ذاتي في معنى أن الذات هي مرجعه الأول والأخير، كما في معنى أن الذات الشاعرة هي مرآة العالم والحياة، مرآة الآخر و «الأنا». وما يؤكد ذاتية هذه التجربة على سبيل المثل ورود مفردة «قلب» أكثر من عشرين مرة في القصائد. والقلب عنصر صوفي ورومنطيقي بامتياز، وهو، كما علمنا الصوفيون، «الحضور بالحق عند الغيبة عن الخلق». ويرى الجيلاني أن العالم هو مرآة القلب، فالأصل هو القلب والفرع هو العالم. يحضر القلب حضوراً روحياً ووجدانياً وعشقياً: «عليّ أن أهرول إلى قلبي»، «لا أسمع سوى جلبة قلبي»، «يجثم قلبي»، «كل شيء يتصل بالقلب له رائحة»، «اسقط رذاذاً في قلب حبيبي»... وهنا لا بد من تذكر ما قاله الشاعر الفرنسي فيكتور هيغو في هذا الصدد: «أيتها المرأة اصغي إلى قلبك/ لا تقرأي كتاباً سواه».

وعلى غرار القلب تحضر حال الوحدة أو العزلة، وهي حال شعرية صرف، الوحدة الصامتة، الوحدة التي تمثل فعل الهروب من العالم والخلود إلى سكينة الداخل، الوحدة التي تحقق الشرط الروحي... تقول الشاعرة: «مقدّر لي أن أحيا وحيدة/ ولهذا استيقظ كل صباح بشيء من الحكمة»، «أنا كائن من وحدة»، «تشع مراياي بالعزلة»... ومثلما قال الشاعر الفرنسي راموز (ليس هناك من عزلة حيث يكون الشعر) تؤكد الشاعرة أن العزلة التي تعيشها تصبح «عامرة بالقصائد» وتقول أيضاً: «ها أنا في منتصف وحدتي/ أنام مبتهجة في حضن قصيدة». العزلة مهما كبرت أو ثقلت تظل فسحة للقاء مع الذات، لمحاورة هذه الذات شعرياً. إنها مثار الإبداع في شتى أشكاله.

في إحدى القصائد الجميلة والطريفة تحدد خلود المعلا ما تسميه «أدوات» الحياة التي يحياها الشاعر عادة: الصمت الذي لا أطيق، الزمن الذي أخاف، العمر الناقص الذي يمر، القلب الذي لا يسمعه أحد، الوطن البعيد، الانتظار، الهذيان... هذا التحديد هو بمثابة بيان صغير ومتواضع لكنه يختصر فعلاً أزمة الشاعر والشعراء في هذا العالم. و «الأدوات» هذه إنما هي نابعة من صميم القصائد والتجربة التي تحياها الشاعرة، الشاعرة التي تلف الأمس على جسدها «مثل حبل دخان» والتي تتناسل في روحها «كائنات شتى» والتي تعلن في ما يشبه الدعوة الأبيقورية، مواجهة الخواء والخوف والزمن المنقضي: «الحياة هنا/ فلنغتنمها».
الشاعرة الإماراتية خلود المعلا صوت فريد، دافئ دفء الأنثى الكامنة في دخيلائها، صوت متقد بنار الوجد، مبرح بالشوق والحنين. إنها شـاعرة الحـياة في ما تعني الحياة من نبض وألق، شاعرة الصمت في ما يحمل من تأمل ومجاهدة، شاعرة مغرقة في الذات ومنفتحة في آن على العالم، مغرقة في الماضي ومشرعة على الحاضر الذي يعني في ما يعني، التمرد والتجدد والنظر إلى الأمام.

علي العامري - جريدة الامارات اليوم - 19 نوفمبر 2013

خلود المعلا تكتب «اللحظة المقطّرة»

الشاعرة خلود المعلا تواصل بحثها عن المعنى، عن الغيمة الشاردة، عن الغائم والغائب، عن المتواري والمفقود، عبر لغة...

عودة >>

علي العامري - جريدة الامارات اليوم - 19 نوفمبر 2013

خلود المعلا تكتب «اللحظة المقطّرة»

الشاعرة خلود المعلا تواصل بحثها عن المعنى، عن الغيمة الشاردة، عن الغائم والغائب، عن المتواري والمفقود، عبر لغة تنتمي إليها، منذ «هنا ضيعت الزمن»، حتى «أمسك طرف الضوء». وفي كتابتها تغدو القصيدة مكاناً حميمياً، يحقق لها صوفية ممزوجة بالأرض. وتبدو الكتابة لديها طريقاً إلى المعرفة والسلام الداخلي، على الرغم من ضجيج الخارج، إلى أن يهبّ القلق مجدداً، فالقصيدة مأوى لا يعادله أي مأوى آخر. وتقول خلود المعلا في ديوانها الخامس «أمسك طرف الضوء»، الصادر عن دار فضاءات الأردنية: «وها أنا في منتصف وحدتي/ أنام مبتهجة في حضن قصيدة».

في ذلك المأوى، يتحقق للشاعرة الإصغاء للوجود، وتتبع النسغ الخفي لشجرة الحياة، وتفتح الوردة في حجر، لتقول: «أنصت للكون بإمعان/ أتأمل انعكاس قلبي على الحياة/ وأطلق روحي في الزرقة». إذ يضيء قلب الشاعرة الحياة، وينعكس عليها، وهي تتأمل الوجود، في رحلة لسبر ما وراء العتمة، وما خلف الغيمة، وما بعد المجرة، وما تحت اللغة أيضاً.

خلود المعلا التي تحتشد شتاءات في قصائدها، تبدو الغيمة سيرتها الموازية للحياة اليومية، كما لو أن السيرة الزرقاء تتكامل مع السيرة الأرضية، وتكاد لا تخلو قصيدة لها من غمام، فهي عاشقة الغيم بامتياز، ترى فيه صورتها، وهي تتجلى، كما يبدو الليل قرين قصائدها.

يبدو لي أن الغيمة مرآة ترى فيها الشاعرة صورتها وتحولات حالاتها، وهي مرآة متعددة الأشكال، سرعان ما تتحول من شكل إلى آخر، لتعبر عن تعدد الحالات الإنسانية، كما أن الغيمة تمثل علامة الحياة الأولى بامتياز، فأينما حل ماء، حل اخضرار في الأرض والقلوب معاً.

ومن جانب آخر، يبدو لي أن طبيعة الكتابة الشعرية لدى خلود المعلا تتطلب طقوساً خاصة بها، تكتمل مع مشهدية يتعاون فيها الليل والغيم والعزلة، لتأثيث فضاء للتأمل، والإنصات إلى الذات والكون والتفاصيل، خصوصاً أن الحالة الشعرية تبدو في المنطقة الوسطى بين العتمة والضوء، كما لو أن الكتابة بعينين شبه مغمضتين تحرر الخيال، وتفتح طاقة الكون في تلك اللحظة الاستثنائية.

ويبدو أن عناصر كثيرة في الديوان الخامس تبين ذلك، إذ يتجاور المطر والصمت والليل والعزلة والوحدة و«اللحظة المقطّرة»، كما تصفها الشاعرة في إحدى قصائدها. كل هذه العناصر تشكل طقس كتابة لدى خلود المعلا التي تقول: «أنصت إلى الحياة في كل لحظة/ وأغتنم وجودي». كما تقول: «تعال ضمّني إليك أيها الليل/ كم أحبك». وكذلك تقول: «على حبال الليل/ أتأرجح».

ويبدو أن الكتابة لدى الشاعرة تخلق حياة وتضاعفها في كل مرة، مثلما تضاعف المرايا الصورة. ومن جهة أخرى، وإذا كانت المرآة تبدو «مصيراً مائياً»، فإن الغيمة مصير مائي، لكنه دائم التحول، ودائم التشكل، وهو أيضا خيط يربط السماء بالأرض، يتضمن بعداً عمودياً، كما لو أن الغمام سلالم بين التراب والزرقة، وفي ذلك يتشكل ما يمكن وصفه بـ«صوفية أرضية»، يتحقق فيها الارتقاء، عبر رحلة من الطين إلى الأثير.

كما أن الغيم الذي يبدو قريناً لقصيدة خلود المعلا يشير إلى النداء المتواصل للإنسان الذي يبحث عن المعنى، حتى يبدو أن الغيم نداء الأرض لـ«علاج» العطش، لترتوي وتخضر الحياة بالمحبة والشجر. وتقول الشاعرة: «المياه التي تتدفق حولي لا مجرى لها/ المياه التي بين يديّ لا أراها/ المياه التي تحيط بقلبي لا تَروي/ لا شيء يملأ المكان سوى عطشي».

الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تتخذ من الغيمة تميمة شعرية، وهي تكتب متخففة من «الأثقال» اللغوية، تكتب العميق بأبجدية خالية من الزخارف والاستعراض، وتنقلنا إلى الغيم بخيط من ضوء.

طرفه في يدها وطرفه الآخر في يد الريح

شـهـيـرة أحـمــد - 27 يونيو 2013

خلود المعلا.. تقتفي أثر الضوء

ذات مرّة شردت روح الشاعرة إلى فضاء بعيد، إلى تخوم الشعر العالية.. مذّاك تسعى وراءها لتقطف من حدائقها بعض...

عودة >>

شـهـيـرة أحـمــد - 27 يونيو 2013

خلود المعلا.. تقتفي أثر الضوء

ذات مرّة شردت روح الشاعرة إلى فضاء بعيد، إلى تخوم الشعر العالية.. مذّاك تسعى وراءها لتقطف من حدائقها بعض الومضات العذبة.. في انجذابها دارت في أفلاك شتى.. سارت دروباً وقطعت مهاداً لها أكثر من لون.. صعدت إلى الغيم حيناً، تناثرت وتشظت واجتمعت واتحدت وحصلت على الوصل الشعري وقطفت شيئاً من أغصان الارتواء.. ولما أرادت أن تعبر إلينا جمعت لنا شيئاً من حصاد الرحلة، بعد أن شذبتها من الشوك والحزن وأحضرتها لنا بهية، طافحة بالأمل، لتحتفي بالحياة على طريقتها..

الهجرة الى الداخل
تهاجر خلود المعلا إلى نفسها باحثة عن ومضة إنسانية تمنح الروح قدرة إضافية على الحياة.. تهرول إلى وجودها لتصوغه وفق هوى المعنى، تنبش الذاكرة أو تفتح باباً وتعبر إلى أرض الخيال.. تلتقط من حديقته ومضاتها التي ترتبها بعناية كما تفعل المرأة مع أضمومة ورد..، ترتب الفصول وفق مشاعرها، ترصف المسافات بنبضات القلب وربما بفناجين الزنجبيل، تقول المساءات أو النهارات على النحو الذي يحلو لها، تأخذها إلى القيظ أو تبللها بالمطر، تتندى، تخضرّ روحياً بكثافة العبارة، وتعود من رحلتها الوجودية في سديم المعنى وأرض الدلالة بسلال ملآى بالكثير الذي يدهش القلب، ويعيده إلى العمل.
لا تكتفي خلود بالقطفة كما هي، تجلس الى القصيدة، تختصر، تكثف، باحثة عن مستوى رائق من الجمال الفني والروحي، في محاولة لتحريض القارئ على الذهاب في الخيال إلى آخره.. وإذ تفعل تعتني عناية شديدة بروحها، تطلق لها العنان لتشرب من ينابيع الحكمة ما يلون الحياة، التي تبدو أحياناً بلون واحد، عدتها الشعر وعتادها روح متوثبة، تطل على فرحها الداخلي أو أنوارها الجوّانية التي تنعكس على كل شيء حولها، تهبها معنى مغايراً لما توحي به وتأخذها من أرض الدلالة المألوفة إلى أرض أخرى للدلالات التي تشكل شبكة من العلاقات الفكرية والصور البصرية، حيث معظم الاشياء اليومية، والتفاصيل الصغيرة، تعثر على معناها الآخر بين يدي الشاعرة: الباب، الصمت، القيظ، و حتى فنجان القهوة.

في “أدوات” على سبيل المثال تحوّل كل ما يحيل إلى الحزن إلى فعل قوة وحياة:

هذا الصمت الذي لا أطيق
هذا الزمن الذي أخاف
هذا العمر الناقص الذي يمرّ
هذا القلب الذي لا يسمعه أحد
هذا الوطن البعيد
هذا الانتظار
هذا الهذيان
إذاً، ها أنا أملك أدوات الحياة.

بضربة إدهاش تنقل الشاعرة القارئ من حالة متوقعة إلى حالة غير متوقعة، تأخذه الى فعل حياة فيما كل مفردات القصيدة تضعه في مناخ الفقد، وهي ممارسة تقنوية محببة إلى خلود المعلا، تشتغل عليها بانتباه وعمق، وتضفي عليها من رؤيتها ما يمنحها بعداً رؤيوياً، ويمكن للقارئ أن يلاحظ أنها سمة ظاهرة في المجموعة كلها.

من الآخِر
(ها أنا الآن أنصت/ ها أنا أسمعه أخيراً).. بهذا المفتتح الشعري المفاجئ تفتتح خلود المعلا ديوانها الجديد “أمسك طرف الضوء”.. تقدمه لنا هكذا، ليبوح بنفسه، من دون أي حاجة إلى إهداء.. ليقوم هو بنفسه بدور الإهداء واضعاً إيانا على عتبة النصوص التي ستأتي وراءه.. ذلك أنه سيفتح لنا باب حالة شعرية مبنية على التوقع: من هو هذا الذي تنصت له الشاعرة؛ إنسان، طيف، إلهام، ولماذا تأخر كثيراً حتى وصل إلى مسامعها؟

يحيل الإنصات هنا إلى الكلام، الكلام الذي تسمعه الشاعرة بعد انتظار طويل يدلنا عليه ملفوظ (أخيراً)، فيما يظل المتكلم متوارياً، مغيباً، خلف ضمير الغائب الذي سرعان ما تفصح عنه النصوص وترسم لنا ملامح وجهه: إنه الضوء الذي تقتفي الشاعرة أثره، تركض معه كما تفعل طفلة مع طائرتها الورقية، مع فارق شاسع هو أن الضوء ليس لعبة مرحة تلوّن بجمالها الطفولة بل لعبة وجودية تدلف منها الشاعرة الى ذاتها وذواتنا لتحكي عن كل ما يجعل الإنسان إنساناً، وتبحث عن موطئ فرح في عالم يشقى به الوعي.

في مستوى آخر، تسرّب لنا الشاعرة بشكل غير مباشر، بالتصريح لا بالتلميح، بالهمس القريب من النفس البشرية أن كل ما يحياه الإنسان، الكائن البشري، في هذا القرن من أحزان وآلام وإخفاقات إنسانية توجع الروح لا ينبغي أن تنسينا ذلك الضوء الرائع، الضوء الروحي والنور الداخلي، الذي يمكنه أن يجعل الحياة أبهى وأجمل، ولهذا افتتحت ديوانها بخاتمة رحلتها: بحصولها على الضوء.. وهنا، تبدو الشاعرة في رهان على جمال الحياة، و حكمة الغبطة...

في قصائد خلود المعلا الجديدة تبرق الروح بشكل لافت، وفي نصوصها تتحقق الذات المبدعة للأنثى الذاهبة في الأشياء بكامل ألقها. تتمظهر أشياء الحياة وتفاصيلها الصغيرة في لبوسات وجودية وإنسانية غالباً، وتبقى في إطارها الشخصي المحدود في بعض الأحيان.. لكنها في كلتا الحالتين تتميز بصدق وبوح واجتراء على إعادة صوغ الأشياء لعلها تقول الروح في ومضة.

وفي سيرها الحثيث في أرض الشعر، تبدو مأهولة بكل ما يجعل من نصها محاولة للاحتفاء بالحياة، مأهولة بالعلامات والإشارات، مأهولة بالأسئلة البسيطة والمعقدة.. وإذ تقول غربتها الوجودية تقول غربة الإنسان في الآن نفسه: (تفاصيل لا تشبهني/ ذاكرة لم أعشها/ بدايات لم أتمّها/ غيب يحجب ليلتي عن صباحها/ متى تلتفت الدنيا لي؟).

في هذا السؤال الموجع (متى تلتفت الدنيا لي) تتمثل الشاعرة الإنسان، في رحلته الطويلة الباحثة عن معنى الأشياء والحياة والوجود. ورغم أن الشاعرة تستخدم في قصائدها ضمير الأنا لتبوح بما في ذاتها، إلا أن المضامين التي تتوفر عليها النصوص تمارس انزياحاتها الدلالية آخذة ضمير الأنا باتجاه أنا جمعية؛ (أنا / المرأة، نون النسوة)؛ الأنا التي تستحضر الهم النسوي وتتماهى معه، بهدوء شديد، بأقرب ما يكون من طرف الروح.. ثم تنزاح هذه الأنا إلى (أنا/ نحن) (أنا/ الإنسان)..

من هذا السؤال الموجع نفسه وحتى الصفاء العالي في: (ها أنا الآن أنصت... ها أنا أسمعه أخيراً) قطعت الشاعرة رحلة طويلة، وعاشت ارتطامات روحية وإنسانية متنوعة لا تقف عند تجربة الحب رغم أهميتها، بل تذهب عميقاً في حال العزلة والتيه والبحث والتحدي لكي تتحقق، ومع التحقق تبدو عتمتها من ذلك النوع المضي، إنها عتمة ماسيّة تنير العزلة.

مادة التحقق لدى خلود المعلا هي الشعر، ومادة الشعر هي الومضة التي اشتغلت على تجلياتها البوحية والقزحية لتنسج في كلمات قليلة صورها الفنية.. باحثة عن عبارة ثرية تكثف من خلالها حمولاتها الدلالية، إشاراتها، مقايساتها، مقارناتها أيضاً في ضربات شعرية متقنة تشبه برقاً يومض سريعاً تاركاً خلفه بوحاً كثيراً، وثورة مستترة.

خلف الريح
في قراءة ما خلف البوح، المستور و المستتر بقرابات تومئ ولا تفصح، يمكن للقارئ أن يقع في نصوص الشاعرة على حضور الأنوثة وارتباكاتها وما تجترحه من جماليات تخصها حتى في حالات الوحدة والحزن...

ثمة هنا ما يبحث عن الضوء الروحي، عن الحكمة التي تغيب وراء كوارث شخصية صغيرة أو هاويات جماعية تنفتح للبشري الذي يسجل كل يوم تراجعاً في منسوبه الإنساني، كما لو أنه يقفل عائداً إلى بدائيته المتوحشة.. هذه الحكمة التي تتجلى في صياغات نورانية وألفاظ تتصل بعوالم التصوف:

الضمّة نقطة وجودي
لام لغتي
بالضمة على النقطة أصيرُ
ولهذا أكتب اسمي ألف مرّة كلّما هبط الليل
وأذوب عناقاً.

ويبدو أن الشاعرة قبل أن تشرع في رحلتها إلى داخلها، إلى النور أو الفيض الذي ترتجيه، مزقت حجباً وأستاراً وسدفاً كثيرة لتعبر إلى الضفة الأخرى من المعنى، بحيث تحيل الضمة إلى الروح لا إلى الجسد:

لتكن ليلتنا الأخيرة مشتهاة
وعناقنا مديداً
مضى أكثر العمر
لا أضمّكَ إلا بروحي
كي لا تغيب.

بالروح، بقوتها على وجه الدقة، تواجه الشاعرة في امتحانها المعرفي هذا جفافاً هائلاً، وظمأ متمادياً حتى “تكاد أوردة البيوت تجف”، وفي هذه العبارة الذكية تأخذ الشاعرة القارئ إلى أن الجفاف المقصود هو جفاف عام وليس شخصياً، جفاف إنساني أو تصحر لشدة عمقه يضرب حتى البيوت.. إنه جفاف يشكو منه الإنسان والمكان والزمان الذي صارت أيامه متشحة بالأصفر.. ولكي تجسد الشاعرة عمق هذا الجفاف تطوع كائنات الطبيعة لتقوله، وربما تسقطه على الشوارع والظلال والناس والمارة والشتاء والنهار والفضاء:

ظلي الذي في الشارع ليس لي
ظلك الذي في الشارع ليس لك
الشارع يأكله المارة
يستتر الحب
يضيق الرصيف،
يضيق الفضاء
ونضيق

في الضيق لا تسقط القصيدة، بل في مدار متسع يجعل الشاعرة تتماهى مع الكون، تصبح خيطاً من نسيجه الكلي. هناك، في مداها اللامحدود تندغم الشاعرة مع سكون الكون، وترى الكون من الأعلى: أجمل، فتسكن أوجاعها.. وتقرر أن تتشبث بالأمل، وبأغصان الحياة المتاحة:

سأمشي طريق العودة وحدي
ورغم تهاوي الصباحات
سأتعلق بأغصان الحياة المتاحة
وأبتسم بقلبي أكثر من أي وقت مضى،
سأترك روحي ترافقني
تحت ضوء السحاب
في هذه الليالي الجميلة.

في رحلتها تلك، مرّت بالشاعرة حالات كثيرة، مرّت بها قصائد كثيرة، احتطبت من غابة الشعر ما شاءت لها شاعريتها، أتقنت الضربات غالباً وهربت منها غنيمتها في مرات قليلة، لكنها في تحققها الشعري والروحي حظيت بقصائد عذبة، مشغولة فنياً بشكل رائق، بتؤدة، وكأن الحالة نفسها تكثف نفسها، أو كأن القصيدة تعرف في الطفو طريقها الى الشعر، إلى بلاغة الروح:

رأيتك في الضَّوءِ
رأيتَني
كادت ملامحُنا تشتعل
وحدَهُ الغياب
كشف سرَّ العتمة بيننا
قطاف

الى الحرية الفاتنة ركضت الشاعرة بكل ما في قلبها من توق، بكل ما في روحها من شغف.. تارة كانت هذه الحرية تتمظهر في شكل رغبة تحاول النهوض أو سؤالاً تعلقه في سقف الكون وسقف القصيدة ليظل مفتوحاً قابلاً للتأويل، أو ممارسة شخصية بسيطة تعجز عن فعلها في المكان الأمر الذي يترتب عليه أن يتغير المكان.. ها هنا إشارة مبطنة للقيد الاجتماعي والضبط العُرْفي الذي يسحق أحياناً روح المبدع، فلا يجد وسيلة للخلاص منه سوى الهرب إلى مكان آخر يتيح له أن يتنفس بحرية، تقول خلود المعلا في قصيدة “في المكان”:

يَجرَحُني عميقاً أنْ أمْشيَ على أطرافِ أصَابعي في
وضَحِ النَّهار
ثمَّةَ شيءٌ في المكانِ يَجعلُني أكثرَ هشاشةً
فلأسافرْ إذاً إلى بلادٍ شمْسُها رحيمةٌ
يسْكُنها المطرُ
أركضُ فيها بحريةٍ خلفَ الغَمام

لا تفصّل الشاعرة كثيراً في غربتها عن المكان، لا تشرح ولا تسهب في القول لكي تقول لنا كم أن الشاعر غريب عن مكانه.. أما سرّ الغربة فلا يظهره انجراح الذات الشاعرة العميق فقط بل من خلال المقارنة بين (مكانها) وبين مكان آخر في ظل الكيفية التي تمارس بها الروح حريتها في الحياة.

بالطبع، لا تنجرح الروح إلا في المحبة.. لو لم تكن الشاعرة حريصة على أن يكون هذا المكان أفضل وأبهى لما شعرت بالانجراح ولا بالهشاشة التي تنجم عن وجودٌ منفيّ، وجود يضارع الغياب، ومن هنا تأتي رغبة الركض بحرية خلف الغمام، لكن ما يدلل على عمق هذا الاغتراب المكاني أن تسمي الشاعرة مكانها (المكان) وتسمي مكان الحرية (بلاد).. هل هي إشارة إلى أن مكان المبدع الحقيقي ليس الجغرافيا بل حيث يمكنه أن يمارس حريته.

لا تحكي خلود حرية صاخبة.. هي تبوح بها عبر ممارسة التفاصيل اليومية، مكتفية بالتلميح أو الإشارة. إذن.. هناك دائماً خيارات أجمل للحياة.. هناك فعل ما يمكن أن يجعلنا أكثر خفّة.. أكثر قدرة على الحركة / الفعل الذي يتجلى في (الركض خلف الغمام) وهي صورة لا تخلو أيضاً من شقاوة الطفولة التي تحيل بدورها إلى العفوية والانطلاق والحرية..

بالطبع، لم تكن الرحلة سهلة ولا كانت الطريق مفروشة بالورد، كان ثمة هجر، وحذر، وارتدادات وأسئلة حارقة، وفقد موجع، وندم وثمن لا بد من دفعه... فالشعر لا يمنح نفسه لكل عابر سبيل.. الشعر لا يسلم مفاتيحه إلا لعابرين حقيقيين، مولعين به، محكومون بالشغف عليه ينامون وفيه يقيمون.. ولهذا، يحتمل الشعر خسارات كبرى، أصلاً ليست أرض الشعر سوى أرض الخسارات لكن التحقق الشعري، الحصول على القصيدة الجميلة، كتابة النص أو الانكتاب فيه هو الحرية الحقيقية، الحرية التي يمكن أن تتجرح أقدامنا وراءها لكننا في النهاية نعثر على ضالتنا، ونكتب الشعر الجميل:

ما أن يتسع العمر حتى يضيق
في الليالي ذاتها تجزأت مرات شتى
مدّي ضيع جزره
وليلي يشبه نهاري
ليس من السهل أن أتذكر اسمي بعد الآن.

هذه واحدة من التحولات التي مرّت بها الشاعرة، وهي تحولات لا تقتصر على الشاعرة بل تمس الأزمنة والأمكنة والأشخاص والفصول وهي ما يمنح النص تحولاته أيضاً، يبدأ من مطرح شعري ليتموضع في مطرح آخر ثم ينتهي في مطرح مختلف تماماً، مانحاً إيانا تلك المتعة التي نسميها: الدهشة.
لكن ما يضاهي جمال الشعر هو جمال الاندغام والصفاء الروحي الذي يتحقق للشاعر، عندها يعثر على بغيته، على ذاته، على الحرية، على الحب، يتسع ويتسع وينفتح إنسانياً، يتماهى مع الكون والطبيعة، مع المطر والرذاذ والخريف ويضطرب عشقاً وخوفاً، ويدخل في كهف الحكمة النوراني ليحظى بلؤلؤته الدفينة.. هكذا، تعود الشاعرة من رحلتها بحصاد من التأمل والحكمة، تعود إلى نفسها، تعود من الصخب الى السكون، فتصرخ على طريقة نيوتن حين صرخ وجدتها: (كم هو رائع أن أعود إليَّ)، وعندما تتحقق عودة كهذه، تصبح الحياة بكل ما فيها أجمل، ويصبح المرء أكثر قدرة على الأمل والعطاء، ويعد الضيق تتسع إنسانيته:

حين تمتلئ السماوات بالغمام
أهرع إلى الكون بكل ما لديّ من محبة
قاطعة مرارة الحياة
وفي الوقت الموعود،
أنثر قلبي رذاذاً على وجه الأرض
لتبتهج العيون.

لقد امتلأت الشاعرة بالحياة، وفاضت أنوارها الروحية، حتى إن العزلة صارت مملوءة بالألق:

العزلة التي أرويها بقصائدي عامرة
أراها تنير فضائي
تعلمني الكون كما ينبغي
ها هي بحفيفها تملؤني ألقاً

أما وإن الروح تحررت، وحلقت، وعرفت معنى التحليق فإن القمة هي المأوى، والحرية المطلقة هي المكافأة:

عند َ أعلى قمم الكون
أقفُ
أدخل التوق المستثار
وأغني:
لا يمكن لروحي أن تكون ملكا لأحدد.

بن العربي غرابي - القدس العربي - أكتوبر 8 2013

‘دون أن أرتوي’ لخلود المعلا: شعرية البقاء والتجاوز

عن دار الصدى صدرت مختارات للشاعرة الإماراتية خلود المعلا بعنوان مثير ‘دون أن أرتوي’ ليتضمن شذرات من أهم ما كتبته الشاعرة في أربعة...

عودة >>

بن العربي غرابي - القدس العربي - أكتوبر 8 2013

‘دون أن أرتوي’ لخلود المعلا: شعرية البقاء والتجاوز

عن دار الصدى صدرت مختارات للشاعرة الإماراتية خلود المعلا بعنوان مثير ‘دون أن أرتوي’ ليتضمن شذرات من أهم ما كتبته الشاعرة في أربعة دواوين سابقة (ربما هنا هاء الغائب وحدك هنا ضيعت الزمن). وإذا كان الشعر افتتانا بالكلمة وغواية بسحرها المخاتل والمراوغ، فإن الشعر يكتسب ألقا إضافيا ووساما فنيا وجماليا إضافيا عندما تخطه أنامل أنثوية ب ‘نوتات’ الرقة الزائدة والعاطفة المتضخمة.

الشعر متنفس الشاعر وملاذه، وفي ساحته الفاتنة والمخيفة يطرح تساؤلاته وانشغالاته التي تختلف بالضرورة عن انشغالاتنا وتساؤلاتنا، لأن الشاعر أقدر من غيره على سبر الواقع النفسي الباطن له ولجماعته وأمته والإنسانية بأسرها. وفي تاريخنا العربي عموما ظل الشعر صناعة ذكورية رغم الاعتراف المتكرر بأن المرأة أخصب عاطفة وأثرى من حيث الأحاسيسُ والمشاعر والانفعالات، وهذا في الحقيقة يثير الكثير من الأسئلة : كيف نفسر هامشية واختناق الإبداع الشعري النسوي في تاريخ أبداعنا الشعري المديد بالقرون؟ هل لخلل بنيوي في التركيبة الذهنية للنساء؟ فهذا لا نسلم به إطلاقا لأنه يتنافي مع أبسط المعلومات في علم النفس والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا…. هل المسؤول عن ذلك الظروف السوسيولوجية التي دفعت بالرجل إلى الواجهة وزجت بالنساء في دوامة الصمت والموت؟. قد يرد علينا في ادعائنا شخص يقول إن أشعار النساء العربيات من الكثرة بحيث أصبحت مبثوثة في كتب التراث والكثير من الأبحاث الحديثة، ولكننا نعتقد أن إبداع المرأة العربية لم يكن يملك معشار التأثير الذي امتلكه الشعر الذكوري. والعجيب أن عرش الشعر النسائي العربي تتربع عليه الشاعرة المخضرمة الخنساء في رثاء أخويها صخر ومعاوية، وذلك لأن المرأة أغزر دموعا وأعمق تنهدا برأينا، بينما خنق التاريخ أصواتا شعرية في غرض الحب كان من الممكن أن تصبح قامات سامقة لو تعهدها النقد وأخذ بأيديها. إن اطلاعا متواضعا على إسهامات المرأة في تاريخنا يقودنا إلى أنها ساهمت في الحروب ورافقت الجيوش أكثر مما كتبت الشعر وأبدعت فيه رغم أن كيان المرأة يصلح للشعر ويتناقض كليا مع المعارك والدماء. أما شهرزاد، تلك الساردة الأسطورية فلعلها الشخصية التي تلخص وظيفة المرأة العربية التي اكتفت بوضع دوني تمارس السرد ليلا لتليين عريكة الرجل وإغماد السيوف ووضع أدوات العمل التي كانت طيلة النهار ممشوقة ومشرعة في قبضة عضلاته المفتولة، ورغم أن دور شهرزاد لايستهان به في ليل السرد فإن مهمتها تنتهي تماما ببزوغ أول خيط من خيوط النهار لتتعطل طاقاتها كليا.

ولو تحدثنا عن المرأة العربية في عصورنا الحديثة لقلنا إنها منعت من الكتابة كفعل واع تمارسه الذات عن قناعة وطواعية وتصميم ذاتي دون إكراهات عصابية، ولم يتخلق ذلك الوعي إلا عندما زحفت رياح الحداثة العالمية بقضها وقضيضها وغثها وسمينها، فأطلت الأصوات المخنوقة من ملاجئها راغبة في التعبير والمشاركة الفكرية، وهذا لا يعني أننا نستهين إطلاقا بالإرادة النسوية التي تجاوزت بوعي أشكال العقبات التي حالت طيلة قرون دون تفتحها وانبجاسها.

هبت رياح النهضة في الربوع المشرقية بداية، فكان لزاما أن تستفيق المرأة وتنتفض باحثة عن وضع أفضل، ثم انتقل التأثير إلى شمال إفريقيا وأخيرا الخليج العربي لتنطلق المشاركة النسوية على قدم وساق في كل المناحي الفكرية كاشفة عن قدرات هائلة حُرمناها بتقزيمها وإبطالها، وكثيرا ما يصلنا من نجد والربوع العربية الحجازية صوت نسوي شعري يبهرنا ويمتعنا، ومن القامات الإبداعية الشاعرة الإماراتية العربية خلود المعلا التي سنحاول في ورقتنا النقدية هاته الكشف عن بعض رهاناتها الإبداعية في مختاراتها الشعرية ‘ دون أن أرتوي’.

1 الانفتاح والرغبة في التواصل: في التفاتة نقدية على قدر من الذكاء والحصافة، كثيرا ما تورد الشاعرة كلمة ‘نافذة أو نوافذ’ (صفحة 14 15 25 39 43 46 77 84 115 135 139 )، والإطلال من النافذة رغبة جامحة في التواصل مع الآخر قد تكون مرفقة بنرجسية تسكن الذات تمنعها من النزول إلى حيث يوجد الآخرون، وقد تكون نتيجةَ قزمية الذات وعجزها عن مشاركة الآخرين الفعلية والأفقية لعملية التواصل وجها لوجه. النافذة ثقب في جدار عال غالبا عن قامات الناس في الأرض تتلصص فيه الذات النظراتِ من علٍ بدوافع متعددة كالخوف والكبرياء والرفضوالشفقة والتشفي، فهل نملك الجرأة على التنبؤ لنقولإن بقدر ما تملك الشاعرة رغبة ملتهبة في التواصل مع الخارج، لا تجد الظروف مهيأة لإنجاحه وإتمامه وعقده؟ توهمنا الشاعرة بالتحايل الفني المشروع أن اعتمادها على النافذة لا ينتقص تماما من وجودها، بل يخلق لها التحرر والتوحد بالكون، تقول في قصيدة ‘حرة تماما’: حرة تماما / أنظر من نافذتي الضيقة / فأرى الكون كاملا / تنجلي أسراره الكبرى / هكذا / حرة تماما / ألون تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج / أتصالح مع اللحظة التي تدخلني لذةَ الأشياء. ص 14.

بل تعتقد أن إطلالها من نافذتها حرس إنسانيها لأنه عصمها من الكما، والكمال موت في عرف الشعراء الدائمي البحث عن التغير:

من نافذتي الضيقة أطل / أنعم في التمدد / وسمائي مبللة بالحياة / أمارس ولعي بقطف ثمار وجودي / عاريةً من إصاباتي القديمة / عارية من الصمت المفرط حولي / حرة تماما / كي لا أكتمل. ص 15

في قصيدة ‘ مسيرتي الجديدة ‘تتعهد بأت تظل نوافذها مشرعة، لأن ذلك يكسِبها القدرة الصوفية على التواصل الدائري والباطني مع الذات أولا:

لن أغلق نوافذي بعد الآن / سأرفع أسدال كعبتي / أمضي قدما / غير آبهة بالنفوس القاحلة / هكذا أكشفني / أتبين ما تبقى من الجسد والذاكرة / أقرأني بصوت عال / أمرن حنجرتي على الصراخ / ليصحو النائمون / سأكون أفضل مما مضى / وما سيمضي. ص 39
لكن نوافذ الشاعرة في قصيدة ‘ لا يسمعني أحد ‘ لا تؤدي وظيفة التواصل التي تنتظرها:

نوافذي تنفتح على أرض تكتظ بالتائهين / كلما هبت نسمة كونية / هربتُ من ظلي / وطرت نحو أولئك المحزونين / لا يسمعني أحد من هؤلاء. ص 47

والحقيقة أن الشاعرة استطاعت بعمق كافٍ ورؤية فنية أن ترتقي بالنافذة من دلالتها المعجمية الاجتماعية المتفق عليها إلى دلالة ذاتية وخاصة بها، أي تحولت النافذة إلى رمز للتواصل له وعليه الكثير مما يمكن أن يقال، تقول في قصيدة ‘في غفلة من الوقت ‘:

النوافذ لا تفتح أبوابها للسجناء / والأسوار تزحف للسماء / كلما سال القلب في بئره. ص115

والرغبة في التواصل تعكس الانفتاح على الآخر والاحتماء من نرجسية الذات وأوهامها الإقصائية، وشاعرتنا تدرك أن الانكفاء على الذات والتقوقع في شرنقتها يجعلها ككتاب منسي مهجور، ولا قيمة للكتاب إلا في مقروئيته، تقول في قصيدة ‘لو أنه :’

لو أنه يفتح فنجاني / ويحدث نجمي / لو يقرأ طالع قلبي / ويدخل مداراتي / سيعرفني / في روح أماس حيرى / أقاليم عامرة بالبوح / دفاتر ما قرئت / ما كتبت / ما فتحت / حكايات من ألف دهر / لو يقرأ آياتي / يكشف أسرارا قدسية / نورا يرتد من لوني / جسدا مفتونا بالفجر / دفئا آخر / وحده لو يجمع أوراقي / تصير الشمس قصيدتنا / وبكائي أغنية / وغمامي أنهارا كبرى / سيحط نجمه فيَّ / سيعرفني / ويفهم كتاب صلاتي / أزليا يبقى / مأخوذا بالسر الأكبر / لو يعرفني. ص 95

2 ـ التجاوز والإصرار على الحياة: لا تستسلم الشاعرة للأقدار تعصف بها كما تشاء، ولا تنهار أمام ضرباتها وغاراتها، بل تتشبه بطائر الفينيق الذي يحترق ولا يموت فينبعث من رماده منتصبا ومنتفضا وصانعا لحياة جديدة. والحقيقة أننا كقراء لا نتساهل أبدا مع المبدع والشاعر خصوصا عندما يستلذ العيش في الكهوف بلغة الشابي العظيم، ونتعاطف مع الشاعر الكبير الذي بقدر ما تحاول الحياة إخضاعه وتكتيف يديه يرفعهما في وجهها محتجا ورافضا ومتمردا. الشاعرة تمتلك إرادة من فولاذ بها تستطيع الصمود والمقاومة والتشبث بحبل الحياة، وبذلك تُقبل على الحياة وتنفتح عليها غير منشغلة بمن رفع الراية البيضاء وانبطح مستسلما وقنع بالجحور والكهوف، تقول في قصيدة ‘مسيرتي الجديدة:’

سأرفع أسدال كعبتي / أمضي قدما / غير آبهة بالنفوس القاحلة / هكذا أكشفني / ….سأختصر العتمة منذ الآن / أتدخل في تحديد مسارات الريح / لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر / أبلغ قمة الجبال النقية / اضيء شمسا في سماء العالم.ص 39

ترفض الشاعرة العدم والتقليد وانتظار الحظ والصدفة وتدعو على العكس من كل ذلك إلى مواجهة الحياة والوقوف بصلابة في وجهها، وذلك يتطلب مجهودا ضخما يتمثل في تحرير الذات من الأصفاد الداخلية وطبقات الجليد التي تكبلها، تقول في قصيدة ‘دون مبالاة’:

لن أتمدد على فراش اللاشيء/ لن أبقى عالقة بما يرتبه الآخرون/ لن أبالي بأطباق يقدمها الحظ/ لن أصدق طالعي أبدا/ سأعتلي اليوم قمة الموجة/ نحو الضفة الحية/ أعبر عواصف ورعودا/ ودون مبالاة/ أكشف وأنكشف/ مرتكبة فعل الولادة من جديد.ص 29

وفيما تسعى الأجواء الخارجية إلى إخضاع الشاعرة وإفراغها من كينونتها وإرادتها ترفع التحدي شعارا، تقول في قصيدة:’

لن يهزمني فعل السنين أبدا/ أنا من يقرر النهاية/ وحين أختم سيرتي/ سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ محدثة رذاذا مضيئا/ ربيعا آخر/ في مكان آخر.ص67.

وتشق الشاعرة لنفسها اختيارا جديدا وتصنع سلاحا ناجعا تتصدى به لاكفهرار الواقع من حولها، إنه سلاح التصالح مع الألم قصد تدجينه واكتساب مودته، تقول في قصيدة ‘وهم النجاة’:
أحاول أن أفهم الألم/ لأفك رموزه داخلي/ أستريح/ أحاول أن أمرن حواسي على الانطفاء/ لأتمكن من قراءة الصحف اليومية/ وأن أتعلم مبادئ البلادة/ لأمارس تمارينها برشاقة بعد كل فنجان قهوة صباحي/ احاول أن أختبئ داخلي بانفتاح/ لأنجو من الولوج في متاهة هذا العالم/ أحاول أن أترك رأسي يرتاح بين كفي/ مستندا على صمت العدم الرتيب/ لتهدأ صفاراتي الدماغية/ واغفو على حلم/ بلا أمل في الصحو. ص63

3 ـ الخوف ورِعدة الوساوس: إننا لا نشحذ عزائمنا إلا لنتجاوز هزائمنا ولا نعتصم بالآمال إلا لنتدارك الآلام، وهذا واجبنا كسلالة منذورة لتعي واقعها ومهووسة دائما بتغيير الواقع نحو الأسمى والأفضل والأسعد. تعترف الشاعرة بعلاقتها المتوترة مع الآخرين، وهذا بالطبع ينعكس سلبا على الذات لإتصاب بلوثة الاغتراب، لذلك تغوص في أعماقها لتكتشف نفسها من جديد كقارّة عزلاء منسية بلغة درويش العظيم، تقول في قصيدة ‘صارت نهرا’:

من أعرفهم يجهلونني/ لا أحد يدخل تفاصيلي/ أتوه كثيرا/ أضيع الملامح/ فمن يدلني علي/ لألقاني/ وأستعيد صباي. ص93

والحقيقة أن الخوف ملازم للإنسان كالظل ولم ينج منه منذ أن كان عالة على الطبيعة إلى أن صار اليوم سيدها والمتحكم في أسرارها، والخوف ليس شعورا باتولوجيا ما دامت أسبابه موجودة، تقول في قصيدة ‘حين أقرر النهاية’:

السنون تتأملني/ بلطف تتحسس فعلها فيَّ/ تصر على إصابتي بالذبول. ص67.

ونتفق تماما مع الشاعرة في اعتبار الزمن البعبع الذي يخيف الإنسان وينغص عليه حياته لأنه يمتلك فاعلية التدمير والفناء ، فبقدر ما نبتسم للزمن أحيانا عندما يلقي إلينا بعظم نتعرقه، فإنه يكيد إلينا باستمرار ليوقعنا في دوامة الضياع والنهاية. تقول الشاعرة في قصيدة ‘وجع مستديم’:

كلما سقطت دمعة في الذاكرة/ توجع القلب/ توجسا/ مما سيسقط غدا.ص19

4 ـ الدرس الأخلاقي: نرفض تماما أن يتحول الشعر على منبر لتلقين الدروس الأخلاقية والوعظية، لأننا نخون أمانة الشعر المتمثلة في إثارة الأسئلة وإثارة الجمال من ركامات القبح والفساد وليس توجيه رسائل القيم المعلبة إلى القارئ، لأن القارئ لا يلجأ إلى الشعر عندما يشعر بفراغ روحي أو تشويش في المعتقد والإيديولوجيا.وجدنا الشاعرة في مواطن كثيرة تشير إلى أهميةالمحبة ودورها في تحقيق شرط السعادة. تقول في قصيدة ‘ نكهة خاصة بنا’ بنكهة نثرية:

هناك أشياء في الوجود غير قابلة للشفاء/ لا شيء إلا لأننا/ نخبئ عقاقير المحبة عن بعضنا/ وندعي الانكشاف. ص57

وبنفس المنظور تقول عن الصدق في قصيدة ‘أرق:’

تيقنت أن الصدق وريد المحبة/ وأن بمن هم مثلي/ يتحقق الكمال. ص69

ورغم أن الشاعرة تغلف محبتها بغطاء صوفي فإنها تفشل في جعل المحبة موضوعا شعريا وسؤالا فنيا.تقول في قصيدة ‘مدفوعة بمحبتي:’

للنفس حوائجها/ قرآن الليل جناحي/ لاصله عامرة وسرمدية/ أبواب جنتي هو حارسها/ والبحر بين يديه نهر/ في الليل ياخذني الشعر إليه/ فأنشغل/ ويشفني الوجد/ …..حاملة عشقي للبلاد/ فينبثق النور.ص90

وأخيرا نقول إجمالا إن الشاعرة تملك الكثير من القدرة على اللعب الشعري لصنع كون شعري ينمو في تربة المغايرة والاختلاف والفرادة، ولا نسجل على الشاعرة سوى اتخاذ الشعر قناة للتوصيل الأخلاقي والدعاية له، ولكننا نختم ورقتنا بقول المتنبي العظيم:
لئن يكن الفعل الذي ساء واحدا **** فأفعاله اللائي سررن ألوف.

بليغ حمدي إسماعيل – مجلة الكلمة - 16-5-2012

الجسد أيضاً يثور .. عيون غائرة تأبى الارتواء

هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة

عودة >>

بليغ حمدي إسماعيل – مجلة الكلمة - 16-5-2012

الجسد أيضاً يثور .. عيون غائرة تأبى الارتواء

هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة، أو ما يعرف بالحداثة، وهذه الحداثة هي التي قامت بفصل عالم النص الشعري عن مرجعية عالم الواقع الفيزيقي والاجتماعي المحيط، بحيث إننا لا نستطيع أن ندعي بأن الشاعر يريد كذا أو يقصد كذا، كما أن النقد المعاصر دائماً ما يؤكد أن شعراء الحداثة الشعرية بعيدون كمال البعد فيما يسطرونه من كلمات عن صور وتشكيلات الواقع الفعلي.

من ناحية أخرى فإن شعراء الحداثة الشعرية يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين "عالم النص" و "عالم الواقع" كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لشعر الحداثة، فإن خلود المعلا في ديوانها "دون أن أرتوي" الصادر عن سلسلة كتاب مجلة دبي الثقافية العدد السادس والخمسين تحاول جاهدة قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها .
والديوان في مجمله حالة استثنائية رغم إعلان صاحبته أنها شاعرة غير استثنائية، وهذه الاستثنائية تبدو من خلال تعدد الأصوات والحالات في قصائد الديوان، وهو ما نحاول الكشف عنه بإيجاز لضيق المساحة والمقام دون رصد العلاقة بين الشاعرة والنص، إنما الإشارة السريعة إلى العلاقة بين النص ذاته وبين مجتمعه .

فالنص نفسه "دون أن أرتوي" يتداخل فيه صوتان رئيسان هما صوت الحضور الجسدي، وصوت الحضور الأنثوي البارز في قصائد الديوان، وهذان الصوتان يقيمان علاقة فريدة ومميزة؛ وهي علاقة التوازي والتحاور في آن واحد، مثلهما مثل الجوقة والممثلين في عالم النص الشعري المسرحي اليوناني، حيث تصف الجوقة ما لا يمكن إظهاره بالأداء التمثيلي. وما ينبغي أن نلفت إليه النظر هو أن الحضور الجسدي في النص وظف في أكثر من وظيفة ووضع في أكثر من موضع، لأنه باختصار ـ الحضور الجسدي ـ قام بأكثر من دور وكل دور تضمن دلالة متعددة، اختلفت عن سابقتها في شعر الحداثة النسائي الذي كان يصر على جعل الحضور الجسدي للمرأة ظلاً غير واضح المعالم والتشكيل.

لكن الحضور الجسدي عند خلود المعلا في ديوانها "دون أن أرتوي" يتجلى لغوياً، وهي في ذلك تسعى خلود المعلا إلى تكريس وتحقيق رؤيتها للعالم والمجتمع، وهذا الحضور يمكن رصده من خلال الإشارات الشعرية التالية:

(أنعم في التمدد / عارية من إصاباتي القديمة / أحرك جسداً في الخفاء / فأجدني خارج المكان / توجع القلب / لأنام طويلاً /أستلقي وحيدة / وهذا الجسد ما زال بارداً / لن أتمدد على فراش / أتكور في سريري / أنكمش في قميصي الليلي / أمرن حنجرتي على الصراخ / يصير الجسد نجمة/ يليق بجسدي أن ينام مستسلماً لخواء الحواس) .

وفكرة الإمساك بشبكة من الكلمات المرتبطة بفعل الجسد وحركته تعتبر نقطة انطلاق لدلالة النص الشعري عند خلود المعلا، فدائما تظهر حركة الجسد الذي يأبى السكون، لذا فنجد صوت الفعل المضارع بازغاً وواضحاً عندما يقترن بالجسد، بالإضافة إلى أن حضور الفعل المضارع المقترن بحركة الجسد تغلب عليه صيغة المتكلم وهو الملمح الذي غلب على سياق النص اللغوي في نصفه الأول :

(أغمض/ أتكور/ أنكمش/ أنهض/ أخرج/ أتوسد/ أنكشف/ أتفتح/ أغسل/ أنام/ أنتشي/ أتلعثم/ أركض/ أتزين/ أنهض) . إذا يمكننا رصد حالة الجسد في نص خلود المعلا الشعري بأنه يثور دائماً وأنه رفيق اللحظة الآنية لواقعه الحالي لا يجتر ذكريات فائته إلا ليؤكد حالات شديدة الحضور الوقتي وهذه الثنائية لا تمثل ضدية أو نوعاً من التعارض، وهذه الثنائية تمثلها قصيدة " أرق ":

( وحين أدركت المعنى تحررت
مارست طقوسي بانعتاق
انطلقت نحو ذاكرتي
بذراعين مفتوحتين
تيقنت أن الصدق وريد المحبة
وأن بمن هم مثلي
يتحقق الكمال) .

وكما كان للفعل الماضي حضور، فإن له حضور مماثل لحضور الحدث المضارع الذي يشكل فعل الحركة والاستمرار دون تعقيد أو تركيب لغوي يثير الغموض كما في باقي شعر الحداثة، وهذان الحضوران يتطلبان متابعة مستمرة لإدراك فعل الجسد الذي يمكن القارئ من فهم وتأويل النص الشعري :

(حاولت أن أحمي مخيلتي
فتحت النوافذ
الكون بدا محيطاً من أرق
ودون أن أنتبه
بدأت أنبش تفاصيلي بحدة
أرسم أسئلة على شكل بيوت).

وهي بذلك تحاول أن تكسر الصورة الصريحة الكلاسيكية في استخدام الفعل الماضي المرتبط بالجسد والذي يشير إلى حالة ومقام السكون، وذلك عن طريق تزاوج الكلمة الماضية بمفردة مستمرة نشطة: (حاولت أحمي/ بدأت أنبش/ أرسم) .

ومثلما كان صوت الحضور الجسدي، وحضور التزاوج بين استخدام الفعل في صيغتيه الماضي والحاضر أكثر تميزاً ووضوحاً في نص الشاعرة خلود المعلا، فإن الصوت الأنثوي أو ما يعرف بالحضور الأنثوي كان على مقربة من هذا الحضور السابق، فالنص لا يقدم شخصاً غائباً نتلمس أصداءه من مفردات ذات خصوصية، تتصف بالسرد الرتيب والذي يقمع بدوره كل محاولة لظهور الذات أو إحدى صوره .

ولكن يبدو الحضور الأنثوي في النص واضحاً ومجسداً لمراحل التطور السردي غير الرتيب والذي أصبح ـ السرد ـ ملمحاً رئيساً لقصيدة النثر المعاصرة، وعادة ما تحاول الشاعرة ـ أية شاعرة ـ أن تعيد صياغة الشكل الهرمي لعلاقة المرأة بمجتمعها وغالباً ما تكون صورة هذه العلاقة مستترة غير واضحة مستخدمة فيها لسان امرأة أخرى غير لسان الشاعرة نفسها، بل لعل النصوص الشعرية النسائية المعاصرة تتستر خلف أقنعة وهي تحارب المد الذكوري في المجتمع، أما النص الشعري عند خلود المعلا فهو ليس في حرب شرسة مع هذه الذكورية الطاغية والتي تمارس قمعاً ثقافياً داخل النص، ويبرهن على ذلك حرص الشاعرة على وجود صيغة المتكلم بشكل صريح، مع قوة الكلمات التي تفيد محو التبعية وحالة القمعية تلك :

(هكذا حرة تماما/ أجتاز الحدود التي يرتبها الآخرون/ أتحرر من محارتي/ سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ أحب الأشياء التي أبتدع أسماءها لأنها تشبهني) . وهذا الحضور أيضاً يظهر في اختيارعناوين القصائد نفسها والتي تؤكد تحقق الذات الأنثوية بلا منازع أي بلا غياب لتلك الذات فنجد قصائد تحمل أسماء مثل : (حرة تماما/ مسيرتي الجديدة/ محبتي دائمة/ هزيمة تليق بقلبي/ لا يسمعني أحد/ البيت كما عهدناه/ وهكذا افترقنا/ كل عام وأنا/ حين أقرر النهاية/ هكذا أحيا أسطورتي/ لأنني/ مدفوعة بمحبتي) .

بقي إلى أن نشير إلى الملمح الرئيس في نص الشاعرة خلود المعلا والذي أسهب بعض النقاد في التنويه عنه وربما محاولين رصد هذا الملمح الذي نقصده بالمعجم الصوفي، وليست الحالة أو المقام . فالنص الشعري يؤكد بطول قصائده المتعددة على استنطاق المفردات اللغوية التي عادة لا تخرج عن المعجم الصوفي، وهي في استخدامها لهذه المفردات ربما تحاول أن تنأى قليلاً عن المشهد الاجتماعي الذي يبدو واضحا من أول قصائد الديوان وأن الشاعرة ليست بمنأى عن واقعها ومجتمعها ولا ترتدي أقنعة وهمية تواجه به مجتمعها .

ولأن خلود المعلا تملك حضوراً ذاتياً سواء على مستوى الاستخدام الجسدي للمفردات، أو من حيث حضورها الأنثوي والأفعال التي ترصد حركتها فهي تجنح إلى عالم متصوف يسمح من جديد بإعادة ظهورها بغير تستر أو غياب، فنجد ألفاظ وعبارات شعرية تعود إلى معجمها الصوفي مثل : (والزمن سرقك من غرفتي/ تطفو الروح/ سأرفع أسدال كعبتي/ هكذا أكشفني/ وهذا الفجر فاتحة أمري/ أجمع فضائل الوجود/ حاملة مشكاة فيها نوايا سماوية/ أصعد إلى السماء أتباهى في صعودي/ إنه العدم السرمدي) .

وهذا ونستطيع أن نجمل قراءتنا غير الاستثنائية لشاعرة تبدو بنصها الشعري استثنائية أنها مهتمة جد الاهتمام بصورة المرأة والإعلان عن بوحها الصامت منذ سنوات ضاربة في الأزل، وهي تدعي عبر الديوان القيام بدور البطولة متجنبة القمع الذكوري الذي يبدو باهتاً لا نلتمسه إلا في لحيظات شعرية بسيطة وسريعة، وكأن الشاعرة أرادت أن تهرب بعيداً عن سجن القصيدة النسائية المعاصرة والتي تجعل استهداف القصيدة موجهاً نحو الرجل الذي يقاصمها المجتمع بل يقتنص الجزء الأكبر منه، كما أن النص الشعري عند خلود المعلا يدعو القارئ دائما لكي يكون واعياً بقيمة الوعي تجاه المفردات التي تشكله ـ النص ـ وأن استخدامها يقيم علاقة متقاربة بين الشاعر والمجتمع بخلاف النصوص المعاصرة التي تفصل عالم النص عن عالم الواقع .

شمس الدين العوني – جريدة الصحافة التونسية 12 فبراير2012

دون ان ارتوي» قصائد مختارة للشاعرة الإماراتية خلود المعلا

ما القصائد ؟... ما اللغة؟ ... ما الشعر اصلا ؟ اسئلة محيرة تبتكر حيرتها من جنسها باعتبار المساحات الممنوحة لمداراتها المرعبة والمربكة والمأخوذة بتلوينات الخيال والدهشة والذهول.

عودة >>

شمس الدين العوني – جريدة الصحافة التونسية 12 فبراير2012

دون ان ارتوي» قصائد مختارة للشاعرة الإماراتية خلود المعلا

ما القصائد ؟... ما اللغة؟ ... ما الشعر اصلا ؟ اسئلة  محيرة تبتكر حيرتها من جنسها باعتبار المساحات الممنوحة لمداراتها المرعبة والمربكة والمأخوذة بتلوينات الخيال والدهشة والذهول.
 لذلك يقف  الشاعر تحديدا مأخوذا بالاحوال لا يقنع بغيرها في ضرب من التأمل والوجد  والصمت المفجر للمعاني..

إنها المتاهة المحفوفة بالجمال... بالمعرفة وبالفداحة الكامنة خلف المغامرة مغامرة  الكتابة بما هي حرفة... وحرقة... والشعر  هنا فصاحة  القلب وفق سياق مفتوح على الكينونة لتظل الطفولة عنوانا باذخا من عناوين الشاعر الذي يرى بعين القلب ما لا يراه بعين الوجه ... القصيدة إذن وبهذه الأفكار الآسرة  تلمس للأشياء وتقصد للألفة تجاه العناصر والتفاصيل وأبعد من ذلك هي لعبة الكشف باللغة وفي اللغة في جوهرها وعنوانها...  لأجل الصفاء  النادر هذا الذي تنجم عنه حالات الذوبان والتداخل بين الذات الشاعرة...  والآخر...

الآخر ونغني به مثلا تيجان المعاني والحروف ودهشة الأمكنة والأزمنة...  ومتعة هذا الإدراك لحظة  الكتابة...

 الكتابة  وعي استثنائي ... والشعر هو أقصى درجات  هذه الكتابة وهذا الوعي. وتأخذنا مفردة أقصى إلى ما يعني القلق... إنه القلق القديم... قلق المتنبي وقلق شاعر  الآن والهنا..

 إنه القلق  الجميل المؤسس بما به تستقي العناصر والتفاصيل في تناسقها وفي فوضاها وفي ما يجترح منها من اللغات  والمعاني...  
هكذا يأخذنا الشعر إلى دروب  شتى ومنعطفات فادحة لا نلوي معها على غير القول بالمتعة في عنفوان تجلياتها الجمالية  والتعبيرية بما يعزز  من روح التكثيف  تجاه الشجن  الإنساني الأخاذ الذي معه وضمنه تفتح  الكينونة  تفاعلاتها مع الذات والآخر في ضروب من أسئلة الوجد والفلسفة  والذوبان والحلول والحس...

 من هنا  وبهذه  العطور التي يمنحها الشعر  كجوهر من جواهر هذا الوجود يمكننا الولوج  إلى عوالم شاعرة عربية أخذت القصيدة  محمل جد وعنوان فجيعة في هذا الزمن لتمضي برقة النظر وحساسية التعاطي  وصدق المشاعر وفوضى الفلسفة ولذة الوجد الصوفي إلى جوهر الشعر باعتباره كتابة مخصوصة تأخذ صاحبها  إلى الخسارات النادرة في شيء  من الزهد حيث يرى الشاعر ما يحدث بشكل مغاير.
الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تخيرت هذا النهج الشعري الذي يقول بالمغامرة بعيدا عن الطرق المعبّدة والسهل والمألوف وفق رؤية واعية بحركة الشعر العربي والعالمي في خضم  اسئلة جمة منها بالأساس  سؤال  الحداثة الشعرية حيث القصيدة تكتب لحظتها بوعيها الفارق والمؤسس لنهج مفتوح على الاجناس والتعبيرات والمعارف.

 فبعد دواوينها الشعرية «هنا ضيعت الزمن» 1997 و«وحدك» و«هاء الغائب»2003 و«ربما هنا» 2008 صدرت لها قصائد مختارة بعنوان«دون أن أرتوي»  وذلك ضمن كتاب دبي الثقافي لعدد شهر ديسمبر 2011.
 هذه القصائد سافرت بنا الى  حد بعيد ضمن هذه التجربة الشعرية لشاعرة  تتقن فن الكتابة الشعرية الحديثة حيث القصيدة تلوين مغاير للتفاصيل لأجل اللحظة  التي تمنح الكائن لذّة الاشياء.
نقرأ في قصيدة «حرة تماما» بالصفحة 14 ما يلي:

«أمارس شغفي بعرض السماء
هكذا                  
حرّة تماما
أنظر من نافذتي الضيقة
فأرى الكون كاملا
تنجلي أسراره الكبرى
هكذا
حرّة تماما
ألوّن تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج
أتصالح مع اللحظة التي تدخلني لذّة الأشياء...»

القصائد يغلب عليها الحلم والحلم من شيم الشعراء ذلك أنّ خلود المعلاّ جعلت من الشعر بوابة للقول بالحلم ومشتقاته.. أليس الشعر بالنهاية ضرب من الحلم الباذخ في كون تعصف به الأحداث والتداعيات؟.
لقد اختارت الشاعرة عوالم الحلم تقصدا للقيمة والصعود نحو الأعالي وتأصيلا للذات والكيان ومن هنا يكون للشعر شيء من الجدوى في ترميم ما تداعى من عطب  في الوجود وفي إعادة التشكيل للعناصر والتفاصيل وهذا جوهر الشعر وجدواه في عالم معطوب...
تقول الشاعرة خلود المعلاّ في قصيدة «لا جدوى» بالصفحة 51:

«بقلبي أشكل الوجود
أرسم مسارات الغيم..
لتتحول بين كفي أنهارا أعرف مصابها
أدنو من البحر
....
ها أنا
أغمض عيني
أرسم حلما
أختار بلادا
أتذكر وجوه الذين تخلوّا عن الحياة بعزيمة
أراهم صاعدين
نحو قمم لا نعرفها
ليست لسواهم...»


إنّ تجربة الشاعرة خلود المعلاّ فيها الكثير من الوفاء للكتابة بعيدا عن الافتعال وأوهام الصراخ ... فقصيدتها حيّز من التلوين المحفوف بالكينونة والذات حيث يبدأ العالم من هناك.. ولعل هذا الحشد من الأفعال بصيغة المضارع بضمير المتكلم يشي بالرغبة في الفعل بقصد تحريك الاشياء وإبراز الأنا الطافحة بأمل التغيير والحلم والفعل تجاه ما هو رمزي وجمالي وفي شتى المعاني وصولا الى الواقع.. هذا الواقع الذي صار أكثر سريالية في تداعياته المختلفة.
تقول الشاعرة خلود المعلا في قصيدة هكذا أحيا ..... بالصفحة 70:

«أسكن القلوب التي تدخلها الشمس من سقفها
لأرى القلوب من مركزها
...
أحب الأشياء التي أبتدع اسماءها لأنها تشبهني
أتوق الى الروح التي تضيء العتمة لتصل اليّ
وأرى
في الوجود أشياء أفضل
حان لي أن أسعى اليها
أتحوّل إلى حقول محبة في مواجهة العالم،
كلما أزلت العدم من حولي
وملأت حواءه بالصدق والأصدقاء..»

هذه قصائد تستنطق الذات بحثا عن اللغة الصافية في ضرب من الشجن الخالص والبساطة المبكرة المحفوفة بكبرياء الشعر ومعانيه الفاتنة، كل ذلك يحدث بوعي فني وفق لغة مكثفة وصور محببة إلى النفس.. إنه شعر يخاطب الوجدان والذات رغم ثقله الإنساني من حيث الهموم والمعاناة.. إنه الشعر في دلالته العميقة باعتباره الترجمان الشفاف بذكاء لكونه الدافع إلى الإبداع والابتكار والنظر المخصوص للذات وللآخرين.. والحلم عنوان باذخ من عناوين هذه الرحلة في الحياة وفي الشعر... وما الفاصل بين الحياة والشعر!!.
بوسعنا أن نقول أن قصائد خلود هي رحلة ساحرة لأجل الاقامة في الحلم وأيّة اقامة تلك...
في قصيدة «صعود» بالصفحة 133 نقرأ ما يلي:

«للقمر
أقفز فوق الصمت
أصعد الظلمة المسكونة بالنجم
عند باب الوصل أجد القمر غفا
فأبقى هناك
معلقة في الحلم..»

عن هذه التجربة يقول الكاتب سيف المرّي: «خلود المعلا شاعرة استثنائية بحق، تعيش قلق الشاعرة والرغبة الملحة عندها في الإنعتاق والتوحد مع الذات والطيران حتى ولو بنجاح واحد..».
وفي جانب آخر يقول عنها الأستاذ نواف يوسف: «لقد دأبت خلود المعلا على كسر رتابة الشعرية المتفشية من خلال بديع متخيل على حافة الواقع بحس ومناخ صوفي».
إننا إذن ازاء تجربة شعرية مفتوحة على مزيد الإبداع والمغامرة في أرض القصائد التي لا تعرف السكون والاطمئنان حيث الشعر عمل دؤوب في المتخيل والمبتكر وقد راهنت الشاعرة خلود المعلا ضمن هذا النهج الشعري الصعب والجميل لأجل قصيدة باذخة وانيقة وصادقة...

محمد علي احمد عواجة – عضو إتحاد كتاب مصر 2012

تيار الوعي ومساحات الصمت: قراءة في ديوان (دون ان ارتوي) للشاعرة خلود المعلا

الشاعر المتحقق يعيد تشكيل الحياة فى شعره وفق رؤاه المتفردة ، إذ يستبطن ذاته ليخرج شلال مخزونه الباطنى متدفقا ، يرسم عالمه الشعرى فى تداع حر بلا رقيب ولا قيود...

عودة >>

محمد علي احمد عواجة – عضو إتحاد كتاب مصر 2012

تيار الوعي ومساحات الصمت: قراءة في ديوان (دون ان ارتوي) للشاعرة خلود المعلا

الشاعر المتحقق يعيد تشكيل الحياة فى شعره وفق رؤاه المتفردة ، إذ يستبطن ذاته ليخرج شلال مخزونه الباطنى متدفقا ، يرسم عالمه الشعرى فى تداع حر بلا رقيب ولا قيود ، ليستشفى بالشعر من هموم الوجود ،وأدران العلاقات الآسنة البالية ؛ ليصنع علاقات جديدة من خلال قصائده .. علاقات دواخله المحلقة فى ملكوت متسع لا يحد براحه إلا برقابة ذاته لذاته ، وقيده ومعتقده ، وآصرة انتمائه الإنسانى .
وهذا التداعى الشعرى الحر . لون من الإبداع المنتمى لتيار الوعى ؛ الذى تأصلت جذوره فى الأدب الغربى وانتقلت جيناته بالإحتكاك إلى أدبنا العربى ، فتجذرت أمشاجه فى القصة والرواية والشعر عند بعض أدباءنا الذين تشربوا الإبداع الغربى والشرقى معا ، فتخلقت لديهم نزعة المغايرة وإعادة تنشيط العمل الإبداعى بأشكال أدبية تغاير ما درج عليه الوجدان الشرقى وتعيد رسم خارطة الوعى برحابة إنسانية أكثر إستيعابا وإقترابا من دخائل النفس ومخزون ( لاوعيها) المتأصل فى صميم بنيتها الإنسانية .

لقد طالعتنا ( دبى الثقافية ) فى ديسمبر 2011 بديوان متميز للشاعرة خلود المعلا تحت عنوان ( دون أن أرتوى ) وهو ديوان يترك فى نفس قارئه قدرا من الشغف للغوص فى براحة الحياة بتداخلاتها المعقدة , ويترك له سعه غير محدودة من حرية التحليق والتصور , و إعادة تشكيل الرؤى الشعرية وفق مفاهيم لم يألفها دعاة النزعات التقليدية فى الشعر العربى لأن مساحات الصمت المعبر فى شعرها أكبر من اجتراءات الحرف على البوح وملء الفراغات بين احتشاد المشاعر وكثافة الصور , وكأن القارىء يمر على نصال تغوص فى أحشاء ذاكرته لتستخرج من ثقافته الجمعية ركاما من الأساطير والحكايا والتجاوز الصوفى محدود المادة وتعرى نفحة القهر الذكورى للأنثى , واحتباس مشاعرها بين قهر العادة وسياج الحياء , وترددات النفس فى نفس حاصرتها هموم الإتعتاق والتوحد بالطهر والأمنيات فتقول :

ألملم آخر البكاء
أرتدى الفجر
كى لا يتلون الحلم بالعتمة
النوافذ لا تفتح أبوابها للسجناء
والأسوار تزحف للسماء
كلما سال القلب فى بئره
للفعل الماضى فىِّ وجه وحكايا
للروح أبواب موصدة
تحمل ألف مفتاح للصمت

إنها قفزات حالة فوق حقول من الألغام والأشواك زرعتها عادات مجتمع إنسانى لم يتجاوز طفولة التعلق بعبودية الرغبات للأنفس إلى قفزة الأرواح فى سياحة كونية خارج المادة وأسر العادة والمألوف لعقول كادت تتجمد بين منظومة الحاجات والويائل .

إن المسكوت عنه فى عالمها الشعرى أكثر مئات المرات من المصرح به ، إذ تشكل مساحات الصمت فيه قدرا يشتمل على كم الرؤى التى تثار حوله من قارئيه ، وتصبح منظومة محاولات فهذه جزءا من عطاياه الابداعية ، فهو يثير فينا جملة من الصراعات النفسية المتعددة وتتساوق معه وبسببه رؤى إجتماعية وفلسفية وأيدلوجية تتناسب مع اتجاهات كل قارىء ولهذا النص الشعرى . وكأن النص يترك لقارئه إكمال جوانب الصمت فيه بقدر تصوره للحالة الشعورية وإعادة إنتاج جوانبها من جديد.

ومن أهم معالم شعرها تلاشى حدود الزمان والمكان فيه . فالماضى يطفو على سطح الذاكرة ..والأتى يجسده الخيال ، فيمثل بين يدى القلب واللحظة الأنية هى سيدة الموقف . وجامعه الماضى والحاضر والأتى فى حضرة الذات ، وأنس الخاطرة الشعرية ، والمكان يتسع مداه بحجم الكون وحجم الذاكرة الفردية والجمعية وإنفتاح أفق القصائد على تداخل عناصر الوجود ووحداته وتجاوز المادى وإلتصاقه بالروحى فى توحد وصراع ، إذ يلوح على مساحة القصيدة الواحدة كثير من الوحدات الداة المبعثرة كبعثرتها على آفاق الواقع .. ففى قصيدة ( القلب يهجر ) تقول

إلى مرافئه العتيقة يهجرنى القلب
هناك
تلوذ الروح بسرها من يرجع لى ليلتى
ويأخذ الحنين إلى مبتغاه
الشمس تعيد المنافى
ويأتى الصباح بالغياب
فى هجرة القلب
يعاودنى الوهم بلا نوافذ
تنقلب صباحات أخر
أتوه فى المسافة
فتلقانى قصيدة

هنا المرفأ , أو مرافىء يسترخى عندها والروح تسكن إلى سرها المستحيل , والنفس بين حنينها المنطفىء فى ليلة ماضية ، وحنينها الطالع الذى يريد الارتواء , والشمس تبعثر الناس إلى تحقيق غايات العمل , فتنقطع حبائل التآلف بالرغبة المتجددة , وفى زحمة التيه الحياتى اليومى المتوالى تتوالد القصائد بحجم التأجج والإنطفاء فى النوازع ، وبحجم تبدل حالات الأنفس المتقلبة بين المشاعر والهواجس والأحلام والحقائق .. حيث تتداخل حالات الحضور والغياب للأشياء والأوضاع كما تتداخل على تقلبات الرؤى بين الصباحات والمساءات . إنها دورة الكون فى الميلاد والفناء.

إن حالة الإنعتاق من قيود الترابط الفكرى والشعورى والإكتفاء بتلقى الفيض الشعرى ، والنزوع إلى تجريد آليات حدوث الأفعال الكونية والإنسانية , وتعميم النتائج كأمور مكررة الحدوث وتوالى رغبة وتنشيط الفق . كل هذا يعيد تشكيل الوعى الشعورى بمنطق جديد . يعتمد على محور الروابط القديمة أو الحفاظ على بقاء إختلافها وتجاوزها مع حالات الإفضاء المباح بلا قيود، إذ الفن يتراكم ويبقى , ولا ينفى بعضه بعضا.
أما العامل الأبرز فى حالة فى لإستمرار حالة الظمأ النفسى والإجتماعى ,,وعدم الإرتواء فهو يكمن فى سطوة الحياة المعاصرة بضغوطاتها التى حولت البشر إلى ترس فى ألة دون تمييز بين طاقات الرجل وحاجاته . وطاقات المرأة وحاجاتها , ومدى ملائمة الأعمال لكل منهما ,,, مع تمايز الوظائف الحياتية , وتباين البنية الجسدية والنفسية للذكر والأنثى . وصار البديل للفهم المتبادل بينهما صراعا لإثبات الذات . وسطوة عاطفة جديدة تمثل ضغطا عصبيا على المرأة , وتحل محل السطوة العشائرية القديمة ، وكأن الوأد الأزلى مكتوب على الأنثى فى حقوقها وحركة حياتها , إذ ضربت مادية الحياة سياجا حول العواطف النبيلة ، وأحكمت قبضتها على الأرواح والمصائر , هكذا تبدل الأنثى العربية ثوب وأدها القديم بأخر عصرى كما ترى فى قصيدتها التى تحت عنوان ( وأد) حيث تقول :

من يحملنى الليلة إلى الأرض الرابعة
ويقرأ النهاية
إمرأة وَأَدت سِرًّا
واستراحت
وردة تلبس الوقت
تتلون بالبرق
تطلق الضفائر للظل
وترفع راية العشيرة
لم يبق من الأنوثة سوى نونها
وللنون نقطة قديمة
منها يبدأ القاع
وينطفىء قلب
معها
تظهر وجوه خمسة
لها صفة الريح والبكاء
وميم الموت


انها عقدة دونية الأنثى فى التاريخ القديم ، وظاهرتى الوأد والرق فى الماضى . تمثلان كبوة جمعية إنسانية , ستظل جاثمة على قلب كل أنثى تعى قدرها الإنسانى , وتحترم الكائن البشرى أيا كان , وتفضله على سائر المخلوقات , وليس معنى هذا أن الرغبة الأنثوية تجنح إلى التحرر المطلق بلا وعى ، أو إدراك لقيمة القيم والفضائل , إنما هى تفتح إحدى عينيها على الرغبة فى الإنعتاق من التسلط الأعمى مهما كانت أطرافه ..وتفتح عينيها على الموروث الأخلاقى والدينى فى الطهر والعفاف والسمو السلوكى , وتعبر عن منظومة القيم العليا فى قصيدة ( مريم ) حيث تقول :

من كفك ولد المطر
لحظة الدفء عانقتنى
واندست خلف أصابعك حكايا الأمومة والحب
وولادة المسيح
احتَضنْتِنى
لم أعرف أن للدنيا أبواب مريم
أو وجها كوجه مريم
لم أسمع بكفّ يلتقط النجم
يمسح الوجع عن العالمين
وقلبا يشعل الوقت
يروى الروح

لكن العطب العضوى والنفسى يطارد الكائن المنوط به مسؤلية الاعمار والإصلاح الكونى والمثال الذى يتطلع إليه لا يتحقق , لأن الواقع الحياتى صراع وجبروت وتفاوت طبقى فى الإمكانات المادية والعاطفية ، واللوحة الإنسانية المثلى لا تقبع إلا فى خيال الشعراء , وربما لا يجدها الشعراء فى مخيلاتهم ، لأنها دائما لا تكتمل .. تقول ص 137

اللوحة لم تكتمل
الدموع ساكنة
والضجيج فى غفوة
والوسائد مسترخية بغباء
وأنا مازلت حبيسة اللوحة
حيث صفير العاصفة الورقية

إن السعى إلى إكتمال ..واشباع النهم الغريزى نحو المعرفة واللذة وإثبات الذات الإنسانية لأحقيتها فى التكريم يدفعها دائما إلى البحث عن سبل جديدة لترقية وعيها ، وتنمية مخزونها المعرفى ، وإثراء أفقها الشعورى بالمزيد من الكشف عن غموض الحياة وطلاسم الوجود وتأصيل العلاقات على بنية معرفية صحيحة خاصة علاقات الإنسان بالكون وأسرار المخلوقات , لذا تقترب الشاعرة كثيرا من الطبيعه باحثة عن أسرارها عن قاموس لغة جديدة ترصع بكلماته جيد قصائدها . وتكشف من خلالها دخائلها النفسية المستعصية على التطويع
فإذا كان الرومانسيون قد هربوا إلى الطبيعة ولاذوا بدفء نقائها وفطريتها وحلموا من خلالها بعالم بشرى فطرى دائم النقاء ، فإن إرادة الكشف وحب المعرفة قد حلت محل الهروب الفطرى . وأصبح الإقتراب من الطبيعة للفهم وتشارك الحياة . والبحث عن أوجه التشابه للغة الصراع وحركةالوجود
تقول الشاعرة فى قصيدة ( لغة البحر ) ص 21

أريد أن أفهم لغة البحر
لأنام طويلا
بين الجزر والمد

ولإستئناس هذه اللغة المكثفة وأنسنتها وتطويعها للفهم . نحول بسطها وربطها بالوجع الإنسانى , لتنبثق من مد الحياة وجزرها ينابيع الهموم الإنسانية وتنبسط شواغل النفوس كل على قدر همه ، ليتسع المدلول الإنسانى ، فيشمل كل مدارات البشر ، ويضيق لتخلع كل ذات بشرية عليه همها الخاص فيكتسب هذا الفيض التعبيرى أنسنته العامة من خصوصية هم صاحبه التساوق مع هموم الناس جميعا , ولكن الخبر التفسيرى فى النص ذاته لا يقدم مساحة نصية أكثر من مقطعين " أريد أن أفهم لغة البحر " .. " لأنام طويلا بين المد والجزر "

هذان المقطعان يعكسان حالات التوتر والقلق الناتجة عن إنغلاق مصادر التواصل والفهم بين الإنسان وما حوله ، ولو تصالح كل منا مع نفسه , وتصالح مع من حوله وانبسط فهمه ليحوى لغة الأحياء والأشياء ومنها " البحر " لفك رموز شيفرة التواصل ..وتناغم مع وجوده الذاتى ووجوده الكونى وأستراحت أعصابه وسكنت جوارحه بالرغم من أرجحة مد الحياة وجزرها . لكن عدم الوعى يدفعه لإستهلاك طاقاته فى صراع لا ينتهى بين مد وجزر فى لغة البحر. وهذا عمق فلسفى يربط آليات الفعل الحياتى للبشر بالظواهر الكونية . ليسهم فى إعادة تشكيل وعى جديد بالحياة والكون.

وبعد ؛ فكأن الشاعرة فراشة حائرة مرت على وادى الرحيق ، فعبأت سلتها ضوءا وعطرا ، ومرايا تعكس الأضواء على كل الظلال , وتناغي رغبة الروح بعتق الصور .. جنة الشعر لديها مساحات صمت من عبير وفراغ ، كلما أفرغت كأسا من جناها عاد الكأس للرحيق .. لكنما الأنفس لا ترتوى فى زحام الرغاب . إنه ظمأ يتجدد كلما أشبع ,, عادت دورته من جديد ,لإذ راحت تكاشف البوح شف لها عن جانب السر , وأغضى حياء, وحاور قلبها ..وانصرف

عدنان أحمد – الملحق الثقافي – جريدة الاتحاد -20 -01-2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»

لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة...

عودة >>

عدنان أحمد – الملحق الثقافي – جريدة الاتحاد -20 -01-2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»

تبديد وحشة المكان

لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة. كما أسهمت ترجمات بعض قصائدها الى أربع لغات أوروبية وهي الانكليزية والألمانية والإسبانية والايطالية ومشاركتها في بعض المهرجانات الشعرية العالمية بذيوعها النسبي وتقديم جانب من تجربتها الشعرية الى القارئ الأوروبي الذي يتوق فعلاً الى التعرِّف من كثب الى الشعرية العربية.

لابد من الإشارة الى أن هذه الدراسة النقدية تقتصر على مجموعتها الشعرية الرابعة الموسومة “ربَّما هنا” والتي لمسنا فيها تطوراً ملحوظاً عن مجموعاتها الثلاث السابقات وهي (هاءُ الغائب، وحدكَ، وهنا ضيَّعتُ الزمن). وقد شمِل هذا التطوِّر المعنى والمبنى في آنٍ معاً. كما أصبحت اللغة أكثر دلالةً وتكثيفاً من ذي قبل.

تعرية الذات

ربما يكون الأدب في جانب من جوانبه هو نوع من التعرية الذاتية التي تكشف طوّية الانسان، وتهتك أسراره إذا كانت هناك أسرار تستحق الهتك عبر آلية البوح الأدبي سواء أكان شعرياً أم نثرياً. وخلود المعلا، مناط هذه الدراسة، هي شاعرة تكتب قصيدة النثر بامتياز. وهذا النوع الأدبي الحر يناسب تماماً الحرية التي تتوق اليها المُعلا وتسعى الى تحقيقها بواسطة النص الشعري الذي تكتبه.
لا شك في أن العنوان “رُبَّما هنا” ينطوي على احتمالية مكانية قد تكون هنا في (دبي) أو ربما (هناك) في مكان آخر، في “رَيدِنجْ” أو لندن، تمثيلاً لا حصراً، لأن الشاعرة قد خصّت هذه المدن ببعض قصائدها الحميمة التي أخرجتها من الفضاء المحلي إلى الفضاء العالمي الذي يتصف بآفاقٍ ومشاهدَ مغايرة لما هو مألوف وسائد في نصوصها الشعرية.

لُعبة التمهيد

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الشعرية هو التمهيد الذي اقتطفتهُ من قصيدة (وهكذا افترقنا)، ووضعته في مُستهَّل هذا الديوان لتشير الى ثيمة رئيسة من ثيماتها المفضلّة التي تتكرر في نصوصها الشعرية. فقصائد هذا الديوان بمجملها توحي بأن الشاعرة وحيدة ومعزولة، وليست منعزلة بإرادتها، وإنما هناك قوة أكبر منها تفرض عليها هذا النوع من العزلة الموجِعة التي تؤسس لمناخ موحش وكئيب يأسر الشاعرة ويصفّدها بأغلال ثقيلة تحّد من حركتها، وتُثبط من محاولاتها المستميتة في الارتقاء والتسامي الصوفيين. تقول المُعلا في المستهَّل التمهيدي: “مازلتُ أستندُ الى محبَّتِهم/ والطريقُ التي تأخذُنا إلى بعضِنا/ كم صارت بعيدة!”. لا شك في أن الشاعرة الذكية قد انتقت أبياتاً لا تُحيل الى أشخاص محددين أو أمكنة معروفة، لأن معنى النص أو فكرته الأساسية سوف تظل عائمة، ويكتنفها ذلك النوع من الغموض المُحبَّب الذي يحرِّض القارئ على استغوار النص ومحاولة فكِّ رموزه وشيفراته أو إسقاط أقنعته في الأقل، غير أن هذا القناع يسقط دفعة واحدة حينما يصل القارئ الى القصيدة ما قبل الأخيرة من الديوان وهي (وهكذا افترقنا)، (وكنت أتمنى حقيقةً أن تكون هذه القصيدة هي خاتمة الديوان!)، ولكنها أردفتها بقصيدة (طقوس) فأفسدت علينا لعبة التمهيد والخاتمة حينما أربكت هندسة التلقّي وخلخلت توقعات القارئ التي لم تأتِ في محلها. فهذه القصيدة تتحدث حصراً عن فكرة (فراق الأصدقاء) أو (فراق الأحبّة) وكلا الكلمتين الأصدقاء أو الأحبة هما كلمتان أثيرتان لدى الشاعرة خُلود المُعلا، وتحتلان مساحة خاصة من قلبها ومشاعرها الداخلية العميقة. لقد بعُدت المسافة بينها وبين الأصدقاء الحميمين الذين لم يغادروا فلَك ذاكرتها، ولكن مهما اشتط المزار فهم قريبون منها لأنهم يسكنون في أعماقها، وهي من قبل ومن بعد، وفية لفكرة الصداقة على الرغم من قساوة الزمن الذي يتلاشى فيه الأصدقاء مُجبرين لا مُخيَّرين في أغلب الأحيان.

ثنائية الأمكنة

تتكرر ثنائية الـ (هنا) والـ (هناك) في أول نص شعري يحمل عنوان (لا يسمعُني أحد). ولو أردنا أن نحدد المكان الذي تقف فيه الشاعرة بوصفها خالقة للنص الشعري وساردة له في آنٍ واحد، فإنها حتماً ستكون في مكانٍ موحشٍ في الأقل. ولكي تبدد هذه الوحشة عليها أن تستجير بالصوت الفيروزي وتسرّبه الى الجدران الضيقة! لا ندري إن كانت هذه الجدران ضيقة حقيقة أم مجازاً؟ فضِيق الجدران أو ضِيق غرف البيت ذاته قد يكون متأتياً من القمع الأسري أو القهر الاجتماعي بأشكاله المتعددة والمعروفة في عالمنا العربي. وإذا كان بيتها ضيقاً الى هذا الحدّ الذي يقطِّع الأنفاس فمن الطبيعي أنه (لا يشبه بقية البيوت). أما نوافذ هذا البيت الغريب فإنها تُطِّل (على أرض تكتظُّ بالتائهين)، وهؤلاء التائهون ستصفهم لاحقاً بالمحزونين ولكن من دون أن تحدد هويتهم. هل هي دعوة لتحرير مخيّلة المتلقي الى هذه الدرجة التي تتيح له المشاركة في كتابة النص وإبداعه بوصفه قارئاً عضوياً لا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال؟ لا شك في أن امكانية الطيران المجازي متاحة لهذه الشاعرة الجريئة التي تحاول أن تصل الى هدفها المرسوم سلفاً على الرغم من وجود الكثير من العوامل المثبِطة منها عزلتها التامة، فكأنها تصرخ في واد، إذ لا يسمعها أحد البتة وكأنَّ هذا البيت الذي تقيم فيه ناءٍ وبعيد جداً. ثم تبثُّ سلسلة من الشكاوى اللاحقة التي تعزز عزلتها وانكسارها. فبلادها التي يُفترّض أن توفر لها أشياء كثيرة لم تُعطِها سوى نقطة ضئيلة من هامشها. هل نفهم من هذا التوصيف أن هامش بلادها كبير جداً، لكنها تشح حتى على أبنائها المبدعين الذين يعيدون صياغة الحياة في كل لحظة ابداعية خلاقة؟ يزداد الأمر تعقيداً حينما نكتشف أن جدران البيوت شاهقة جداً، والأدهى من ذلك أنها فقدت سلالمها! فكيف يتسنى لها، ما لم تطِر طيراناً حقيقياً، أن تصل الى أولئك التائهين أو المحرومين الذين تحول دون الوصول إليهم طرق الصعود الضيقة التي تفضي بها الى الهاوية بدلاً من أن تأخذها الى القِمة المُرتَقبة. وحينما يتعذّر على الشاعرة الوصول الى القمة المُرتجاة فإنها تتكئ على روحها علّها تصعد هي الأخرى الى الجنة ولو لمرة واحدة!

تمتلك الشاعرة في هذا النص شرف المحاولة في الأقل لكي تلبّي نداء المحرومين على الرغم من الفضاء الخانق الذي أشرنا إليه سلفاً. وحينما يعجز الجسد عن تحقيق رغباتها فإنها تستجير بالروح لكي تصل الى ما تصبو إليه عبر آلية الحلم لتثبت للآخرين أنها انسانة فاعلة وأن الخمول لم يعرف سبيلاً الى جسدها وروحها في آنٍ معاً.

السؤال الفلسفي

ثمة أسئلة شائكة وقريبة جداً من الفضاء الفلسفي تبثّها الشاعرة خلود المُعلا في قصيدة (لابُدَّ أن)، وفي قصائد أُخَرْ أيضاً لكي تتيّقن من حضورها الفيزيقي الذي يأخذ دائماً صفة هلامية قارّة وغير متعينة. فلكي تستدلَّ على حضورها الجسدي لابد أن تحدّق في المرايا، كما تنصح ثني روحها أن يفعل الشيء ذاته. وهذا اللا يقين الفلسفي هو الذي يمنح قصائدها جواً غريباً لم آلفه عند قريناتها من الشواعر العربيات في الأقل. كما يتكرر تعاطيها لفكرة الانعتاق أو التحرر المطلق سواء أكان ذهنياً أم جسدياً أم روحياً. ولأنها تريد أن تتماهى مع هذا التحرّر وتتخلص نهائياً من كل القيود التي تصفِّدها كروح شفّافة أولاً، وعقل حرون لا يستجيب إلا الى رغبة القلب الصادقة. ثمة احتجاج ملحوظ في هذا النص يمكن تلمّسه في البيت الأخير حيث تخرج من ذاتها لتحرّض بلغة الجمع وتقول من دون مواربة (لا بُدَّ أن نصرخ صرختنا الأولى)، هذه الصرخة العجيبة التي تعلن خشية أي قادم جديد مما تخبئه الأيام القادمة.


لا تخلو قصيدة (هكذا أحيا أسطورتي) من نبرة السؤال الفلسفي العميق الذي أشرنا إليه قبل قليل. فهي تستدلّ على قلب الفنان التشكيلي بواسطة اللون الواحد الذي يتكرر بحدّة في أعماله الفنية. أي أن اللمسة الخصوصية هي التي تقودها الى كُنْه الفنان وتفتح لها مغاليق الأشياء العويصة. ولذلك فهي تحب الأشياء التي تبتدع أسماءَها، أو بمعنى آخر أنها تحب أن تنغمر في أشيائها الخاصة لكي تُضفي عليها شيئاً من روحها القلقة المعذّبة المُحاطة بالعدم، هذا العدم الذي يحاصرها من كل حدب وصوب، لكنها تنتصر عليه بالصدق والأصدقاء والمحبّين. إن ذات الشاعرة خُلود المُعلا واسعة ورحبة وهي تلوذ بها كلما عاودتها الغربة الروحية، وأثقل عليها فعل الاغتراب.

يبدو أن الشاعرة خلود المُعلا قد سئمت من حياتها المملة الرتيبة التي أشرنا اليها سلفاً. فثمة جدران شاهقة، وغرف ضيقة، ومناظر متشابهة مكرورة تبعث على الوجوم أو تحفِّز على الاحساس بالفراغ، الأمر الذي دفعها لأن تثور ثورة عارمة على هذا السكون المطبق الذي يلف حياتها. لذلك قررت ألا تغلق نوافذها بعد الآن، وأن (ترفع أسدال كعبتها)، أي تتجاوز الظرف المكاني المقدّس الذي أُقحِمت فيه. فلا أستار ولا سدول بعد اليوم، لأنها عقدت العزم على أن تمضي للأمام (غيرَ آبهة بالنفوس القاحلة). إن هذا الاصرار العجيب الذي أبدته الشاعرة خُلود المُعلا ناجم عن وعيها الحاد، وشجاعتها الذهنية التي أهلّتها لأن تخوض غمار هذه التجربة التي سوف تؤدي الى كشف ذاتها كإنسانة وشاعرة مبدعة على حد سواء. لذلك بدأت تفكر بصوت عال، وتقرأ صفحات روحها وذهنها على الملأ من دون خشية أو تردد، لأنها باتت مثل كتاب أزرق الصفحات. وأكثر من ذلك فإنها بدأت (تمرِّن حنجرَتها على الصراخ) لتوقِظ النائمين وكأنها تريد أن تقول لهم بثقة كبيرة بأنها بعد هذه الثورة الجذرية ستكون (أفضل مما مضى ومما سيمضي)

الرتابة واللاجدوى

تعاني الشاعرة خُلود المُعلا من أزمة وجودية عميقة تقف وراءها أسباب كثيرة من بينها الرتابة والملل والفراغ والاحساس باللاجدوى وما إلى ذلك من عوامل نفسية واجتماعية وذهنية. ففي قصيدة (البيت كما عهدناه) كل شيء رتيب، وعلى سابق عهده، فالوقت هو الوقت، والبيت هو البيت كما عهدناه، لا أثر للتغيير على الرغم من توالي الفصول المتشابهة التي تُفاقم من الحالة النفسية لشخصية الشاعرة المأزومة.

لا تقف حدود الأزمة الوجودية عند الأسباب التي أشرنا اليها سلفاً لأن هناك ما هو أدهى وأمرّ من ذلك وهو الاحساس بعبث الحياة ولا جدواها.

إن الذي يلفت الانتباه في قصيدة (لا جدوى) هو ظهور الأنا التي كانت تتوارى وراء مهيمنات وجودية واحساسات شتى فيما سبق من قصائد. غير أن الذات في هذا النص قد انتبهت أول مرة، الى المظهر الخارجي، بخلاف العديد من الشاعرات العربيات اللواتي يراهنَّ أنوثة الجسد ومغرياته المعروفة. فبعد أن تحسست قلبها وشعرت به ينبض، وأنه لا يزال على قيد التوثب والمرح (نهضت مسرعة نحو نفسها) وتزينّت لملاقاة الحبيب الذي أطلّ صريحاً هذه المرة حيث قالت: (ألبسُ قميصاً رقراقاً لم يرَه حبيبي). ولا شك في أن صفة الرقراق كافية لكي تحيل القارئ الى مناخ الثراء الذي تعيشه الشاعرة، ولكنها محنة هذه الشاعرة أنها لا تنشد الثراء المادي ولا تتوق له، ربما لأنه مُتاح لها، وإنما تروم تحقيق ذاتها على الوجه الذي يرضي طموحها ونزقها الوجودي الى حدّ ما. كنت أتوقع أن تكون الشاعرة التي تحررت من محارتها في هذا النص، وتباهت في صعودها وتحليقها في شاهق السماء، أن تكون راضية وسعيدة بما أنجزته، غير أن الضربة المباغتة تأتي من حيث لا يحتسب القارئ ليكتشف سبباً جديداً لأزمتها المتأصلة حينما تسمع أصداء تردد إن (لا جدوى) فهي كأنما تعوم في (العدم السرمدي) الذي يلّف الكينونة برمتها.

شاعرة استثنائية

ثمة شعراء متواضعون في طبعهم وغير أدعياء ولا يميلون إلى المبالغة وتهويل الأشياء، ولكنهم يكتبون بالمقابل نصوصاً جيدة أو ربما ممتازة تخالف ما يدعّون من بساطة أو نبّو عن الاستثناء والتميّز، تماماً مثلما تفعل الشاعرة المبدعة خُلود المُعلا. ففي قصيدتها الجميلة (شاعرة غير استثنائية) ثمة تواضع ملحوظ لأن هذا النص الشعري لا يوحي أبداً (بالسذاجة) ولا ينتمي إلى نمط النصوص السائدة والمألوفة التي تموت إثر نشرها مباشرة، وإنما هو نص جذّاب وعميق، ولكنه قائم على عنصر المفارقة. وما إن يلج القارئ الى تضاعيف هذا النص حتى يكتشف أنه ازاء انموذج استثنائي حقاً. قد تكون الشاعرة وحيدة ومنزوية في صدفتها الخاصة، وقد (تمتهن الصمت) و (لا تجيد الكلام) كما ورد في متن القصيدة، ولكنها قادرة على أن تكتب نصاً مذهلاً يأخذ بتلابيب القارئ ويجذبه إلى مداراتها الآسرة.


الاغتراب الروحي

أشرنا غير مرّة إلى عزلة الشاعرة خلود المُعلا وإحساسها الممِّض بالوحدة، هذا الإحساس المُفجع الذي قد يفضي إلى الغربة الفيزيقية والاغتراب الروحي. ففي قصيدة (خّطُّ العودة) نكتشف من دون لأي أن الشاعرة أرِقة وقلقة كعادتها، ولكنها تداري هذا الأرق بما (لا تراه من وميض روحها)، هذا الوميض الذي يمدّها بنسغ الحياة، ويقوِّض بالنتيجة حياتها الرتيبة المستتبة. تتوافر هذه القصيدة على صورة شعرية نادرة تقترب من المَثل والحكمة الجميلة المعبِّرة التي تدور على الألسن حيث تقول: (أتعدَّدُ في المرايا كي لا أكون وحدي)، ويا لها من حيلة سينمائية جميلة تتجلى فيها الصورة البَصَرية على أكمل وجه. فلطالما أنها مُحاصَرة ووحيدة ونائية فلابد لها من أن تبتدع حلاً خاصاً بها، ولا أعتقد أن هناك معالجة فنية ذكية أجمل من لعبة التعدّد في المرايا التي تُجهِز على مفهوم الوحدة وتستأصله من جذوره.


الهمُّ الكوني

تشي معظم قصائد هذا الديوان بأن همَّ الشاعرة خُلود المُعلا هو همُّ وجودي أو كوني على الأصح. فنادراً ما تفكر في الأشياء الصغيرة والعابرة في حياتها. ففي الوقت الذي تفكر فيه بالوجوه التي غادَرَتْها وهذا أمر طبيعي تأخذنا في لحظة خاطفة تعوِّل عليها غالباً لتخبرنا بأنها (تفكِّر فيما وراء الوجود)، أي أنها لم تنهمك بإشكالية الوجود المعقّدة حسب، وإنما تذهب بإرادتها إلى التفكير بما وراء الوجود الذي لم تستوعبه لكي تلج الى غابة السؤال الفلسفي المحيِّر.

تُذكرُنا الشاعرة خلود المُعلا بين أوانٍ وآخر بأن الجزء الأكبر من حياتها يكاد يكون نهباً للقلق والأرَق الناجمَيْن عن الكوابيس أو الأطياف الليلية، فلا غرابة إن لم تستطع أن تنام ملءّ جفونها أو (ملءَ وحدتها) كما أشارت في البيت الأخير من قصيدة (قلق الذاكرة)، أو أرق الجسد، هذا الأرق الذي سيتفاقم في نص لاحق ليصبح (محيطاً من أرق). قد يفسِّر بعض النقاد أن هذا النزوع هو نوع المبالغة أو ربما الغلّو في تصوير الحالة النفسية التي تمّر بها الشاعرة، ولكن ما أن يمضي القارئ قليلاً في نص (محيط من أرق) حتى يكتشف أن الشاعرة هاهنا هي ليست أكثر من سجينة (تُحصي شُقوق الجدار الذي تستند إليه)، وأن هذه العادة لا يفعلها في حقيقة الأمر إلا السجناء الذين أمضوا سنواتٍ طوالا في السجون والمعتقلات بحيث يصبح فعل عدّ الشقوق طقساً ليلياً يمارسه السجين المغلوب على أمره.


النص الذهني

ثمة قصائد موغلة في ذهنيتها تتناسب مع الثيمات الفلسفية التي تتعاطى معها الشاعرة بحرية كبيرة، فلا غرابة أن تكون أغلب قصائدها من الطراز الثقيل الذي يستوقف القارئ. فلقد سبق أن أشرنا الى أن خُلود المُعلا لا تتكئ مطلقاً على لغة الجسد، ولا تستجير بالأنوثة كمعطىً إغرائي، وأنها تعزز لغتها الشعرية ذات التراكيب والأبنية الشعرية الجميلة حتى من دون الاستعانة بأدوات التشبيه أو التوصيفات المتسمة بالإيقاعات الخارجية المبهرجة أو ذات الرنين العالي التي لا تخدم بالنتيجة البنية الداخلية العميقة للنص الشعري الذي تكتبه بسلالة لغوية واضحة لا تخلو من طلاوة الكلمة وحلاوة الصورة الشعرية الجديدة غالباً وغير المطروقة.

اللحظة التنويرية

لابد من التنويه أيضاً إلى فرادة الأفكار أو الموضوعات الشعرية التي تعالجها خُلود المُعلا. فغالباً ما تكون زاوية النظر التي تتطلع من خلالها الشاعرة مختلفة. فإذا كان معظم النسوة يخشينَ فعل الزمان وما يخلّفه من آثار واضحة على المعالم الخارجية لأي كائن بشري، فإن خُلود المعلا هي الأنثى الوحيدة التي لا تنهزم أمام فعل السنين أبداً. إذاً، ثمة إصرار أو موقف مسبق، وعناد مرير يندر أن تجده عند شاعرة أخرى. وأنا أرد هذا العناد إلى إصرارها العجيب على مواصلة الحياة بطريقتها الخاصة. فهي التي سوف ترسم سيرتها بنفسها، وتخلق ربيعاً جديداً لم يألفه الآخرون.

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة. ومثلما نجحت في كتابة النصوص الطويلة ومتوسطة الطول فإنها نجحت أيضاً في كتابة النصوص القصيرة جداً. ويبدو أن خبرة خُلود في كتابة القصيدة مختلفة الأشكال هي التي مهدّت لها كتابة هذا النمط الذي يوحي لقارئه بأنها تستقطر الفكرة أو الصورة الشعرية التي يتمحور حولها النص الشعري القصير جداً.

د . صالح هويدي – الخليج الثقافي - جريدة الخليج - السبت 22 يناير 2011

جدلية الأمل واليأس: الانتظارات الموحشة في شعر خلود المعلا

تتردد موضوعة الانتظار في شعر الشاعرة خلود المعلا منذ أعمالها الأولى متساوقة مع أجواء التأمل التي تشيع في تجربتها وشبكة العلاقات التي تنسجها مع الآخر، سواء أكان هذا الآخر بشراً أو طبيعة أو أشياء وموجودات ...

عودة >>

د . صالح هويدي – الخليج الثقافي - جريدة الخليج - السبت 22 يناير 2011

جدلية الأمل واليأس: الانتظارات الموحشة في شعر خلود المعلا

تتردد موضوعة الانتظار في شعر الشاعرة خلود المعلا منذ أعمالها الأولى متساوقة مع أجواء التأمل التي تشيع في تجربتها وشبكة العلاقات التي تنسجها مع الآخر، سواء أكان هذا الآخر بشراً أو طبيعة أو أشياء وموجودات . ولا ريب في أن لموضوعة الانتظار صلة عميقة بفكرة الزمن التي ما تني تنمو ويتطور الإحساس بها لدى الشاعرة، متخذة مسارب متعددة وصوراً مختلفة، منحت تناولها عمقاً ودلالات إيحائية واسعة، لكننا هنا سنحاول الوقوف على تجليات فكرة الانتظار في مجموعة الشاعرة الأخيرة “ربما هنا” وحدها .
في نصها المعنون “كل عام وأنا . .” الذي يتحدث عن ليلة عيد ميلاد امرأة، يلفتنا أول ما يلفتنا انطواء العنوان على إضمار مقصود، متأت من أسلوب الحذف الحاصل في العبارة الأصلية (كل عام وأنا بخير) والمقابلة للعبارة المألوفة (كل عام وأنت بخير)، بسبب من كون العبارة هنا صادرة عن المتكلم نفسه، وهو حذف سنحاول فض أسراره لاحقاً:

“ليلة ميلادي/ارتديت أجمل قمصاني الليلية/ تزينت/ قرأت يومياتي/ استعدت أمنيتي / أشعلت شمعة/ وانتظرت/
. . . . ./ طويلاً/ كما في العام الذي مضى” .
في هذا النص المكثف تستوقفنا بعض أمور، منها تسليط الشاعرة الضوء على مظاهر الاستعداد الذي لجأت إليه المرأة في تلك الليلة، مركزة على بعض التفاصيل الدالة المنتقاة، من ارتداء أجمل الأزياء، وقراءة اليوميات، واستعادة الأمنية، وإشعال الشمعة، والانتظار الطويل .

إن لقراءة المرأة يومياتها في مثل هذا الطقس دلالة لا تخفى على البعد الثقافي لوعي المرأة، إلى جانب ما يوحي به فعل قراءة اليوميات من وقوف على معالم الماضي أو ذكرياته، في حين تنطوي عبارة “استعدت أمنيتي” التالية لها مباشرة على الدلالة المستقبلية للفعل، إذ ترتبط الأمنية عادة بتمني ما يأمل المرء في تحققه، وبذلك فإن المرأة قد انتقلت من أفعال الحاضر المتمثلة في اتخاذ زينتها والاستعداد لليلة إلى استعادة زمن المضي والتوسل بزمن المستقبل المأمول .

تبدو المرأة إذن على غير عجلة من أمرها، فهي لم تلجأ إلى إشعال الشمعة إلا بعدما أنهت طقوسها التي أسرّت بها إلينا، بما فيها قراءة اليوميات التي نعرف أنه ليس بمقدور كل امرأة ممارستها أو الانتظار إلى ما بعد أدائها، كما يلفت نظرنا أن عدد الشموع التي تشعلها المرأة لا يتعدى الشمعة الواحدة، وهي ممارسة تنفتح على معنى ارتباط هذه الشمعة بالسنة الجديدة الآيلة للانصرام(الذبول) وليس إلى عمر المرأة المحتفى به، وكأنها بذلك تسعى إلى حجب أو تغييب عمرها، لما ينطوي عليه ذلك من ألم، ربما .

ثمة اختزال وحذف تشير إليه النقاط الموضوعة بهدف التكثيف وتعميق الإحساس باستمرار زمن الانتظار مدة أطول، بدلاً من اللجوء إلى الشرح، ليسلمنا النص إلى عبارته الختامية (كما في العام الذي مضى) . وهي عبارة مكتنزة بالمعنى الدال على سيرورة الزمن واستمراره وتشابه وقائعه لديها، وتكرارها، إذ نشعر أن حدث الانتظار لم يكن حدثاً عارضاً بقدر ما هو حدث متكرر ذو زمن دائري، يتكرر كل عام .

والحق فإن عدول الشاعرة في عبارتها الأخيرة من الصيغة الاسمية للصفة (العام الماضي) إلى الصيغة الفعلية (الذي مضى) ينطوي على فداحة الإحساس بسريان الزمن وتصرّمه، وعلى توكيد عمق الإحساس بفعله لا بصفته حسب، ولا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتفال بهذه المناسبة يأخذ شكل احتفال فردي بالوحدة، بعيداً عن طقسه الجمعي في حالات الفرح والبهجة .

من هنا يمكننا العودة إلى عنوان النص(كل عام وأنا . .) لنلقي الضوء على طبيعة المسكوت عنه، والذي يبدو هنا فعلاً أو إضماراً قصدياً من لدن المرأة، فالشاعرة لا تستطيع بعد كل ما شهدته من أحوال المرأة أن تعبر عن حالها بالعبارة المترددة على ألسنة الناس في مناسبة كهذه (وأنا “وأنت” بخير) . لذا فهي تؤثر - كيما تكون صادقة في التعبير عن التجربة - أن تترك الأمر محايداً مفتوحاً وقابلاً للاحتمال والتفسير، وإن كان الاحتمال المرجح الذي توحي به العبارة يتجه إلى عكس ما تفصح عنه العبارة المألوفة عادة، وبخاصة أنه يأتي على لسان المرأة نفسها، فأي خير يا ترى تحسه تلك التي لمّا تزل تتزين وتستعيد أمنياتها في انتظار ما لا يبدو أن السنوات التي تكر قادرة على الإتيان به؟ إنه يذكرنا بزمن (جودو) والذي يأتي ولا يأتي .
وما دام الانتظار هو سيد الموقف، فلم لا تكون العبارة ضرباً من ضروب الوصف أكثر منها تمنياً . فلربما أرادت المرأة أن تقول: كل عام وأنا في انتظار، أو كل عام وأنا في هذا الحال، أو كل عام وأنا في حال لا أعرف كنهه!

وإذا كان الانتظار قد ارتبط في قصيدة عيد الميلاد بمشاعر المرأة وإحساسها بالزمن، فإن هذا الانتظار قد يرتبط أحيانا بالرغبة في كسر حاجز الصمت المحيط بنا، والمتضخم في أحاسيسنا، في هيئة الصوت المبدد للصمت .

لقد تضخم الصمت في وعي المرأة وشعورها حتى بدا لها مفرطا إذن . وهو شعور طبيعي لمن يفتقد وقوع أحداث تشعره بتجدد الزمن وبجريانه، فالصمت موات والصوت تغير منذر بحدوث جديد، لذا برز فعل الانتظار واضحاً(أنتظر كثيراً)، يصحبه على مستوى النص ما يشبه التوسل بما يكسر(أو بمن يكسر) هذا الصمت .

وقد يتداخل بعدا الصوت والصورة(السمعي والبصري) معاً للتعبير عن حالة الانتظار، كما في نص الشاعرة اللافت “ارتطام مختلف” الذي يقوم على بنية المفاجأة . فلقد بدت المرأة في هذا النص وقد امتلأت جدران حواسها بمرأى المدن الفضية للمطر، وهي عبارة توحي بمدى ارتباط وجدان المرأة بصورة المطر، واستعدادها لملاقاته .

لقد تزامن امتلاء وجدان المرأة بالمطر مع حدث طرق الباب الذي يأخذ فيه الفعل احتمالية الصيغتين (المبني للمجهول والمبني للمعلوم)، لينفتح على تعدد احتمالاته؛ بين طارق إنسان أو طارق يعود على المطر نفسه، إذ يحتمل النص توجيهه وفق الصيغتين معاً:

“عند الفجر/ والمطر يملأ جدران حواسي بمدائنه الفضية / طرق بابي/ فتحت/ فباغتني صوت ارتطام قلبي بالريح” .

وإذا كان فتح الباب هو الذي يضع حداً للترقب وللمجهول المنتظر، فإن فتح المرأة الباب في نص الشاعرة قد نجح في تحويل أنظار القارئ عن التفكير في جنس الطارق وكنهه، من خلال إدخاله في لعبة المباغتة التي نجحت الشاعرة في إحداثها، فلقد عدلت الشاعرة عن التعبير المباشر عن الحالة إلى التعبير بالمعادل الرمزي، وهو (ارتطام قلبها بالريح) .

إن مباغتة المرأة بصوت ارتطام قلبها بالريح إنما أريد له تعميق إحساسها وإحساس المتلقي في آن معاً بلا جدوى الانتظار وباللاشيء، فليس للريح من دلالة هنا سوى المسح والكنس والمحو . إنها إذن المقابل للمطر المنتظر لدى المرأة، الدال على الأمل وبعث الخير وحسن الطالع . يزيد من تعميق إحساسنا بهذا المعنى اختيار الشاعرة لفعل الارتطام بدلاً من أفعال أخرى مرادفة، وذلك لما في هذا الفعل من دلالة الاصطدام بالشيء بقوة .

وقد يكون الانتظار فعلاً يائساً، لكن لا مفر منه؛ لأنه جزء من عاداتنا التي لا نستطيع لها تبديلا، على الرغم من إدراكنا خطلها وعبثها، ليتكشف لنا في النهاية عن فداحة اختيارنا ومفارقته .

ولا شك في أن لهذا الاختيار المعاند بواعثه وأسبابه، وهو مهما كان خاطئاً فإنه تعبير عن إرادة الشخصية ووعيها ومزاجها، ما دامت مدركة لأبعاده، كما في نص (بيضة):

“يتناسل الحب من البيت المضيء / ذي النوافذ المفتوحة على البحر/ وأنا أسكن داخل بيضة
وأنتظر الحب!” .

وفي نص (محض الظلمة) تلجأ الشاعرة إلى تنويع شبيه بانتظارنا المطر، ربما كان برقاً أو نجماً تهيأ للمرأة رؤيته من فرط ترقبها وانتظاراتها، ثم سرعان ما تكشف لها بطلان تلك الرؤية، وتجسدها في هيئة انطفاءٍ محض لذلك المنتظر:

“في ليلة أخرى/ لمع/ لم يكن نوراً / كان انطفاء محضا” .

وقد يتعدى التعبير عن موضوعة الانتظار بعده التجريدي الذي مر بنا ليتلبّس هيئة الآخر المنتظر، متجسداً في شخص المحب، كما في نص “محبتي دائمة” .

لقد لجأت الشاعرة في هذا النص إلى اجتراح معنى طريف للفراق، فليس من الضروري أن يكون للفراق طعم المرارة والأسى، وليس من الضروري أن تكون السعادة رهناً بما نحظى به من تلاق، فربما كان للفراق والبعد أفراحه وسعاداته التي يخلفها في النفس، وهي المعاني التي يحاول الفن إقناعنا بمنطقه وإن جانب الواقع ومعطياته الحسية ومشاعر أناسه، ولم لا أفلا تشيع في النفس بقايا العلاقات وذكرياتها حالة من الرضا، حين يتخلص المرء من أسرها راغباً أو مستسلماً، ويتخفف من أثقالها في لحظة من لحظات الاستذكار:

“ما زلت أحبه/ ولأنني كذلك/ أطلقت طيوره للفضاء/ واكتفيت بالفراغ الذي خلفته” .

ولعل الطرافة هنا تنبع من أن الشعر العربي كله حين يتحدث عن لحظات الفراق في العلاقات الإنسانية، فإن الزاوية التي ينطلق منها دائما هي التركيز على الذكريات والتغني بها والتمسك بكل ما يتصل بها من لوازم وبقايا وموجودات، باعتبارها تعويضاً أو كناية بالمعنى البلاغي، لكن الشاعرة تقف بنا هنا على معنى غير مسبوق، حين تسلط الضوء على المرأة في لحظة سلوك تحتفي به بالفراغ الذي ولده شعور التخلص من ذكريات الحبيب الآسرة . إنه شعور نفسي لا سبيل إلى تطبيق مقاييسنا المعيارية عليه أو اختبار صدقه من عدمه، ما دام كل شيء في المشاعر الإنسانية ممكناً، بما في ذلك صور التناقض .

لقد استطاعت الشاعرة خلود المعلا أن تنسج من موضوعة الانتظار فضاء فنياً معبراً عن جدلية الأمل واليأس في النفس البشرية في مجموعتها الأخيرة التي حققت فيها نقلة نوعية في لغتها وحساسيتها وتكثيفها وأدائها التعبيري جميعاً، بعدما نجحت في تأثيث ذلك الفضاء بأبعاد إنسانية ودلالات إيحائية، ضمنت له عمقه وتأثيره.

عدنان حسين أحمد – الاتحاد الثقافي – جريدة الاتحاد - 20 يناير 2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»تبديد وحشة المكان

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة...

عودة >>

عدنان حسين أحمد – الاتحاد الثقافي – جريدة الاتحاد - 20 يناير 2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»تبديد وحشة المكان


لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة. كما أسهمت ترجمات بعض قصائدها الى أربع لغات أوروبية وهي الانكليزية والألمانية والإسبانية والايطالية ومشاركتها في بعض المهرجانات الشعرية العالمية بذيوعها النسبي وتقديم جانب من تجربتها الشعرية الى القارئ الأوروبي الذي يتوق فعلاً الى التعرِّف من كثب الى الشعرية العربية.
لابد من الاشارة الى أن هذه الدراسة النقدية تقتصر على مجموعتها الشعرية الرابعة الموسومة “ربَّما هنا” والتي لمسنا فيها تطوراً ملحوظاً عن مجموعاتها الثلاث السابقات وهي (هاءُ الغائب، وحدكَ، وهنا ضيَّعتُ الزمن). وقد شمِل هذا التطوِّر المعنى والمبنى في آنٍ معاً. كما أصبحت اللغة أكثر دلالةً وتكثيفاً من ذي قبل.

تعرية الذات

ربما يكون الأدب في جانب من جوانبه هو نوع من التعرية الذاتية التي تكشف طوّية الانسان، وتهتك أسراره إذا كانت هناك أسرار تستحق الهتك عبر آلية البوح الأدبي سواء أكان شعرياً أم نثرياً. وخلود المعلا، مناط هذه الدراسة، هي شاعرة تكتب قصيدة النثر بامتياز. وهذا النوع الأدبي الحر يناسب تماماً الحرية التي تتوق اليها المُعلا وتسعى الى تحقيقها بواسطة النص الشعري الذي تكتبه.
لا شك في أن العنوان “رُبَّما هنا” ينطوي على احتمالية مكانية قد تكون هنا في (دبي) أو ربما (هناك) في مكان آخر، في “رَيدِنجْ” أو لندن، تمثيلاً لا حصراً، لأن الشاعرة قد خصّت هذه المدن ببعض قصائدها الحميمة التي أخرجتها من الفضاء المحلي الى الفضاء العالمي الذي يتصف بآفاقٍ ومشاهدَ مغايرة لما هو مألوف وسائد في نصوصها الشعرية.

لُعبة التمهيد

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الشعرية هو التمهيد الذي اقتطفتهُ من قصيدة (وهكذا افترقنا)، ووضعته في مُستهَّل هذا الديوان لتشير الى ثيمة رئيسة من ثيماتها المفضلّة التي تتكرر في نصوصها الشعرية. فقصائد هذا الديوان بمجملها توحي بأن الشاعرة وحيدة ومعزولة، وليست منعزلة بإرادتها، وإنما هناك قوة أكبر منها تفرض عليها هذا النوع من العزلة الموجِعة التي تؤسس لمناخ موحش وكئيب يأسر الشاعرة ويصفّدها بأغلال ثقيلة تحّد من حركتها، وتُثبط من محاولاتها المستميتة في الارتقاء والتسامي الصوفيين. تقول المُعلا في المستهَّل التمهيدي: “مازلتُ أستندُ الى محبَّتِهم/ والطريقُ التي تأخذُنا إلى بعضِنا/ كم صارت بعيدة!”. لا شك في أن الشاعرة الذكية قد انتقت أبياتاً لا تُحيل الى أشخاص محددين أو أمكنة معروفة، لأن معنى النص أو فكرته الأساسية سوف تظل عائمة، ويكتنفها ذلك النوع من الغموض المُحبَّب الذي يحرِّض القارئ على استغوار النص ومحاولة فكِّ رموزه وشيفراته أو إسقاط أقنعته في الأقل، غير أن هذا القناع يسقط دفعة واحدة حينما يصل القارئ الى القصيدة ما قبل الأخيرة من الديوان وهي (وهكذا افترقنا)، (وكنت أتمنى حقيقةً أن تكون هذه القصيدة هي خاتمة الديوان!)، ولكنها أردفتها بقصيدة (طقوس) فأفسدت علينا لعبة التمهيد والخاتمة حينما أربكت هندسة التلقّي وخلخلت توقعات القارئ التي لم تأتِ في محلها. فهذه القصيدة تتحدث حصراً عن فكرة (فراق الأصدقاء) أو (فراق الأحبّة) وكلا الكلمتين الأصدقاء أو الأحبة هما كلمتان أثيرتان لدى الشاعرة خُلود المُعلا، وتحتلان مساحة خاصة من قلبها ومشاعرها الداخلية العميقة. لقد بعُدت المسافة بينها وبين الأصدقاء الحميمين الذين لم يغادروا فلَك ذاكرتها، ولكن مهما اشتط المزار فهم قريبون منها لأنهم يسكنون في أعماقها، وهي من قبل ومن بعد، وفية لفكرة الصداقة على الرغم من قساوة الزمن الذي يتلاشى فيه الأصدقاء مُجبرين لا مُخيَّرين في أغلب الأحيان.


ثنائية الأمكنة

تتكرر ثنائية الـ (هنا) والـ (هناك) في أول نص شعري يحمل عنوان (لا يسمعُني أحد). ولو أردنا أن نحدد المكان الذي تقف فيه الشاعرة بوصفها خالقة للنص الشعري وساردة له في آنٍ واحد، فإنها حتماً ستكون في مكانٍ موحشٍ في الأقل. ولكي تبدد هذه الوحشة عليها أن تستجير بالصوت الفيروزي وتسرّبه الى الجدران الضيقة! لا ندري إن كانت هذه الجدران ضيقة حقيقة أم مجازاً؟ فضِيق الجدران أو ضِيق غرف البيت ذاته قد يكون متأتياً من القمع الأسري أو القهر الاجتماعي بأشكاله المتعددة والمعروفة في عالمنا العربي. وإذا كان بيتها ضيقاً الى هذا الحدّ الذي يقطِّع الأنفاس فمن الطبيعي أنه (لا يشبه بقية البيوت). أما نوافذ هذا البيت الغريب فإنها تُطِّل (على أرض تكتظُّ بالتائهين)، وهؤلاء التائهون ستصفهم لاحقاً بالمحزونين ولكن من دون أن تحدد هويتهم. هل هي دعوة لتحرير مخيّلة المتلقي الى هذه الدرجة التي تتيح له المشاركة في كتابة النص وإبداعه بوصفه قارئاً عضوياً لا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال؟ لا شك في أن امكانية الطيران المجازي متاحة لهذه الشاعرة الجريئة التي تحاول أن تصل الى هدفها المرسوم سلفاً على الرغم من وجود الكثير من العوامل المثبِطة منها عزلتها التامة، فكأنها تصرخ في واد، إذ لا يسمعها أحد البتة وكأنَّ هذا البيت الذي تقيم فيه ناءٍ وبعيد جداً. ثم تبثُّ سلسلة من الشكاوى اللاحقة التي تعزز عزلتها وانكسارها. فبلادها التي يُفترّض أن توفر لها أشياء كثيرة لم تُعطِها سوى نقطة ضئيلة من هامشها. هل نفهم من هذا التوصيف أن هامش بلادها كبير جداً، لكنها تشح حتى على أبنائها المبدعين الذين يعيدون صياغة الحياة في كل لحظة ابداعية خلاقة؟ يزداد الأمر تعقيداً حينما نكتشف أن جدران البيوت شاهقة جداً، والأدهى من ذلك أنها فقدت سلالمها! فكيف يتسنى لها، ما لم تطِر طيراناً حقيقياً، أن تصل الى أولئك التائهين أو المحرومين الذين تحول دون الوصول إليهم طرق الصعود الضيقة التي تفضي بها الى الهاوية بدلاً من أن تأخذها الى القِمة المُرتَقبة. وحينما يتعذّر على الشاعرة الوصول الى القمة المُرتجاة فإنها تتكئ على روحها علّها تصعد هي الأخرى الى الجنة ولو لمرة واحدة!

تمتلك الشاعرة في هذا النص شرف المحاولة في الأقل لكي تلبّي نداء المحرومين على الرغم من الفضاء الخانق الذي أشرنا إليه سلفاً. وحينما يعجز الجسد عن تحقيق رغباتها فإنها تستجير بالروح لكي تصل الى ما تصبو إليه عبر آلية الحلم لتثبت للآخرين أنها انسانة فاعلة وأن الخمول لم يعرف سبيلاً الى جسدها وروحها في آنٍ معاً.

السؤال الفلسفي

ثمة أسئلة شائكة وقريبة جداً من الفضاء الفلسفي تبثّها الشاعرة خلود المُعلا في قصيدة (لابُدَّ أن)، وفي قصائد أُخَرْ أيضاً لكي تتيّقن من حضورها الفيزيقي الذي يأخذ دائماً صفة هلامية قارّة وغير متعينة. فلكي تستدلَّ على حضورها الجسدي لابد أن تحدّق في المرايا، كما تنصح ثني روحها أن يفعل الشيء ذاته. وهذا اللا يقين الفلسفي هو الذي يمنح قصائدها جواً غريباً لم آلفه عند قريناتها من الشواعر العربيات في الأقل. كما يتكرر تعاطيها لفكرة الانعتاق أو التحرر المطلق سواء أكان ذهنياً أم جسدياً أم روحياً. ولأنها تريد أن تتماهى مع هذا التحرّر وتتخلص نهائياً من كل القيود التي تصفِّدها كروح شفّافة أولاً، وعقل حرون لا يستجيب إلا الى رغبة القلب الصادقة. ثمة احتجاج ملحوظ في هذا النص يمكن تلمّسه في البيت الأخير حيث تخرج من ذاتها لتحرّض بلغة الجمع وتقول من دون مواربة (لا بُدَّ أن نصرخ صرختنا الأولى)، هذه الصرخة العجيبة التي تعلن خشية أي قادم جديد مما تخبئه الأيام القادمة.
لا تخلو قصيدة (هكذا أحيا أسطورتي) من نبرة السؤال الفلسفي العميق الذي أشرنا إليه قبل قليل. فهي تستدلّ على قلب الفنان التشكيلي بواسطة اللون الواحد الذي يتكرر بحدّة في أعماله الفنية. أي أن اللمسة الخصوصية هي التي تقودها الى كُنْه الفنان وتفتح لها مغاليق الأشياء العويصة. ولذلك فهي تحب الأشياء التي تبتدع أسماءَها، أو بمعنى آخر أنها تحب أن تنغمر في أشيائها الخاصة لكي تُضفي عليها شيئاً من روحها القلقة المعذّبة المُحاطة بالعدم، هذا العدم الذي يحاصرها من كل حدب وصوب، لكنها تنتصر عليه بالصدق والأصدقاء والمحبّين. إن ذات الشاعرة خُلود المُعلا واسعة ورحبة وهي تلوذ بها كلما عاودتها الغربة الروحية، وأثقل عليها فعل الاغتراب.

يبدو أن الشاعرة خلود المُعلا قد سئمت من حياتها المملة الرتيبة التي أشرنا اليها سلفاً. فثمة جدران شاهقة، وغرف ضيقة، ومناظر متشابهة مكرورة تبعث على الوجوم أو تحفِّز على الاحساس بالفراغ، الأمر الذي دفعها لأن تثور ثورة عارمة على هذا السكون المطبق الذي يلف حياتها. لذلك قررت ألا تغلق نوافذها بعد الآن، وأن (ترفع أسدال كعبتها)، أي تتجاوز الظرف المكاني المقدّس الذي أُقحِمت فيه. فلا أستار ولا سدول بعد اليوم، لأنها عقدت العزم على أن تمضي للأمام (غيرَ آبهة بالنفوس القاحلة). إن هذا الاصرار العجيب الذي أبدته الشاعرة خُلود المُعلا ناجم عن وعيها الحاد، وشجاعتها الذهنية التي أهلّتها لأن تخوض غمار هذه التجربة التي سوف تؤدي الى كشف ذاتها كإنسانة وشاعرة مبدعة على حد سواء. لذلك بدأت تفكر بصوت عال، وتقرأ صفحات روحها وذهنها على الملأ من دون خشية أو تردد، لأنها باتت مثل كتاب أزرق الصفحات. وأكثر من ذلك فإنها بدأت (تمرِّن حنجرَتها على الصراخ) لتوقِظ النائمين وكأنها تريد أن تقول لهم بثقة كبيرة بأنها بعد هذه الثورة الجذرية ستكون (أفضل مما مضى ومما سيمضي).


الرتابة واللاجدوى

تعاني الشاعرة خُلود المُعلا من أزمة وجودية عميقة تقف وراءها أسباب كثيرة من بينها الرتابة والملل والفراغ والاحساس باللاجدوى وما إلى ذلك من عوامل نفسية واجتماعية وذهنية. ففي قصيدة (البيت كما عهدناه) كل شيء رتيب، وعلى سابق عهده، فالوقت هو الوقت، والبيت هو البيت كما عهدناه، لا أثر للتغيير على الرغم من توالي الفصول المتشابهة التي تُفاقم من الحالة النفسية لشخصية الشاعرة المأزومة.
لا تقف حدود الأزمة الوجودية عند الأسباب التي أشرنا اليها سلفاً لأن هناك ما هو أدهى وأمرّ من ذلك وهو الاحساس بعبث الحياة ولا جدواها.
إن الذي يلفت الانتباه في قصيدة (لا جدوى) هو ظهور الأنا التي كانت تتوارى وراء مهيمنات وجودية واحساسات شتى فيما سبق من قصائد. غير أن الذات في هذا النص قد انتبهت أول مرة، الى المظهر الخارجي، بخلاف العديد من الشاعرات العربيات اللواتي يراهنَّ أنوثة الجسد ومغرياته المعروفة. فبعد أن تحسست قلبها وشعرت به ينبض، وأنه لا يزال على قيد التوثب والمرح (نهضت مسرعة نحو نفسها) وتزينّت لملاقاة الحبيب الذي أطلّ صريحاً هذه المرة حيث قالت: (ألبسُ قميصاً رقراقاً لم يرَه حبيبي). ولا شك في أن صفة الرقراق كافية لكي تحيل القارئ الى مناخ الثراء الذي تعيشه الشاعرة، ولكنها محنة هذه الشاعرة أنها لا تنشد الثراء المادي ولا تتوق له، ربما لأنه مُتاح لها، وإنما تروم تحقيق ذاتها على الوجه الذي يرضي طموحها ونزقها الوجودي الى حدّ ما. كنت أتوقع أن تكون الشاعرة التي تحررت من محارتها في هذا النص، وتباهت في صعودها وتحليقها في شاهق السماء، أن تكون راضية وسعيدة بما أنجزته، غير أن الضربة المباغتة تأتي من حيث لا يحتسب القارئ ليكتشف سبباً جديداً لأزمتها المتأصلة حينما تسمع أصداء تردد إن (لا جدوى) فهي كأنما تعوم في (العدم السرمدي) الذي يلّف الكينونة برمتها.

شاعرة استثنائية

ثمة شعراء متواضعون في طبعهم وغير أدعياء ولا يميلون الى المبالغة وتهويل الأشياء، ولكنهم يكتبون بالمقابل نصوصاً جيدة أو ربما ممتازة تخالف ما يدعّون من بساطة أو نبّو عن الاستثناء والتميّز، تماماً مثلما تفعل الشاعرة المبدعة خُلود المُعلا. ففي قصيدتها الجميلة (شاعرة غير استثنائية) ثمة تواضع ملحوظ لأن هذا النص الشعري لا يوحي أبداً (بالسذاجة) ولا ينتمي الى نمط النصوص السائدة والمألوفة التي تموت إثر نشرها مباشرة، وإنما هو نص جذّاب وعميق، ولكنه قائم على عنصر المفارقة. وما إن يلج القارئ الى تضاعيف هذا النص حتى يكتشف أنه ازاء انموذج استثنائي حقاً. قد تكون الشاعرة وحيدة ومنزوية في صدفتها الخاصة، وقد (تمتهن الصمت) و (لا تجيد الكلام) كما ورد في متن القصيدة، ولكنها قادرة على أن تكتب نصاً مذهلاً يأخذ بتلابيب القارئ ويجذبه الى مداراتها الآسرة.

الاغتراب الروحي

أشرنا غير مرّة الى عزلة الشاعرة خلود المُعلا واحساسها الممِّض بالوحدة، هذا الاحساس المُفجع الذي قد يفضي الى الغربة الفيزيقية والاغتراب الروحي. ففي قصيدة (خّطُّ العودة) نكتشف من دون لأي أن الشاعرة أرِقة وقلقة كعادتها، ولكنها تداري هذا الأرق بما (لا تراه من وميض روحها)، هذا الوميض الذي يمدّها بنسغ الحياة، ويقوِّض بالنتيجة حياتها الرتيبة المستتبة. تتوافر هذه القصيدة على صورة شعرية نادرة تقترب من المَثل والحكمة الجميلة المعبِّرة التي تدور على الألسن حيث تقول: (أتعدَّدُ في المرايا كي لا أكون وحدي)، ويا لها من حيلة سينمائية جميلة تتجلى فيها الصورة البَصَرية على أكمل وجه. فلطالما أنها مُحاصَرة ووحيدة ونائية فلابد لها من أن تبتدع حلاً خاصاً بها، ولا أعتقد أن هناك معالجة فنية ذكية أجمل من لعبة التعدّد في المرايا التي تُجهِز على مفهوم الوحدة وتستأصله من جذوره.


الهمُّ الكوني

تشي معظم قصائد هذا الديوان بأن همَّ الشاعرة خُلود المُعلا هو همُّ وجودي أو كوني على الأصح. فنادراً ما تفكر في الأشياء الصغيرة والعابرة في حياتها. ففي الوقت الذي تفكر فيه بالوجوه التي غادَرَتْها وهذا أمر طبيعي تأخذنا في لحظة خاطفة تعوِّل عليها غالباً لتخبرنا بأنها (تفكِّر فيما وراء الوجود)، أي أنها لم تنهمك بإشكالية الوجود المعقّدة حسب، وإنما تذهب بإرادتها الى التفكير بما وراء الوجود الذي لم تستوعبه لكي تلج الى غابة السؤال الفلسفي المحيِّر.

تذكِّرنا الشاعرة خلود المُعلا بين أوانٍ وآخر بأن الجزء الأكبر من حياتها يكاد يكون نهباً للقلق والأرَق الناجمَيْن عن الكوابيس أو الأطياف الليلية، فلا غرابة إن لم تستطع أن تنام ملءّ جفونها أو (ملءَ وحدتها) كما أشارت في البيت الأخير من قصيدة (قلق الذاكرة)، أو أرق الجسد، هذا الأرق الذي سيتفاقم في نص لاحق ليصبح (محيطاً من أرق). قد يفسِّر بعض النقاد أن هذا النزوع هو نوع المبالغة أو ربما الغلّو في تصوير الحالة النفسية التي تمّر بها الشاعرة، ولكن ما أن يمضي القارئ قليلاً في نص (محيط من أرق) حتى يكتشف أن الشاعرة هاهنا هي ليست أكثر من سجينة (تُحصي شُقوق الجدار الذي تستند إليه)، وأن هذه العادة لا يفعلها في حقيقة الأمر إلا السجناء الذين أمضوا سنواتٍ طوالا في السجون والمعتقلات بحيث يصبح فعل عدّ الشقوق طقساً ليلياً يمارسه السجين المغلوب على أمره.

النص الذهني

ثمة قصائد موغلة في ذهنيتها تتناسب مع الثيمات الفلسفية التي تتعاطى معها الشاعرة بحرية كبيرة، فلا غرابة أن تكون أغلب قصائدها من الطراز الثقيل الذي يستوقف القارئ. فلقد سبق أن أشرنا الى أن خُلود المُعلا لا تتكئ مطلقاً على لغة الجسد، ولا تستجير بالأنوثة كمعطىً إغرائي، وأنها تعزز لغتها الشعرية ذات التراكيب والأبنية الشعرية الجميلة حتى من دون الاستعانة بأدوات التشبيه أو التوصيفات المتسمة بالإيقاعات الخارجية المبهرجة أو ذات الرنين العالي التي لا تخدم بالنتيجة البنية الداخلية العميقة للنص الشعري الذي تكتبه بسلالة لغوية واضحة لا تخلو من طلاوة الكلمة وحلاوة الصورة الشعرية الجديدة غالباً وغير المطروقة.

اللحظة التنويرية

لابد من التنويه أيضاً الى فرادة الأفكار أو الموضوعات الشعرية التي تعالجها خُلود المُعلا. فغالباً ما تكون زاوية النظر التي تتطلع من خلالها الشاعرة مختلفة. فإذا كان معظم النسوة يخشينَ فعل الزمان وما يخلّفه من آثار واضحة على المعالم الخارجية لأي كائن بشري، فإن خُلود المعلا هي الأنثى الوحيدة التي لا تنهزم أمام فعل السنين أبداً. إذاً، ثمة إصرار أو موقف مسبق، وعناد مرير يندر أن تجده عند شاعرة أخرى. وانا أرد هذا العناد الى إصرارها العجيب على مواصلة الحياة بطريقتها الخاصة. فهي التي سوف ترسم سيرتها بنفسها، وتخلق ربيعاً جديداً لم يألفه الآخرون.

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة. ومثلما نجحت في كتابة النصوص الطويلة ومتوسطة الطول فإنها نجحت أيضاً في كتابة النصوص القصيرة جداً. ويبدو أن خبرة خُلود في كتابة القصيدة مختلفة الأشكال هي التي مهدّت لها كتابة هذا النمط الذي يوحي لقارئه بأنها تستقطر الفكرة أو الصورة الشعرية التي يتمحور حولها النص الشعري القصير جداً.

د . أحمد الزعبي – الخليج الثقافي – جريدة الخليج – 10 إبريل 2010

اختصار العتمة – قراءة في قصيدة مسيرتي الجديدة للشاعرة خلود المعلا

تتخذ الشاعرة خلود المعلا قراراها الحاسم في مواجهة العتمة وإطلاق سراح الفجر المحبوس وتغيير مسار الريح العاتية لتهب حسب أمرها وثورتها وتمردها الواعي...

عودة >>

د . أحمد الزعبي – الخليج الثقافي – جريدة الخليج – 10 إبريل 2010

اختصار العتمة – قراءة في قصيدة مسيرتي الجديدة للشاعرة خلود المعلا

تتخذ الشاعرة خلود المعلا قراراها الحاسم في مواجهة العتمة وإطلاق سراح الفجر المحبوس وتغيير مسار الريح العاتية لتهب حسب أمرها وثورتها وتمردها الواعي، تقول:

“وهذا الفجر فاتحة أمري
سأختصر العتمة منذ الآن
أتدخل في تحديد مسارات الريح”

فالصخب الذي طاردها عمراً طويلاً، وأحدث ضجيجاً في أعماقها وتيهاً في ذاكرتها واحتجاباً لفجرها وشمسها، لابد أن يوضع له الحد، ولابد أن توجّه الشاعرة أشرعتها حسب إرادتها، لا حسب إرادة الريح المتقلبة المضطربة . ولإيقاف الضجيج المستوطن في داخلها، ولتبديد الظلام المتكاثف في خارجها، تبدأ ثورتها أو قصيدتها بقرار حاسم أو أمر قاطع يؤرخ لمرحلة جديدة أو رؤية جديدة، تختصرها في عنوان القصيدة (مسيرتي الجديدة)، فتقول:

“لن أغلق نوافذي بعد الآن
أمضي قدماً
غير آبهة بالنفوس القاحلة”

بعد طول معاناة وصبر وقهر، يبلغ السيل الزبى وتأتي لحظة الانفجار أو القرار، فتكسر الأبواب والنوافذ المغلقة ليدخل النور المحتجب ويطرد العتمة المزمنة، وليدخل الهواء النقي ويحل محل الهواء الفاسد قبل حدوث الاختناق أو التيه أو العمى .

لابد إذاً من أن تبدأ الشاعرة بكسر دائرة العزلة التي تحجب عنها رؤية العالم من حولها، ولابد أيضاً من إزالة الستائر والأغطية وكل ما يحجب الضوء والنهار عن عالمها أو حياتها أو قصائدها . . ثم بعد كل هذا (تمضي قدماً)،لا تنظر خلفها،وقد أحرقت كل مراكب العودة .

هذه (المسيرة الجديدة)، وهذه الانعطافة الحاسمة الحادة القوية في حياة الشاعرة، هي قرار بإغلاق صفحة الماضي بأوجاعها وعتماتها وانكساراتها وهي إيذان بانطلاق مرحلة اكتشاف جديدة للذات من داخلها وللعالم الرحب من خارجها،لكي تفرض بالقوة والتحدي ما يجب أن يكون،وليس ما هو كائن،فلن تستسلم لحصارها وتكبيلها وقتلها البطيء .


ومن لحظة اكتشاف الذات تبدأ الرحلة الجديدة برؤية جديدة، وفي هذه الرؤية تجاوز للعزلة وللاختباء وللاختفاء وللخوف وللصمت وللقهر، إذ لابد من كسر حاجز الصمت، فالعالم يغط في نوم عميق، والصمت يسهم في نومه أكثر فأكثر، لابد أن يصخب الصوت وتصرخ الحناجر بقوة لإيقاظ النيام الذين يسهمون في نشر الصمت والخوف والاعتام والموت، تقول:

“هكذا اكشفني
أتبيّن ما تبقى من الجسد والذاكرة
اقرؤني بصوت عال
أمرّن حنجرتي على الصراخ
ليصحو النائمون
سأكون أفضل مما مضى
وما سيمضي” .

حوار الذات ومواجهتها واكتشاف طاقاتها الكامنة هي أول جولات المعركة أو الحرب ضد الصمت والانطواء والخوف والخواء الذي يتفشى في كل مكان . فعزلة الشاعر وانطواؤه على نفسه وعالمه، ترى الشاعرة، إسهام في الخراب والانكسار واندثار القيم الجميلة في عالم النيام والإعتام والحصار .

فإشارة البدء في (فتح النوافذ) ورؤية الأشياء بوضوح بعد دخول الأنوار، أتاح للشاعرة لحظة اكتشاف العالم، بدءاً بالذات وانتهاء بالنائمين . وأول ما اكتشفت أنها بشر من جسد وروح، من معنى ومبنى . . . أو من (جسد وذاكرة)، والإيحاء في هذا الاكتشاف، أن الجسد والروح كانا مغيبين في الماضي، كانا مكبلين بالخوف والعتمة والأستار والصمت داخل نوافذ مغلقة وصحارى قاحلة، وحناجر مكتومة وظلمة حالكة تحت ألف ذريعة وذريعة . . . إلى أن طفح الكيل وحدث الانفجار لطي صفحة الماضي الخانقة واقتحام الطريق الشائك ةالجديدة المضيئة لتعود للإنسان حقيقته الضائعة ووجوده الطبيعي ودوره الحر جسداً وروحاً - وليستيقظ من نومه وغيابه وظلامه ويحيا في دفئه وصدقه ونهاره بعد أن طال ليله وأزمن نومه وقتل نفسه معنى ومبنى، جسداً وروحاً . بهذه اليقظة، ترى الشاعرة، وبهذا التمرد على البلادة والعبث والخدر، ستكون (أفضل مما مضى . . وما سيمضي . . .)، وتستطيع التأهب لاقتحام الخطوة التالية للارتقاء بالذات إلى أعلى القمم بقوة وإرادة وثقة .


تقطع الشاعرة شوطاً طويلاً متعباً في رحلة التمرد والرفض للواقع الساكن الهش القاتل، الذي يميت أهله وهم أحياء، وتعد العدة للمواجهة والاقتحام، فإما أن تكون، أو لا تكون، وقد قررت أن تكون . وهنا تتفجر طاقات النفس الكامنة في أعماقها أو أعماق الإنسان الذي طال صبره وطال تحمله، مثل حليم يخشى من ثورته وانفجاره، فتملك زمام الأمور وقد طال صبرها وانفجرت أوجاعها، وتقرر إطلاق كوامنها وطاقاتها الحبيسة، لتصدر أمراً للفجر أن يبزغ وللريح أن تهب كما تهوى وللحقول أن تتسع وتخضرّ وللمطر أن ينزل . وسواء كانت هذه الانفجارات أو القرارات متخيلة أو ممكنة، فإنها بالتأكيد مجازية ورامزة لما يجب أن يكون عليه الإنسان أو الشاعرة بعد مرحلة اليقظة والتمرد على الانهزام والاستسلام في الماضي والدخول في مرحلة الكشف والاكتشاف والمواجهة والارتقاء إلى الأعالي في المستقبل لوقف انهيارات الذات الداخلية ووقف طوفانات الخراب الخارجية، تقول:

“سأبدأ مسيرتي الجديدة
واترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً
وهذا الفجر فاتحة أمري
سأختصر العتمة منذ الآن
أتدخل في تحديد مسارات الريح
لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر
أبلغ قمة الجبال النقية
أضيء شمساً في سماء العالم”

تتسق حركة القصيدة من أولها إلى آخرها في تطور جمالي ونفسي منتظم، وتركز بنية القصيدة المتسقة والمنتظمة على وحدات إيقاعية تضمن حركة القصيدة في ثلاث لوحات تجمع بين تجسيد الرؤية وتعالقها مع تحولات الشاعرة النفسية وتحولات الصورة الشعرية التي تكثف هذه الرؤية الشعرية من ناحية، وتنظم إيقاعاتها وحركاتها الفنية والجمالية، من ناحية أخرى, .

ففي اللوحة الثالثة من القصيدة، أو الحركة المنتظمة الأخيرة لتجسيد الرؤية، تبدأ الشاعرة المرحلة المتمردة التي ستأخذها مثلما تأخذ أي إنسان إلى ضوء الشمس وحرية الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية الكامنة المكمّمة، تبدأ بدفن الماضي وتجاوزه، الماضي المؤلم المعتم المتجمد، تبدأ بتجاوز الليل الطويل، فهذا (الفجر فاتحة أمري)، تبدأ في الفجر، في أول النهار، وكأنه أول الحياة، لن تسمح للظلام أن يتسرب ثانية إلى نهارها “سأختصر العتمة منذ الآن”، ستتشبث بالضوء . . وبالحياة وبالسمو، وتعلم أن الأسوار ستظل قائمة، ولكنها لن تسكت ولن تستلم كما هو الأمر في الماضي، بل ستقتحم الأسوار وتتجاوز كل عقبة، فهي الآن ذات إرادة وقوة، وتدفعها الإرادة والثقة إلى قوة أسطورية أخرى، حيث ستدخل في (تحديد مسارات الريح)، وهي إشارة إلى إرادة من حديد، وإلى طاقة كامنة انفجرت في أعماقها وخيّلت لها تطويع المستحيل، فإن هبت الريح ضد طريقها أو شراعها، ستغير بقوة اتجاه الريح لتهب حسب رغبتها، فقد ولى عصر هبوب الريح كما يهوى الآخرون . . كما يهوى النيام أو كما يهوى الليل والإعتام والانطواء، سترفع صوتها وترفض كل خلل أو انكسار، وستستسقي الأرض وتستنزل المطر وستستجيب الطبيعة لكل رغباتها الجميلة التي تعني انتصاراً للحياة على الموت، وللوجود على العدم وللجمال على القبح وللإنسان على الشيطان الذي في داخله، عندها سترتقي إلى قمة الجبال . . عندها سيدخل عالمها هواء نقي . . . يبدد ما أفسده الدهر، وعندها “ستضيء شمساً” في سماء عالم تزداد عتمته يوماً بعد يوم . ولابد أن تغلب الحياة الموت، ترى الشاعرة، ولابد أن يبدد النور العتمة، ولابد أن يقهر المطر الجفاف، ولابد أن يكون الإبداع شمساً يضيء العالم . . . يضيء الحقيقة . . . يضيء الجمال الإنساني المهدد في هذا الزمان وفي هذا المكان، إذ لابد للإنسان . . الشاعر . . المسؤول . . . الواعي . . أن يضيء:

“شمساً في سماء العالم”

أو يضيء شمعة في ظلامه،لا أن يلعن الظلام أو العالم المعتم فقط .

د . صالح هويدي : جريدة الخليج ,01/05/2010

تجليات الغياب الموحش : قراءة في تجربة خلود المعلا الشعرية

تمثل المجموعة الشعرية الأخيرة “ربما هنا” للشاعرة الإماراتية خلود المعلا منعطفاً جديداً في مسار تجربتها التي تجلت من قبل في ثلاث مجموعات سابقة عليها، هي على التوالي: “هنا ضيعت الزمن”، و”وحدك”، و”هاء الغائب” ...

عودة >>

د . صالح هويدي : جريدة الخليج ,01/05/2010

تجليات الغياب الموحش : قراءة في تجربة خلود المعلا الشعرية

تمثل المجموعة الشعرية الأخيرة “ربما هنا” للشاعرة الإماراتية خلود المعلا منعطفاً جديداً في مسار تجربتها التي تجلت من قبل في ثلاث مجموعات سابقة عليها، هي على التوالي: “هنا ضيعت الزمن”، و”وحدك”، و”هاء الغائب” .

تبدو المجموعة الجديدة مختلفة نوعاً، حتى ليمكن عدها بداية لمرحلة تحول في تجربة الشاعرة، إذ نلمس انتقال الشاعرة من التمحور حول الهم الذاتي إلى الهم الكوني والانفتاح على أطروحة السؤال المعرفي، واتخاذ موضوعة الغياب أبعاداً وجودية عمقت من إحساسنا بتجربة الوحدة الإنسانية، إلى جانب انحسار الاهتمام بالبعد الصوفي الذي حملته مجاميعها السابقة لمصلحة التجربة الواقعية، فضلاً عن ميل تجربتها في مجموعتها “ربما هنا” نحو نزعة سردية في بعض نصوصها ولغة أكثر تكثيفاً وتماسكاً، إن على مستوى البنية أو الدلالة .

ولعل أبرز ما يميز هذه الانعطافة أن تجليات ملامحها لا تقف عند حدود معطى واحد، بل تتجاوزه لتتغلغل في تفاصيل المنجز الشعري، شكلاً ومضموناً؛ بنية ولغة وفكراً وأساليب .

تجسد مجموعة “ربما هنا” حالة من التصدع في الأغشية الشفافة المحيطة بشخصياتها وبدء خروجها من أماكنها الدفيئة، واضطرار تلك الشخوص، بسبب من معاناتها ونفاد صبرها وما وقع عليها من ضرّ وحيف، إلى خوض مواجهة مع العالم الخارجي بعدما بدت تلك الشخصيات أكثر وعياً وأشد إدراكاً لقوانين العلاقة بين الذات والموضوع أو الفرد والوجود .

لقد اهتز تصالح الشخصية مع العالم قليلاً في العالم الشعري الجديد، وانقلبت الهموم الذاتية في العشق والتواصل مع الآخر إلى هموم فلسفية كبرى، تسعى إلى سبر أغوار الكون وفك طلاسم الوجود:

أجوب الأرض والسماء
أبحث عن مركز كوني
وختام مسراي أنظر من نافذتي الضيقة
فأرى الكون كاملاً
تتجلى أسراره الكبرى أفكر في ما وراء الوجود
في ما ليس بوسعي استيعابه
وأرى
في الوجود أشياء أفضل
حان لي أن أسعى إليها

ولعل من بين أبرز ما تكشف عنه المجموعة هو شيوع ملمح الفقد، ممثلاً في مفارقة الأصدقاء وغيابهم الذي كثيراً ما تستذكره الشخصية:

الأحبة الذين تركوني
يتحولون إلى أشجار يتسرب حفيفها فيّ
. . .
حاضرون فيّ
لا يغيبون

وربما قاد انشغال الشخصيات بالعالم المحيط بها وبغموضه إلى فقدها علاقات الحب التي طالما شكّلت ملمحاً أساسياً من ملامحها في تجربة الشاعرة، من دون إحساس بفداحة هذا الفقد، بل ربما بدا الأمر لها، على العكس من ذلك، فرصة لتأمل ما يخلّفه هذا الفقد من مساحة للتحرر ومن ذكريات وآثار تصلح أن تكون موضوعة للتدبر:

ما زلت أحبه،
ولأنني كذلك
أطلقت طيوره للفضاء
واكتفيتُ بالفراغ الذي خلّفتْهُ

إن تأمل ما يخلفه الفراق أمر لا غرابة فيه ما دام المرء قادراً على أن يحوله إلى موضوع للتأمل، ليبقى القلب عامراً بمحبة المودعين:
لم يُبكني الرحيل

لأن قلبي سيبقى عامراً بمحبته

إنه الأمل الذي يمكن أن يظل وامضاً برغم ذهاب من نفارقهم، حتى وإن تبدى في صور من العودة الواهمة واللقاء المتخيل كما في صياغة هذه اللوحة الفنية المعبرة:

عند الفجر
والمطر يملأ جدران حواسي بمدائنه الفضيّة
طَرقَ بابي
فتحتُ،
فباغتني صوتُ ارتطام قلبي بالريح


والحق فإن ملمح الفقد ملمح أصيل في تجربة الشاعرة، إذ لا تكاد مجموعة تخلو منه، ولعله أوضح ما يكون تجلياً وإدهاشاً في مجموعتها الأخيرة “ربما هنا”، فكثيراً ما قادها غياب وجوه الأحبة إلى الإبحار في غياهب الوجود، في محاولة لإدراك أسراره وفهم ما استعصى عليها فهمه:

أفكّر في الوجوه التي غادرتني
أسافر في جهاتي السبع
متخلية عن ذاكرة لا عقارب لها

أفكر في ما وراء الوجود
في ما ليس بوسعي استيعابه
أفكر، في ما لا يقبله القلب

لقد بدا غياب الأحبة أشبه بالحلم، إذ يغيب الدخان وجوههم في مشهد يتغلغل فيه الشحوب حتى يطال الجميع:

أصدقاء
يتلاشون في الدخان
بدت وجوهنا شاحبة
هكذا التقينا
وهكذا
افترقنا . .

...لكن هذا الغياب الحاضر في نصوص المجموعة على الدوام لا ينجح في فرض منطقه على الشخصيات، على رغم مما يتركه من مرارة ويثيره من أسى، ذلك أن هذا الغياب كثيراً ما يشكّل حضوراً قوياً في نفوس الأحياء الذين يستمدون منه مقومات الحياة والاستمرار:

أصدقاء كالشمس
نورهم يشع في ذاكرتي
ما زلت أستند إلى محبتهم

وإذا كان غياب الأحبة يبدو كنور الشمس المضيء للذاكرة حيناً، فإنه سرعان ما يتحول أو يتحولون في نظر أحبتهم إلى أشجار لها حفيف لا سبيل إلى منع تسربه فيهم، برغم إيصاد الذوات أبوابها في وجه من عداهم، حتى ليتم تبادل الأدوار ويصبح الحاضر غائباً والغائب حاضراً:

الأحبة الذين تركوني
يتحولون إلى أشجار يتسرب حفيفها فيّ
ويظل البال موصداً إلا عنهم
من منّا الغائب؟
حاضرون فيّ،

من هنا فقد حل الغائبون في وجدان الأحبة وفكرهم وأجسادهم، يتحركون في مفاصلها ويحيون في تفاصيلها يوماً بيوم، كما كانوا تماماً، ليس هذا فحسب، بل لقد غدوا مصدر حياة الحاضرين الذين خفت ظلالهم وشحب
وجودهم أمام قوة حضور الغائبين:

ما زالوا مزروعين في عيني
يطوفون أوردة القلب

ولا غرابة بعد ذلك أن يترك غياب الأحبة والأصدقاء وتواري وجوههم خلف ركام الضباب والدخان إحساساً بالوحدة الممضّة المسدولة على الليل، كما الضفائر:

كثيراً ما أنثر ضفائر وحدتي على جسد الليل

وتنجح الشاعرة في التعبير عن معنى الفقد والإحساس بالفراغ، عن طريق استخدام أسلوب التجسيد المادي بالصور القائمة على علاقات الكتلة والفراغ المستمدة من معطيات الفن التشكيلي، جاعلة من غياب وحدة المكان تعبيراً عن معاني الوحشة والفراغ:

ها أنذا الآن وحدي
أحاول دس قصائدي الجديدة
في خزائن لا مفاتيح لها
أجلس كثيراً وحدي

لا مكان لشيء فيّ
ولا شيء في المكان
إلا

قصائد فارغة لشاعرة غير استثنائية

ولعل الجديد في تجربة الشاعرة أن طعم المرارة يبدو واضحاً إلى حد يكاد يدفع الشخصيات فيها إلى تخوم اليأس .

وتكشف الشاعرة في نص آخر عن مظهر آخر من مظاهر تأثير الوحدة التي بلغتها شخصياتها، من جراء غياب من حولها، عبر بث علامات سيميولوجية في جسد النص، توحي أكثر مما تكشف، في محاولة للتعبير عن
حالة الظمأ والتوق إلى الغمر بالوابل المفتقد:

أستلقي وحيدة
عطشى ينابيعي

تمنيت لو أن وابلاً من محبة ينهمر على أرضي

والحق أن التعب الجسدي يبدو الملمح الذي يهيمن على حيوات شخصيات التجربة الجديدة للشاعرة، لا تشذ عن ذلك إلا محطة واحدة هي محطة لندن التي تبدو المحطة الوحيدة التي يستعيد فيها الجسد، مع ما تستعيده الشخصية، معطياته الإيجابية وحياته وسويته، ليتخلص من أوجاعه ويستعيد طيوره . ففيما عدا هذه المحطة يبدو حضور الجسد بعيداً عن رغباته على الدوام في النصوص الشعرية

ولسطوة الزمن القاسية وعبث مخالبه التي لا ترحم أثر في ما تحس به شخصيات الشاعرة من ندوب في مكامن الروح، ومن علامات انطفاء في مواضع الجسد:

السنون تتسابق بشراسة حولي

تحاصرني
تخربش مرآتي
تعلن انطفاء جسدي
أصابعها الطويلة تمتد إلى قلبي
تحاول أن تتركه كمدينة تسقط حصونها

من هنا فليس غريباً أن تقدم لنا الشاعرة صورة الجسد المغيّب وهو ينعم بالظل وقسوة البرد في وقت يبدو الفضاء المحيط به جميعاً وقد غمرته أشعة الشمس الساطعة وحرارتها المحرقة:

الشمس موغلة في التفاصيل
لا مكان للظل
كل الأشياء تحترق
وهذا الجسد ما زال بارداً


لقد قاد اصطدام الذات بالعالم الشخصيات إلى حالة من التصدع والنكوص نحو الداخل، ليبدو صوتها تعبيراً عن تشظي ذواتها وانقسامها في ما يشبه حالة الفصام، وهو أمر أدى إلى أن ينعكس على المستوى التعبيري في شكل شيوع لبعض الأساليب الفنية، ولا سيما على المستوى اللغوي الخاص بتعبير الشخصيات المتصدعة عن نفسها في مثل هذه الصيغ والأساليب الفنية:

هكذا أكشِفُني
أتبين ما تبقّى من الجسد والذاكرة
أقرأني بصوت عال أنهض مسرعة نحوي
ولأنُقذني من قلقي المستديم
شرعت بممارسة طقوسي الليلية

ولا يقف انعكاس التحول في وعي التجربة الشعرية للشخصيات عند حدود هذا المظهر الأسلوبي بل يتعداه إلى مجمل لغة المنجز الشعري الجديد . إن ثمة تغيراً واضحاً في لغة النصوص الشعرية عما ألفناه في سائر النصوص السابقة للشاعرة، إذ اقتضت التجربة الوجدانية المتصالحة مع العالم من قبل لغة تنطوي على طاقة إيحائية أعلى وشحن للمفردات بماء اللغة الشعرية، في حين استدعت تجربة الصدام مع العالم والرغبة في تأمله وسبر غوره حضور لغة سريعة إشارية مباشرة، لا تحفل بما يمكن أن تحمله اللغة من طلاوة وماء شعري، لتتجلى شعرية النص هذه المرة في هذه اللغة السردية التي شُغلت برواية مجرى الوقائع المتتالية التي تواجهها الشخصيات، وما تركت في أفكارها وأرواحها من آثار . إنها لغة قصيدة النثر الصافية التي لا تتعكز في بناء منجزها على ميراث الشعر الكلاسيكي وموسيقاه، بقدر ما تبتعث من معجم النثر شعريته القائمة بذاتها .

وقد يتعدى توظيف الشاعرة رمز النافذة بوصفها وسيلة من وسائل الحيلولة دون اختناق الشخصية حيناً، ووسيلة من وسائل الرؤية والتشوف، إلى توظيف الطير وفعل الطيران بوصفهما وسيلة فنية موحية بالرغبة في تحقيق فعل الانعتاق .

كما ضمت المجموعة في ثلثها الأخير نصوصاً شديدة التكثيف، لا تخلو من معالجات وجدانية تتدرج بين الذاتي والموضوعي، من تأمل للعالم وتأمل لتجربة الحب، لكنها التجربة التي تعمد الشاعرة فيها إلى تقنية المفارقة واللجوء إلى أساليب الإيحاء، مع عودة اللغة فيها أحياناً إلى استعادة قدر من شعريتها .

إن التحولات التي شهدتها نصوص مجموعة “ربما هنا” لخلود المعلا إن على مستوى الانشغالات الفكرية
الجديدة أو الموضوعات التي عالجتها، وما نتج عنها من انزياحات شعرية وظواهر أسلوبية تجعل من هذه المجموعة انعطافة مهمة في مسيرة تجربة الشاعرة .

ديمة الشكر – جريدة الحياة -الإثنين, 27 أبريل 2009

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا بين صعوبة... وسهولة

تختار الشاعرة الإمارتيّة خُلود المعلا في ديوانها الأخير «ربّما هنا»، الصادر حديثاً عن دار الفارابي (بيروت)، طريقاً سهلةً أو صعبةً لقصيدتها...

عودة >>

ديمة الشكر – جريدة الحياة -الإثنين, 27 أبريل 2009

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا بين صعوبة... وسهولة

تختار الشاعرة الإمارتيّة خُلود المعلا في ديوانها الأخير «ربّما هنا»، الصادر حديثاً عن دار الفارابي (بيروت)، طريقاً سهلةً أو صعبةً لقصيدتها، بل لعلّها تختار طريقاً «بين بين»، إذ تبتعد عمّا أضحى متوقعاً لكثرة وروده لدى الشاعرات، أي إشهار الأنوثة بدرجات متفاوتة؛ تبدأ من الشفيف الأنثوي وصولاً إلى الإباحي المقتحم، وتبتعد في الآن ذاته عمّا هو معقّد مفذلك، لكن يشهر «أنا» الشاعر بصورة طاغية، فهي في ابتعادها المزدوج هذا، إن جاز التعبير، تبدو أقرب إلى الإخفاء لا الإشهار، فمن الصحيح أنها تستعمل ضمير الأنا في كافّة قصائدها، لكنها «أنا» مواربة ومخفيّة، يصعب على القارئ التماهي معها بسهولة، فهي تميل إلى البراءة، وتتخفّف من كتابة قصيدة تقوم على التجربة، لكأنها تخشى نفسها، أو هي تتردّد في إظهارها. ومع ذلك فإنها في هذه الطريق الضيقة المتاحة لها، أو التي سمحت لنفسها بالسير فيها، تبحث عن «مكان» خاصّ بها، من خلال التطرّف في حبّ الشعر قبل أي شيء آخر. الأمرُ الذي يتّسق تماماً مع رسم عوالمها الشعرية التي تبدأ من أبسط الأمور وأكثرها دقة: من أنا؟ أين أنا؟

وربما كان هذا السؤال هو المبّرر الأساس لزاوية النظر التي اختارتها المعلا، فظهرتْ في قصائدها الطويلة التي تشغل المساحة الأكبر من ديوانها هذا، حيثُ ترد مفردة البيت باستمرار: «أحتاج الليلة إلى صوتٍ فيروزيّ/ أسرّبه إلى الجدران لتتسع قليلاً/ بيتي لا يشبه البيوت/ نوافذي تنفتح على أرضٍ تكتظّ بالتائهين» أو «أسكن البيوت التي تدخلها الشمس من سقفها/ لأرى القلوب من مركزها» أو « أرسم أسئلة على شكل بيوت»، وإذ ترد على هذا النحو، تقسم العالم إلى كفّتين: فواحدةٌ نجد فيها الشاعرة والبيت والشتاء والمطر والظّل والعتمة، وكفّة أخرى فيها الشمس والضوء و «الآخرين» وما هو خارجيّ؛ «الوقت وقتٌ / في الشمس تغيب حقيقتنا/ يحلّ الشتاء والبيت كما عهدناه». وفي كلام آخر تبدو القصائد كأنّها وليدة نظرة خُلود، فهي تضع نفسها في الظلّ حيث تكون التجربة «شخصيّة داخليّة»، وأمّا الحياة، أي التجربة بمعناها الملموس، فبعيدة قصيّة، لكنّها مغريّة : «أتوق إلى الروح التي تضيء العتمة لتصلَ إليّ/ وأرى/ في الوجود أشياء أفضل/ حان لي أن أسعى إليها».

وإذ تستعمل الشاعرة فعل (أرى)، فلأنها تتجّنب الخوض في التجربة، لذا فهي تنأى بذاتها، ولا تفصح عنها، بل تسكن إليها : أدخل ذاتي كلّما تغرّبتُ/ وحين يخذلني الأحبّة/ أتكئ على المتاح من وعي الحواس»، فهي تدرك تماماً كيفَ يلجمها المكان الخارجي ويكبّلها، وتوقها إلى التحرّر منه لا يبطن ثورة أنثوية، لذا يغيب الجسد وتغيب الأنا، أمّا «المتاح» فهو ما يسود في قصيدتها.
وبذلك، تبدو خُلود المعلا أمينةً لمشاعرها، لكن منحازةً للشعر، ولعلّ هذا ما يبرّر إلى حدّ ما لغتها الأقرب إلى لغة الصوفيين، من حيث هي لغة تجربة داخلية عميقة، تتميّز بنظرتها الخاصّة إلى الكون وشؤونه : «من كتاب الله/ أفتح باباً/ أبني بيوتاً للمحبّة» أو «لن أغلق نوافذي بعد الآن».

ويظهرُ انحياز المعلا إلى الشّعر باعتباره فنّاً رفيعاً يحرّر الإنسان من خلال السمو به، والترّفع عمّا هو مادّي، عبر فكّ لطيفٍ لتعبير متعارف عليه: «اللغة الأم»، في قصيدتها (أحوالها)، حيث تخدع الشاعرة القارئ حين تبدأ قصيدتها هكذا: «وجهها يسطع في الأعالي/ ألوذ بها لتتمكن طواحيني من الدوران/ أمشي نحوها بقلبٍ مهزوز، لأسكن»، ثمّ تستعملُ مفردة الأمّ صراحة: «أمي،/ مريميّة أحوالها/ وأحوالي مهزوزة»، وإذ تموج الأمّ بالحنان الأنثوي، وترفدها في ذلك مفردات تحيلُ إلى الصوفية : «من ينصفني سواها؟/ بغيابها تصير الأماكن أقبيةً/... ماء وجودي هي، حين تتآكل داخلي الحياة»، تفصحّ الشاعرة عن شغفها بالشّعر الذي ألهمها اقتناص الاندماج الشفيف بين مفردتين مترادفتين لا في المعنى القاموسي بل في المعنى الشعري؛ اللغة/ الأمّ، حيث تقول : « نقاط اللغة هي/ ولغتي ضيّعت نقاطها/... أريدها أن تعلّمني أبجدية الكلام/ تناسل حروفي/ ليختارني الشّعر/ وأكتب قصائد لا تموت».

وإذ تنحاز خُلود المعلا للشعر، تنجح في رسم صور شعريّة مبتكرة ورقيقة وأنثوية: «أخرج/ حاملة مشكاةً فيها نوايا سماوية» أو «من أين تأتي هذه الطيور السوداء،/ من البحر/ أم من هذا الجبل الجاثم على صدري؟»، فهي لا تحضر من خلال «أنا» واضحة بل من خلال طيفٍ أنثوي، يعطي الحضور الإنساني قيمةً عاليةً بقطع النظر عن الأفكار المسبّقة التي تحاصر قصائد الشاعرات، وتحاكمها بما هو خارجها.

ثمة مناطق في الشّعر نفسه، تزّين لخُلود المعلا الانعتاق والانطلاق من دون إثارة حفيظة أحد، فهي مناطقٌ حياديّة «ظاهريّاً» لكنها تموج بانفعالات أنثى أخفت جسدها لتشهر روحها على الملأ : «أتفتحّ كليلكة متوهجةٍ/ قلبٍ يفيض/ في بلاد تبلّلها المحبة/ أمشي فيها بحذر» أو « أتعدّد في المرايا/ كي لا أكون وحدي/ أرسم خطّ العودة / فأجدني خارج المكان»، فالغربة الواضحة هنا، تتحمل تعدّد التأويل، إذ إن القلب والتوهج لا يحيلان إلى كما هو متوقع إلى الجسد، بل إلى «مكان» ما، ليس إلا صورةً من صورة البيت المتعدّدة في هذا الديوان : «يتناسل الحبّ من البيت المضيء/ ذي النوافذ المفتوحة على البحر/ وأنا أسكن داخل بيضةٍ/ وأنتظر الحبّ»، فهو تارة الملجأ والسكنى، وهو تارةً التوق والرغبة، وفي حالاته كلّها يبطن إلى القلق الذي يعصف بأنثى تخشى نفسها لفرط ما مرّ عليها من القيود. ومن خلال هذا، تنجح خلود المعلا فيما لم يكن متوقعاً منذ البداية، إذ إن الطريق التي اختارتها بين الصعب والسهل، أو بين البيت والشمس كمفردتين تومئان إلى ما هو أبعد، ثمّ عبّدتها من خلال الخفر والخجل والمواربة، تفيض على الجانبين، لترسم صورةً صادقةً لـ «أنا» الشاعرة المعبّرة عن ذاتها في واقعٍ لا يمكن تجاهل قسوته في إقصاء الأنثى : «ثمة انعتاق مبهرٌ يسري في أوصالي حين ينام / الكون»، إذ إن هذا «الشرط المستحيل» للانعتاق، قد يكون من الحقيقة وقد يكون من المجاز، لكنه في الحالتين يبطن صوت خُلود المعلا التي تعرف كيف يكون توسيع حدود «المتاح».

د. حسن مدن- جريدة الخليج – 30 أغسطس 2008

خُلود المُعلا في أصيلة

قبل أن أعرفها أو التقيها قرأت لخُلود المعلا، منذ سنوات طوال خلتْ، نصاً طازجاً ما زال مطلعه عالقاً في ذهني...

عودة >>

د. حسن مدن- جريدة الخليج – 30 أغسطس 2008

خُلود المُعلا في أصيلة

قبل أن أعرفها أو التقيها قرأت لخُلود المعلا، منذ سنوات طوال خلتْ، نصاً طازجاً ما زال مطلعه عالقاً في ذهني. بعد ذلك التقيتها مراراً، كان بينها مرةً في القاهرة في احتفالية أقيمت، أثناء معرض الكتاب الدولي هناك، تكريماً لاختيار الشارقة عاصمة ثقافية عربية عام ،1998 حيث ألقت خُلود شعراً ضمن برنامج الاحتفالية.

وفي كل مرة ألقاها أذكرها بذلك النص الجميل، الذي شكل مدخلاً لي للتعرف إلى تجربتها الشعرية، التي تمثلها الآن أربعة دواوين: هنا ضيعت الزمن، وحدك، هاء الغائب، وأخيراً: ربَّما هنا، ديوانها الأخير الصادر عن دار الفارابي بيروت.
كما في مجمل سيرتها الشعرية حتى الآن يشف نص خُلود المعلا عن لغة أنثوية رقيقة، عذبة ربما لأنها، كما تقول في نصها: “هكذا أحيا أسطورتي” تخاف اللغة الملونة لأنها تربك نظرتها إلى الكون. فضاء الحرية المشتهى والمفتقد نجده في ذلك النص الحميم المُهدى إلى لندن في ديوانها الأخير، في ذلك التوق لرفرفة بين الشوارع بقلب مفتوح للحياة، باقتحام جسور لأرض المحال، رغبة في إعادة التشكل الحر من كوابح واقع فج في صرامته وجهامته، يُحرض في ذات الشاعرة كل بواعث التمرد والغضب: “من أين تأتي هذه الطيور السوداء، من البحر، أم من هذا الجبل الجاثم على صدري”.

وفي هذا فإن لغة خُلود المعلا قمينة بأن توصل لمتلقيها ما تختزنه روحها من مشاعر: “سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ مُحدثة رذاذاً مضيئاً/ ربيعاً آخر/ في مكان آخر”.

كما يطل شعور امرأة جعلت من عزلتها شعراً محتجاً على واقع لا يأبه بها ولا يعطيها سوى نقطة في هامشه، فيبدو حضن الأم ملاذاً لأنها تملك المطر، ففي هذا الحضن تنام كامرأة لا تجيد البكاء ويسكنها الشعر، ودائماً يطل البوح عن حبٍ ينأى. لذا تبدو مكابرة الشاعرة كبرياء وهي تخلق هزيمة تليق بقلبها.

خُلود المعلا التي حملت تجربتها الشعرية إلى الفضاء العربي، نالت باستحقاق جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب التي يمنحها ملتقى أصيلة الثقافي السنوي في المغرب، ونيلها الجائزة حدث يُسعدنا ليس فقط لأن خُلود أهل لها، وإنما أيضاً لأن حركة الشعر الإماراتي تفرض موقعها في الخريطة الشعرية العربية الجديدة بأصوات موهوبة مثلها.

أنور الخطيب – جريدة الإتحاد الإماراتية - 06 مايو 2008  

خُلود المعلا ربما هنا

لم أقرأ شعراً يكاد يلتصق بصاحبه حد التوحد قدر قراءتي لشعر خُلود المعلا، ملأت سطورها بهواجسها، كشاعرة ومواطنة وإنسانة وأنثى، وسجلت يومياتها بأقلام عزلتها وغربتها، وسط حالات متنافرة منسجمة...

عودة >>

أنور الخطيب – جريدة الإتحاد الإماراتية - 06 مايو 2008  

خُلود المعلا ربما هنا

لم أقرأ شعراً يكاد يلتصق بصاحبه حد التوحد قدر قراءتي لشعر خُلود المعلا، ملأت سطورها بهواجسها، كشاعرة ومواطنة وإنسانة وأنثى، وسجلت يومياتها بأقلام عزلتها وغربتها، وسط حالات متنافرة منسجمة، فهي مستقرة وراحلة وغريبة وأليفة ونافرة، مقدمة محجمة، تبحث عن بلادها 'التي لا تعطيني سوى نقطة في هامشها'، و'هذه البلاد لا تأبه بي'، وعن حبيب لا يأتي مع طرق الريح على الأبواب، لكنها تولي وجهها نحو لندن 'تمنحينني بوحاً فضفاضاً، تفتحين بواباتك، فأولي وجهي نحوك كلما أصابني الوقت، في شوارعك أقرأ سيرتي···'· ثم ترتد إلى سنيها 'السنون تتأملني، بلطف تتحسس فعلها فيَّ، تصر على إصابتي بالذبول··'· وبين هذا وذاك تلجأ إلى قراءة الكف 'أنظر إلى خطوط يدي لأزداد ضراوة، فأجد الوقت ما زال مبكراً، لإخفاء فعل القدر··'·
خُلود المعلا دائمة البحث عن عزلتها، حيث تتجلى المفردات المتآلفة المتنافرة 'متى أنام ملء وحدتي'، تنطلق منها لتلج عوالم أخرى أكثر توتراً واسترخاء·

'ربما هنا'، إسم ديوانها الجديد الذي استقينا منه المقتطفات المقوسة، و'هاء الغائب' اسم ديوانها السابق، ولو جمعنا العنوانين معاً سنحصل على جملة (هاء الغائب ربما هنا)، إنه اندماج في اللايقين، فإضافة إلى الغياب، يبقى احتمال التواجد، وكأن خلود تتحرك بثقة في دائرة الشك، وهي علامة على عدم الاطمئنان لشيء، وعدم الركون إلى حقيقة، رغم بحثها عنها في جل ما تكتب، وأخالها ستغض طرفها عنها إذا وجدتها، وتكمل المسير بهواجس تمشي على رمال متحركة، لا تملك شيئاً سوى غربتها، هنالك (في لندن)، 'كثيرة هي الأشياء التي أقتنيها فيك'، والاقتناء تملك من نوع آخر، قد يكون أكثر قيمة·
لا تأبه خلُود المعلا بشكل أو تصنيف ما تكتب، تنساب كجدول لا يعترضه شيء، لا يصب ماؤه في مكان حسي ما، بإرادتها تجعله دائم الجريان، وبإرادتها تجمع كل الماء وتشرب ماء قصائدها·

'ربما هنا'، يجسد حرماناً حقيقياً لأشياء كثيرة، ترغب بها الشاعرة وترفضها، تحلم بها وتحبسها، تبوح بها وتسكت عنها، فلا يرطب تعبها سوى مطر أمها 'تعبي لا حد له، هذه البلاد لا تأبه بي، أمي تملك المطر، ولا فواصل بينهما، في حضنها أخرج من دائرة المحرومين'·

'ربما هنا'، معزوفات على أوتار حالات لا ترتجي تأليف مقطوعة موسيقية، لتبقى حالات تستلذ بإطارها ومحتوياته، حيث الشموخ والانكسار والانطواء والغربة والألفة والانفتاح والهبوط والانطلاق، مفردات تتردد، فلا تكون سوى تناثر حروفها في المساء، تلملمها فيستوي الشعر.

يوسف أبو لوز جريدة الخليج الإماراتية 20/1/2007

خُلود المعلا .. 5 قصائد طويلة الصمت

منذ فترة طويلة وأنا أتعطش إلى قراءة قصائد جديدة للشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، لا لتوق شخصي، وإنما لسببين، الأول يعود إلى اهتمام خاص بالنتاج الإبداعي الإماراتي والذي أكتبه منذ العام 1984 وحتى الآن، وكنت خلال هذه الفترة أراقب حركة الشعر والقصة القصيرة...

عودة >>

يوسف أبو لوز جريدة الخليج الإماراتية 20/1/2007

خُلود المعلا .. 5 قصائد طويلة الصمت

منذ فترة طويلة وأنا أتعطش إلى قراءة قصائد جديدة للشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، لا لتوق شخصي، وإنما لسببين، الأول يعود إلى اهتمام خاص بالنتاج الإبداعي الإماراتي والذي أكتبه منذ العام 1984 وحتى الآن، وكنت خلال هذه الفترة أراقب حركة الشعر والقصة القصيرة أولا عبر أسماء بدأت في نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتوهجت بقوة في النصف الأول من عقد الثمانينات على وجه الخصوص. بعض هذه الأسماء اختفى وعف عن النشر، وبعضها بقى في مسيرة العطاء حتى الآن، وكانت السماء القصصية النسائية تتقدم المشهد الإبداعي في الإمارات، إلى جانب أسماء شعرية نسائية على خطين..خط قصيدة التفعيلة، وخط قصيدة النثر، وكانت خُلود المعلا، من الأسماء اللافتة منذ البداية، ولكنها تنشر شعرها على نحو يشبه "الحياء" من الشعر، لا لعدم ثقة في ما تكتبه، ولكن في ما أظن أنها كانت تبحث عن النضج الذي يعطيها ثقة الإعلان الكامل عن شخصيتها الإبداعية..ولهذا قلت " أتعطش" لقراءة شعرها، لأنها من الأسماء " المحركة" اليوم للنشاط الشعري النسائي في الإمارات.

نشرت خُلود المعلا في الملحق الثقافي لجريدة "الخليج" عدد 6 يناير/2006، خمس قصائد من مجموعة بعنوان "ربما هنا" بصدد الصدور، وهي قصائد نثر هي ذاتها منهج الشاعرة التي تقول : " أمارس شغفي بعرض السماء، هكذا، حرة تماما"، وأعتقد أن الشغف المقصود في هذا النص هو ممارسة الشعر الذي هو بالنسبة إليها "ربما هنا" و" ربما هناك" والمهم أنها "حرة تماما" وهو إسم القصيدة الخامسة المنشورة في الملحق الثقافي.

في هذه القصائد الخمس المختارة للنشر هناك. كما أرى. قصدية واضحة في الاختيار لهذه القصائد التي جاء نشرها بمثابة الإعلان عن صدور مجموعة جديدة للشاعرة.. أما لماذا كان الاختيار مقصودا – كما افترض؟ فذلك، لأن هذه القصائد الخمس تكشف عن نوع من " البناء" الدقيق والسهل في آن، وهو بناء يشير أيضا إلى بساطة وعفوية الشاعرة، وعدم لجوئها إلى التعقيد و"التشرذم" اللغوي والفني الذي عادة ما يصيب عفوية الشاعر والشعر في المقتل. القصائد خفيفة على القلب والعقل والروح..بل وخفيفة على الجسد، وبقدر ما في القصائد من "خفة" فيها أيضا قدر آخر من " الثقل" الذي يرادف هنا "العمق". أما "البناء" الذي أشرت إليه والذي يفصح عن سيرورته بكل وضوح فإنه، أي هذا البناء، يقوم على ثلاثة مفاصل يمكن معاينتها من دون أي تعب وهي:

تواتر وتلاحق الأفعال المضارعة التي تبدو وكأنها صوت واحد، ولذلك قالت "خُلود المعلا": "أنا شاعرة تطيل الصمت ولا تجيد الكلام"، وبالفعل، عندما تنعقد هذه الأفعال في سلسلة طويلة متلاحقة بما يشبه " السرد" يطول الصمت ويقل الكلام.

وهنا الأمثلة على ذلك:
في قصيدة "سماء تستحق المطر" يمكن إحصاء الأفعال التالية:
أغلق.سأرفع.أمضي.أتبين.أمرن.أجتاز.أكون.أبدأ.أترك.أختصر.أتدخل.أبلغ.أضيء.
في قصيدة "لا جدوى" ترد الأفعال المضارعة التالية أيضا:
أغير.أقرر.أتقمص.أشرب.أعبر.أستدل.أدنو.أسير.أجمع.أصنع.أغمض.أرسم.أختار.أتذكر.أنهض.أتزين.ألبس.
أخرج.أطل.أصعد.أتباهى.أغزل.أتحرر.أتوسد.أسكن.
في قصيدة "شاعرة غير استثنائية"، تبدأ الأفعال بالتراجع،أو أنها تقل على نحو ما، وهي:
أشعر.أتحدث.أجلس.أعرف.أشهق.أجلس.أفتح.أحاول.
في قصيدة "خط العودة" ترد الأفعال التالية:
أميل. أستند.أقترف.أحرك.أجتاز.أتعدد.
وفي قصيدة "حرة تماما":
أمارس. أنظر. أرى.أتصالح. أمعن.

كما نرى من هذا التفصيل أو الإحصاء للأفعال المضارعة التي تمثل صوت الشاعرة وقولها وسردها وتقريرها وحضورها، فإن هذه الأفعال كانت متدافعة متلاحقة بكثرة وبقوة في القصائد الثلاث الأولى ثم أخذت الشاعرة تخفف من حدة أو من جريان هذه الأفعال ببطء، ولكن بعدما مهدت بالقول:

"أنا شاعرة تطيل الصمت
ولا تُجيد الكلام
حين أتحدث بقلبي
تتدفق القصائد من فمي أجسادا تتقد رغبتها
لكنني،
أجلس كثيرا الآن
لا أشعر ببعضي
ولا أعرف جسدي"

هذا التمهيد للتخفيف من جريان الأفعال هو أول إشارة إلى "البناء الدقيق" المقصود تماما في هذه القصائد الخمس المختارة للنشر في مجموعتها الجديدة المرتقبة الصدور.
ولكن خُلود المعلا لا تكتفي بهذا التمهيد أو هذا التخفيف لجريان الأفعال المضارعة، فهي التي تطيل الصمت ولا تجيد الكلام، تعلن أو تكتشف أو تكشف قائلة:

"لكنني الأن وحدي"
"هأنذا الآن وحدي"
"أجلس كثيرا وحدي"
"كي لا أكون وحدي"
والتركيز على "الوحدة" هو تمهيد ثان في "البناء" أو في "المعمار" الشعري المقصود الذي نهجته خُلود المعلا في هذه القصائد، وربما، في مجمل قصائد المجموعة المرتقبة، وفي وسط تأكيدها على مشاعر "الوحدة"، ثم في وسط تراجع الفعل المضارع تعلن هذه المرة وبصوت مرتفع:
"أمارس شغفي بعرض السماء
هكذا
حرة تماما"

وتقول:

"هكذا،
حرة تماما
ألون تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج"
ثم تقول في آخر القصيدة في قفلة تأكيدية صارمة:
"حرة تماما
كي لا أكتمل"

لنتتبع الآن المفاصل الثلاثة التي يقوم عليها بناء أو معمار هذه القصائد الخمس.
أولا: الأفعال المضارعة الكثيرة
ثانيا: الاعتراف بالصمت
ثالثا: الإعلان عن "الوحدة"
رابعا: التأكيد على "الحرية"
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الشاعرة فتحت ما يشبه صنبور الماء المتدفق في "مضارع" موصول..مضارع يتكلم حد الصمت. ومن المعروف أن المضارع فعل استمراري أو يفيد الاستمرار، لكن هذه الاستمرارية لها وجه صامت أيضا اعترفت به الشاعرة، وأكثر من ذلك رأت الشاعرة أن هذه المضارعة المتدفقة ماهي إلا "عدم إجادة الكلام".

بعد ذلك، سوف يقود الصمت إلى "الوحدة"، والوحيد كائن صامت حقا وإن كان صمته لغة داخل لغة.

"الوحدة" سوف تقود إلى الحرية التي ولدت من شغف "بعرض السماء".
إن من يقرأ هذه النصوص جيدا، وفق ما اقترحته من مفهوم "البناء" أو المعمار عند خُلود المعلا، يدرك بسهولة كيف يتحول النص الشعري من طاقة مضارعة أو نشاط مضارع قائم أساسا على الأفعال إلى قيم روحية وجمالية، ثم إلى حلم أو قرار أو شغف على هذا النحو المبسط: فعل. صمت. وحدة. حرية. والقصيدة المبنية بهذه المعمارية الشعرية هي قصيدة ذكية، دقيقة، سهلة وعميقة في آن.

خُلود المعلا.. صوت شعري إماراتي يسعى بذكاء وتخطيط إلى شعر استثنائي رغم أنها تنفي هذه الاستثنائية، والنفي أحيانا يفيد التأكيد. في لغتها "وهج" مزيون بحياء الشعر عندما يتقدم هذا الشعر لكي يعلن عن نفسه في الزمن الصعب، والأهم من كل ذلك أن قصيدتها متخففة من البلاغة " المتعجرفة"، وإن كان من حق هذه القراءة الانطباعية الاحتفائية أن تبدي رأيا، فربما من المناسب القول أن هذه الروح الشعريةهي روح شاعرة تغني أكثر مما تكتب..تغني لصمتها ووحدتها وحريتها من دون قلق ولا خوف.

إن أجمل ما في شِعر خُلود المعلا أنه شعر يرفض الأقنعة، وهو مباشر ودافئ مثل بوح الطفل، في زمن كل مفرداته هي ضد الطفولة..طفولة الحياة والشجرة والموسيقا والحجر والغيم. لا مواقف حادة في شِعر خُلود المعلا، ولا مواجهات ولا اتكاءات قصوى على ثقافة تعادي مجد الحياة، فكل مافي الأمر هو شعر. شعر وفقط. شعر مصنوع من هذه الدنيا " التي تطل عليها الشاعرة شمسا تبحث عن يقينها..متباهية في صعودها إلى السماء".

بقيت كلمة أخيرة في هذه القراءة السريعة، وهي أن من أسباب العطش إلى الشعر هو "الجفاف" الذي يستشعره البعض في زمن قليل الماء، والماء هنا هو الشعر الذي ننتظره ونمجده لأنه إشارة اطمئنان إلى أننا مازلنا تحت الشمس وأننا لسنا "ربما هنا" بل نحن هنا.

سامح كعوش - العرب اليوم - أبوظبي -5 /10/2007

قراءة في نص

خُلود المعلا شاعرة من الإمارات تكتب بياناً عن تقاليد الكتابة متسلحة بما للكلمات من كشف عن مخبوء النفس, في رتابة اللغة العادية التي تتقوقع بين جدران اللفظة التي لا تصرّح عن هويتها, ولا تعلن انتماءها الواضح.

عودة >>

سامح كعوش - العرب اليوم - أبوظبي -5 /10/2007

قراءة في نص

خُلود المعلا شاعرة من الإمارات تكتب بياناً عن تقاليد الكتابة متسلحة بما للكلمات من كشف عن مخبوء النفس, في رتابة اللغة العادية التي تتقوقع بين جدران اللفظة التي لا تصرّح عن هويتها, ولا تعلن انتماءها الواضح.

هي السارقة المسافات حتى لتحدّ المكان بخزائن لم تفتحها للغرباء إلا مرةً في العمر, حين الصدق تكتب الكلمات ببحر حبر رحب, وحين هي تقف في المسافة بين الممنوع والمرغوب قولاً وفعلاً, وهي الطفلة التي ترسم للآخرين وجهة الصمت عن عمر تستطلع آتيه من مجهول الحروف وغامض المعاني, وانكسار النفس في لغة البكم, كأنها تتوعد الآخرين بأن تفتح خزائن سرّها, ليتدفق الكلام مرتدياً عباءة القصائد المتقدة بالرغبة, المتدثرة بالصمت لا خوفاً بل عنفاً تمارسه كتابة رافضةٌ الانصياع لقيم الشعرية الخرساء إلا عن التكرار والاجترار, تقول:

قصائدي مكدسة في خزائن لم أفتحها منذ عمر
أنا شاعرة تطيل الصمت
ولا تجيد الكلام
حين أتحدث بقلبي
تتدفق القصائد من فمي أجساداً.

وهي شاعرة الموقف الإنساني الذاتي المحض, تبني لها عالمها الخاص الدافئ, كرسمها السماء التي تستحق المطر, وإعلانها العصيان الشعري والوجودي معاً, في التوبة عن المدنية العقيمة هاربةً إلى فناء منزلها الخلفي, لأنها أنفت النفوس القاحلة, ووقفت هناك في ذاك الفراغ المحبب, تزرع بساتين اللغة بالحرف الورديّ المجتاز كسوف الحروف والذات, مبشّرةً بالأفضل الآتي مع ولادة الشعر الجديد, شعر الأنثى الممطرة التي تعطي للسماء قدرة الانهمار, والمطر, في جنون اللحظة الشعرية الكاشفة, تعلن الثورة بحركية فعلية عابقة بالعطر مبشرةً بالفجر, وانتقالية زمانية بين الماضي والمستقبل تواًّ, في أفعالٍ أسندتها إلى الأنا الشاعرة, »لن أغلق, سأرفع, وأمضي قدماً, سأختصر العتمة, وأتدخل, لتتسع حقولي, وأبلغ قمة الجبال النقية«. مستريحةً طويلاً في الحاضر الأبهى الذي ترتضيه لذاتها, في الكشف, والتمرّن على القول المسنود إلى شخصيتها الجديدة, لتعلن الاجتياز المنتظر, كأن تفعل »هكذا أكشفني, أقرأني بصوت عالٍ, لأجتاز كسوف الذات, أكون أفضل مما مضى, أترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً«, تقول:

هكذا أبدأ مسيرتي الجديدة
وأترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً
والفجر فاتحة أمري
منذ الآن
سأختصر العتمة
وأتدخل في تحديد مسارات الريح
لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر.

وخُلود المعلا تمحو أطياف العتمة, لتعلن القصيدة صديقة الفجر الصادق في تنفسه الشفيف, وانهمار قطرات نداه على أعين النائمين, تختصر ظلمة الليل بشمس قصيدة تطلع على شهيق الحنجرة بالصراخ, كما ديك الحياة تطلع من حنجرته كلّ صباحٍ كما يليق بالحياة أن تكون. وهي تبدأ بالحرف مسيرتها إلى مسارات جديدة للريح تفعل بالشعرية ما لا يستطيعه إنسانٌ بالملموس من قدرات التغيير والاعتراض, فالروح لها قدرة شاعرة على بلوغ قمة الجبل, كسيزيف الأسطورة, أو أيوب الوجع, أو هي احتمال أنثى ضيمَ ألف عام من الانزواء, والخوف الوجودي, والأسر في عجز اللغة عن قول القليل, من حضورها الإنساني النبيل, تعلي شأنه خُلود المعلا, لتعيد إبرازه كقيمة أولى.

هي أنثى الشعر الجديد والكتابة العابرة, شاعرةً بما للأنثى من اقتدار حميم على ملامسة شغاف الحياة, والاستدلال على درب النمل إلى خلاياه الترابية الدافئة, تقيه برد الشتاء, وحرّ الصيف, وتقرّبه دوماً إلى أنفاس الأرض وعبق الطين.

وهي المعلنة لقاءها الأزلي مع الممكن في الحياة, في تفاؤلية غريبة على معشر الشاعرات البكّاءات, تفاؤلية اللحظة الدافئة حين يعلن الفرد انتصاره على الرتابة, بأن يغير عاداته كلّ ليلة, وأن يشهر عزلته ليتقمص الانعتاق, ويبحث عن روعة الحياة في الشعر والهواء والمطر, يجمع ما تبقّى من فضائل لهذا الكون الأعمى, صانعاً منها مرايا قلبه, ليستعيد قامة النخل, وامتداد البحر في الأزرق القريب البعيد, كأنه السماء, أو حلم الشاعرة في غد حكاية لم يروها الرواة إلا همساً.

هي شاعرة غير الشاعرات, شاعرة مطر وبحر وانهمار, تكتب في فراغ الصفحة ما امتلأت به النفس من فرح, تعلن دوراً لها لا يفقهه الذكور وإن جرّبوه تكراراً منذ ولادة, وليلى, ولبنى, وعبلة, وكل الشاعرات الإناث, والملهمات اللواتي لولاهن ما كان الشعر, ولا كتب الشعراء.

خُلود المعلا تكتب شعراً جديداً يقوم على الدهشة المحببة, الابتسامة المرسومة حروفاً بيضاء في فضاء الزرقة السماوية أو البحرية لا فرق, كشاعرة تعيد اكتشاف الجميل من تفاصيل الحياة, حين هي تحمل مشكاة ضوء, متسلحةً بنورانية الوجود ضد عدمه, وعتمته, لابسةً الورد لتتباهى في صعودها وارتقائها سلّم اللغة الحالمة, تغزل سرباً من المدن المضيئة التي تحتضن بعضها في دفء الفرح الشعري في نصها النابض بالحياة, يلعن الصمت عن الحق, عن حقيقة الأشياء, في تشكلها الأجمل كقصيدة أو زهرة في برية, وسط حقل أخضر يعلن اخضراراً أبدياً للروح, واعتلاءً محلقاً في سماء انهمار الفرح على الأرض بالكلمات.

أحمد أبودهمان - جريدة الرياض – العدد 26 مايو 2005

خُلود الشعر

ونعني هنا السيدة خلود المعلاّ، التي كانت ضمن شاعرات العالم العربي المدعوات لمعرض فرانكفورت. والشعر ليس ما تكتبه خُلود المعلاّ فقط. فهي شاعرة كتابة وإلقاءً وحضوراً...

عودة >>

أحمد أبودهمان - جريدة الرياض – العدد 26 مايو 2005

خُلود الشعر

ونعني هنا السيدة خلود المعلاّ، التي كانت ضمن شاعرات العالم العربي المدعوات لمعرض فرانكفورت. والشعر ليس ما تكتبه خُلود المعلاّ فقط. فهي شاعرة كتابة وإلقاءً وحضوراً. كأنها هبطت من سماء الشعر لتمر كقصيدة مكتملة، أليفة، محتشمة، كأنها لا تعرف أحداً، ولا تنكر أحداً، مثل نسمة، مثل وردة، وكأنها تقول للآخرين إن على حدود الربع الخالي شعراً وأنوثة وإنسانية لم يعرفها أحد من قبل.

استمعنا مع الجمهور الألماني إلى قصائد خلود المعلاّ. لم تكن وحدها على المنصة، لكنها كانت تبدو وحيدة لمن ذاق الشعر ولو مرة واحدة في حياته. الشعر في خلود صلاة وإيمان وأدعية وحب وحياة.

وكم هو بائس من لم يقرأ بعض ما كتبته، إن لم يتمكن من قراءة كل ما كتبته، وهنا نهدي لقارئ هذه الزاوية قصيدة لا تشبه أي قصيدة أخرى. وهي بعنوان:

لو أنه
لو أنه يفتح فنجاني
ويحدّث نجمي
لو يقرأ طالع قلبي
ويدخل مداراتي
سيعرفني
في روحي أماسيّ حيري
أقاليم عامرة بالبوح
دفاتر ما قُرئت
ما كتُبت
ما فتُحت، حكايات من ألف دهر
لو يقرأ آياتي
يَكشف أسراراً قدسيه
نوراً يرتد من لوني
جسداً مفتوناً بالفجر
دفئاً آخر
وحده لو يجمع أوراقي
تصير الشمس قصيدتنا
وبكائي أغنية
وغمامي أنهاراً كبرى
سيحط نجمه فيَّ
سيعرفني
ويفهم كتاب صلاتي
أزلياً يبقى
مأخوذاً بالسر الأكبر
لو
يعرفني

القصيدة من ديوانها «هاءُ الغائب» دار الفارابي بيروت 2003م والشاعرة تحمل ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت وماجستير في إدارة المشروعات من بريطانيا وبكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الإمارات. ولها مجموعتان شعريتان قبل هذه وهما «هنا ضيعت الزمن» القاهرة 1997، «وحدك» الدار المصرية اللبنانية 1999.

د. صلاح فضل – جريدة الاتحاد – 20 نوفمبر 2004

نغم مبطن يؤنس وحشة القصائد

خُلود المُعلا شاعرة من الإمارات العربية، تصدر ديوانها الثالث بعزم وثقة، طوعت دراستها الأولى في فنون المعمار والإدارة لموهبتها الإبداعية في اللغة العربية، فتلبست بحالات الشعر وتمثلت عوالمه بكفاءة بارزة...

عودة >>

د. صلاح فضل – جريدة الاتحاد – 20 نوفمبر 2004

نغم مبطن يؤنس وحشة القصائد

خُلود المُعلا شاعرة من الإمارات العربية، تصدر ديوانها الثالث بعزم وثقة، طوعت دراستها الأولى في فنون المعمار والإدارة لموهبتها الإبداعية في اللغة العربية، فتلبست بحالات الشعر وتمثلت عوالمه بكفاءة بارزة. وأبحرت في سفن التراث فتشربت روحه، وعاينت كشوفه، لكن روح التمرد العاصف التي تدفع بالشباب إلى القطيعة في جزر قصائد النثر غلبتها على أمرها، فمضت تعلو موجتها، مصطحبة معها زادا من الإيقاعات المتداخلة وكسر التفاعيل التي تعرف صوغها وتدرك انسجامها، لكنها تكتفي منها بنغم مبطن يؤنس وحشة القصائد المنثورة، ويؤطر تجربتها الطازجة في الحب والوجد والإبداع.

وهي مثل كل الشواعر الجدد تثير الدهشة باكتشاف ذاتها وهي تعاين الكون من حولها، وتعرف كيف تعثر على صوتها الخاص وتصقل نبراته وهي تتمتم بمثل هذه السطور:

" أنا المولودة من السر
تجهلني أقدام العابرين
وبليدة دقة الزمن حين أدخل أكوانا ليست لي
من يضم ما بقى مني
يراجع تاريخي
سأصطحب السماء يوما
سأبكي حتى يصير البكاء تلاوة
وأصير آخر حضن للفراق"

ويمكننا أن نلاحظ هنا بروز النهج الحداثي في التعبير، حيث تعتمد على المفارقة والإشارة اللافتة للغياب والاختلاف، فهي تعرف ذاتها بسر الولادة وتجاهل الآخرين وسلب البلادة من زمنها، وتناشد من يراجع التاريخ لتطول السماء وتصنع مقدسها الخاص؛ إذ يصبح بكاؤها ترتيلا، وحضورها يمتزج بالفراق. ويسمى النقد الحديث هذه التقنية التعبيرية الشعرية "انخفاض درجة النحوية"، لا بمعنى خروجها على قواعد اللغة في التركيب النحوي، فهي سليمة وفصيحة، ولكن بخروجها عن الأعراف المألوفة في الإسناد اللغوي، تفعيلا للتخييل وإشعالا لوهج المجاز. فالأقدام مثلا لا تعرف ولا تجهل، لكن اختيارها يثير دلالات عديدة، واصطحاب السماء كناية لها معناها، وعندما يصير البكاء تلاوة ويصبح صوت القصيدة حضنا للفراق، كل تلك الإسنادات المخالفة للمألوف عبر القصيدة المطولة التي اقتطعنا منها هذا الجزء ترفع حدة الشعرية، لأنها تثير انتباهنا إلى ما يولده الكلام من معان خفية وما يختطفه من إشارات غامضة، والقصيدة بكاملها تدور حول المعاني لاقتناص ما يتراءى لها من صور التخييل والتمثيل.

إذا كان الشعر ينبجس من نبع التردد والترجيع، ويفيض في تربة المعنى الصلد الأملس، فإن الشعراء الموهوبين يعرفون إلى جانب تشقيق اللغة عمليات أخرى من توزيع المرجعية حتى لا يستقر الكلام على وجه واحد. وهاء الغائب التي تتخذها خُلود المعلا عنوانا لمجموعتها الشعرية ضمير شقي لا يعرف السكون ولا يرضى بالوضوح في حضن عائد ووحيد، لأنه يبغي إدماج الكل في واحد، وتشقيق الواحد إلى متعددين مختلفين. ولنتابعه في إحدى القصائد المثيرة بعنوان "حان الهوى" حيث تقول:

فتحته/ انهمر/ وجهه وجهي/ حاله حالي
في بحره/ السواحل تغفو / ولا شراع
أظهر محملة به/ لوجده ساجدة
فاطلع في أضلعي/ عد نقاطي
هكذا يحين/ ينسكب/ يمتد في نقطته
له آن الدخول/ حان الهوى
بابه مختوم/ لا هو في الأزمنة/ ولا في الأمكنة أنا
بعده لن أترك مفتاحي/ أنا المسكونة
بالمطر/ والعشق/ وبه.

ولابد لكل قاريء أن يحاول تسكين ضمير الغائب على هواه؛ فيجرب مرة إحالته للشعر، ومرة أخرى للحب، وثالثة للمحبوب، ورابعة للشوق المبهم المجهول، ولغير ذلك مما يخطر على قلوب المريدين، لكن يظل الغياب مصدر القوة والإيحاء والخصوبة في كل القراءات، لأنه هو الذي يوحد بين كل تلك الدلالات، في الوقت الذي يسبكها جميعا في مصهر التعدد.
ميم الموت

كان القدماء يرون في الحروف أسرارا خفية، وللكلمات قوة سحرية، وكثيرا ما اقترن الشعر في وعيهم بالسحر. حيث يفجر كل منهما في روح الإنسان طاقة لا يعرفها، ولا يتوقع تجددها. ومهما أضاء العقل والعلم من مساحات الكون ستظل هناك مناطق مروعة في ظلمتها وعذاباتها، وربما كان الموت أفدح هذه المناطق وأعصاها على الفهم والألفة. ومن الغريب أن تقف شاعرة شابة أمام أبوابه لتطرح مواجدها، لكن صحبتها لكبار المتصوفة وتأملها لمقاماتهم أتاح لها أن تدخل أبوابه المشرعة المهيبة، وتمسك بحرفه الأول في قصيدة "ميم الموت" حيث تقول:

ميمه حزني الدائري/ فارغ بغفوته الكون
والدنيا هو بابها
..........
لم أملك من الوقت ما مضى؟ لن أملك أساي
موته قابض على فجري/ والعين جمرة
..........
المواسم خبرتني أفوله
أيلول يتيم/ وجهه مداري
وقصيدته الأخيرة ضيعت لغتها/ أنكرتني
..........
في الطفولة والعمركان
بعده البلاد تهاوت/ ضاقت على ساكنيها
قمر أسود صار ليلي/ والحزن أزرق
فهل تهجرني ذاكرتي؟
..........
حاءه حاء حبي/ وحاء حزني
ميم الموت ميمه/ فراقه حل
فمت/ ودام

لن نبحث عن سر الحروف في هذه المقطوعة، ولن نتعقب أصداء التراث الشعري الغزير الذي تتكئ عليه، كما لن نجري وراء الظنون في اكتشاف مرحعية ضمائرها، فهذا مراس نقدي تعود عليه القارئ، ولكننا نكتفي بأن نكتشف ما فيها من ذكريات الطفولة في الفقد، وأوجاع الفجائع التي أحالت أقمارها إلى السواد، ولنتأمل حالة التوحد بين الحب والحزن والفراق لنركز بصرنا على جديلة الحياة والموت وهي تتبادل الكينونة فتهب الوجود دلالته العميقة وقراره الشجى الراسخ في الوجدان. تعرف الشاعرة خلود المعلا كيف تصمم قصائدها في أبنية متراكبة، تبرز صوتها الأنثوي المتميز، وتقدم كشوفها في عالم الوجد الشفيف مضمخا بالولع الشعرى. في مقطوعات تبدو كأنها تجليات منتظمة لحالات متراسلة، فهناك وحدة غنية في البواعث، وتآزر جلى في الإشارات، ونسق متناغم من النبرات، إلى جانب هذا المهاد الصوفى الوثير الذي يضفى صبغة وجدانية حميمة على الصور والمواقف واللفتات، وهى تنطلق من الكون لترتد إلى بؤرة الذات حيث تقول:

"تضيق البلاد/فأدرك مصابي
ليال تعيدني إلى سيرتي الأولى
أتذكر دخولي أرضا/ صارت سماء
أستعيد قبلة البدء
...................
شاغلي وانشغالي/ أسعى في مداره
الأمكنة لا يملأها سواه/ بين أضلعي يجري ماؤه
فأين المصب؟
قلبي ذائب في بحره/ ولايغيب.

وإذا كان الواضح أن االهاء هنا تعود إلى الشعر في الدرجة الأولى فهو الذي يحيل الأرض سماء، وهو الذي يفيض بمائه على مريديه، وهو الذي تسعى الشاعرة في مداره، وتذوب في بحره، فإن تاريخ ضمير الغياب المكتنز بالدلالة عبر الديوان كله يظل مصاحبا للقارئ خلال رحلته الممتعه في هذه التجربة الإبداعية الفريدة.

يوسف أبو لوز - جريدة الخليج الإماراتية 05 نوفمبر- 2003

خُلود المعلا في ديوانها الجديد " هاء الغائب"

مقدمات جيل التسعينات الشعري في الإمارات كانت تتشكل خلال العشرين عاماً الماضية على أيدي عدد من الشعراء والشاعرات كانوا قد ولدوا قبيل أو بعيد قيام دولة الاتحاد...

عودة >>

يوسف أبو لوز - جريدة الخليج الإماراتية 05 نوفمبر- 2003

خُلود المعلا في ديوانها الجديد " هاء الغائب"

مقدمات جيل التسعينات الشعري في الإمارات كانت تتشكل خلال العشرين عاماً الماضية على أيدي عدد من الشعراء والشاعرات كانوا قد ولدوا قبيل أو بعيد قيام دولة الاتحاد، وبالتالي، مع ظهور المؤسسات الثقافية التي كان من أدوارها الرئيسية احتضان هذه الكوكبة من الكتّاب الشباب، وعندما نقول الشباب، فإنما نقارن بين شباب الدولة وبين شباب أبنائها المبدعين خلال ثلاثة عقود نهضت خلالها دولة الإمارات وتجاوزت الزمن وسارعت من بناها التحتية والبشرية والتنموية، ولذلك، عندما يقال أن الإمارات سجلت ازدهاراً حيوياً شاملاً في زمن قياسي، فإن مثل هذا القول لا يأتي من فراغ، فله دلائل ومؤشرات بدءاً من الاقتصاد مروراً بالسياسة وانتهاءا بالثقافة.

وقد اشتغل جيل السبعينات وأواخر الستينات من القرن الماضي في الإمارات على نفسه بنوع من العصامية الأدبية والاعتماد على الذات المبدعة، ذلك بأن المحيط الذي وجد ذلك الجيل نفسه فيه كان محيطاً صعباً من حيث الاتصال بعواصم ومراكز الثقافة العربية إلى حد ما. ومن أوجه تلك الصعوبة اعتبار منطقة الخليج منطقة إنتاج نفطي فحسب، وليست منطقة إنتاج ثقافي أيضاً.
طبعاً، مثل هذه النظرة كانت مغلوطة في حينها، وسيتم تصحيحها في ما بعد عندما تصبح الإمارات من أهم الأقطار العربية من حيث التنمية الثقافية. يشهد على ذلك تعدد المؤسسات الثقافية وتبني الصحافة للإبداع والمبدعين وانتشار الكتاب الإماراتي وظهور معارض الكتب إضافة الى إنشاء العديد من الجوائز الموجهة الى الطاقة الخلاقة لدى الكتاب المحليين وإخوانهم العرب.
أما جيل الثمانينات في الإمارات فهو الجيل الذي قطف "الثمرة الذهبية" إن جازت العبارة، فقد تأسس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات وتأسست دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة والمجمع الثقافي في أبوظبي ثم تأسيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي. هذا الجيل سيكون بمثابة منصة انطلاق للحراك الثقافي الإماراتي عبر ظهور العديد من كتاب وكاتبات القصة والشعر إضافة إلى الانفتاح المتتالي على أشكال الفنون الأخرى ومن أبرزها الفنون التشكيلية والفنون المسرحية.
وكانت تلك الحصيلة هي المقدمات الموضوعية لظهور عدد من الشعراء والشاعرات في مرحلة التسعينات. ومن هذه الأسماء: إبراهيم الملا، الهنوف محمد، عبدالله السبب، مسعود أمر الله (اتجه الى السينما) وخلود المعلا، وغير هؤلاء من شعراء وشاعرات.

نقف هنا عند الشاعرة خلود المعلا لمناسبة صدور ديوانها الثالث قبل أقل من شهر عن "دار الفارابي" في بيروت وبالتعاون مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. الديوان حمل اسماً لافتاً وهو "هاء الغائب"، وقبل ذلك أصدرت خلود المعلا: "هنا ضيعت الزمن" (1997)، و"وحدك" (1999)، والشاعرة المعلا تحمل بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الإمارات، وماجستير في إدارة المشروعات من جامعة ريدنج (بريطانيا) إضافة الى ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت.
ومن المفيد أن نذكر التخصصات الجامعية لهذه الشاعرة ذات العقلية العلمية كما يبدو من دراساتها، فعندما يجتمع الشعر والعلم نجد أنفسنا أمام نصوص شديدة التكثيف والإيجاز والاختصار هي أشبه بالإشارات وربما "المعادلات" المضغوطة في عدد قليل من الكلمات ويسمي بعض النقاد هذه الخصيصة "الاقتصاد في اللغة"، وسيظهر ذلك في مجموعة "هاء الغائب" للشاعرة خلود المعلا.

ومع المرور على "تضاريس" هذا الديوان، ربما أمكننا الاستعانة بالعنوان "هاء الغائب" للدخول في مناخات هذه الشاعرة التي تختار قصيدة النثر بلغة قليلة ووجع كثير.

فالشاعرة، كذات، غائبة تماماً، وصحيح أنها تستخدم ضمير المتكلم كثيراً في هذه النصوص، ولكنها مع ذلك تختفي وتغيب خلف هذا الضمير، أما الشخصية التي تخاطبها المعلا في هذه القصائد، ولنقل "بطل القصائد"، فهو أيضاً "بطل" غائب، ولا يحضر منه إلا "الهاء"، إشارة إلى اسم غامض تذوب ملامحه في الشعر، وهذا الغائب قد لا يكون "شخصاً" بعينه، وقد لا يكون "بطلاً" بقدر ما هو فكرة بطل. إنما هناك "معنى" تلمح إليه الشاعرة، وسيظل "الغياب" هو الطابع العام لمجموعة هذه القصائد التي تحول الحب إلى زمن، كما أن الشعر هنا إدراك للفراق يصبح فيه الليل ظمأ:

"أنا لليلة للبكاء.. وله
كلانا واحد
والحب فينا زمان مقيم".

ولن تذهب خُلود المعلا الى الثرثرة، كما لا يعنيها الركض وراء تداعيات الصورة الشعرية مكتفية بكل هذا الهدوء والقدرة عليه في زمن صاخب مملوء بالأصوات والألوان الفاقعة الحادة، وبالفعل يختفي الصوت واللون في هذه القصائد وكأن الشاعرة تختبر قدرة اللغة القليلة على تعويض ما تتطلبه الأذن والعين.
تبدو قصيدة خُلود المعلا ذاهبة إلى "المحو"، هي قصيدة أثر صغير معرض للريح، فكأني بها تكتب على وجه الماء أو على وجه الرمل، تكتب بخفة وأناة وتأمل، تكتب بما يباشره ويمليه عليها ضعفها الإنساني إلى مجاورة قوتها أيضاً، هذه القوة "الضعيفة" الصغيرة النائية في شعر بالغ الغياب، ومحمل بالأسى الشفيف:
"لم أملك من الوقت ما مضى
لن أملك أساي
موته قابض فجري
والعين جمرة".

لكن "هاء الغائب" ليست هي وحدها خيطنا الذي يدل على "الكائن" الذي يعيش في رحم هذه القصائد. ستعمد الشاعرة إلى بعثرة أجزاء إسم هذا الكائن في فضاء شعرها الهادئ الموزون على بحرها هي كشاعرة تستخدم اللغة كما يستخدم الطفل الألوان المائية المنسربة بين أصابعه الناعمة، فالطفل يرسم ولا يعرف المعنى العفوي خلف هذه الرسوم، كذلك، خلود المعلا، ثمة طفولة في هذا الشعر الذي يهرب من الخبرة والاحتراف ولا يريد أن يقدم معرفة كاملة.
وفي هذا الشعر تنفتح الذاكرة أيضاً، تبدو ذاكرة طفولية مداها الزمني ليس طويلاً، ومع ذلك "تستمتع" الشاعرة بجزيرة ذاكرتها، يقول "انريكو ماريوسانتي" في عبارة جميلة له وهو يعلق على شعر "نيرودا" الشعبي الطفولي: "قد لا يكون الإنسان جزيرة، لكن ذاكرته هي جزيرة قائمة بذاتها". وفي جزيرة نفسها تتكلم خلود المعلا، تخاطب نفسها وتخاطب غائبها، تحول الكون إلى مدينة، وتختبئ في ليلها.

إلى ذلك، تحمل هذه القصائد "الخفيفة" ثقلها الخاص، وهو ثقل الشاعرة ذاتها، إنه ثقل العاطفة المتأججة، عاطفة الشعر وعاطفة الشاعرة معاً في بوح لا تنقصه جرأة من دون أن تكبّل لغتها بالرمز:
"روحي نصفها نأي وكلها عشق.. فمتى
يدخلُ دياري، ويستقر؟".

هذه العاطفة لا تنكشف في المباشرة والابتذال. تظل تظهر بما يشبه الطيف الذي يشي بصوفية ناعمة تغلفها مشاعر الغربة ووحشة اللجوء إلى الكتابة.
لاجئة، خُلود المعلا إلى الشعر، هاربة إليه ولائذة به، تجترح من الشعر ليلاً لهدأتها وكتاب مخاطباتها إلى الغائب، وربما، كتاب مخاطباتها إلى غيابها.
إن مثل هذا الشعر إنما يتعب صاحبه لأنه يبحث عن خصوصية إبداعية، هكذا تريد هذه الشاعرة. إرادة الضعف وإرادة القوة أيضاً، فهي كما تقتصد في اللغة وتصفيها تماماً بطرف عباءتها أو بمنديل أبيض، فهي كذلك، تسعى إلى أن تتخلص من أي تأثير خارجي على قصيدتها. تهرب خُلود المعلا من المرجعيات ومن الأصوات العالية ومن "اللغة الكبيرة". تهرب إلى ذاتها وإلى غيابه وغيابها في ما يشبه "الترانيم" أو "السونيتات" العابرة والوامضة مثل النجوم البعيدة.
بأقل ما يمكن من الشعر تقول الشعر، لا تبعات كثيرة ولا أعباء، وبالنسبة إليها القصيدة بحيرة في حجم خاتم، فإذا فاضت، أمست قلادة. وإلى جانب الذاكرة تحافظ على الطفولة، طفولتها التي تكبر مع الزمن، وكأنها خائفة من الزمن وخائفة من غياب هذه الطفولة:
"في الطفولة والعمر كان
بعده البلاد تهاوت
ضاقت على ساكنيها
قمراًأسودصارليلي
والحزن أزرق
فهل تهجرني ذاكرتي؟".
وبكلام قليل وخفيف أيضاً تماهياً مع روح هذا الشعر، سنقرأ في "هاء الغائب" رغبة شاعرة تحب ما تكتب. الثقة، أيضاً، ملمح آخر للكتابة، تكتب خلود المعلا بلا اندفاع ولا مبالغة كما لو تصوغ شعرها بالحياء محافظة على روح اللغة التي تتمثلها على أنها "أنثى" أخرى. والقصيدة هنا، امرأة في امرأة، ومكان الشعر هو الغياب. أما الحضور فهو للغياب ذاته. الحضور للذاكرة والطفولة، ولهذه الابتهالات الصوفية من دون إثقال على الشعر الذي يموت بموت خصوصيته.
ثلاث مجموعات شعرية لخلود المعلا في ست سنوات. خبرة متأنية، دقيقة، وخطوات حذرة ولكنها واثقة. وجع الإنسان يعتقه ويدفع به إلى الثقة بإنسانيته، بإنسانية الشعر وعالميته وشموليته إذا كان هذا الشعر يحكي عن حياة الكائن الغائب والحاضر معاً في مثل هذه الصياغة الإبداعية الهادئة.

أحمد الشهاوي - مجلة نصف الدنيا – 402 - 26/10/1997

على الرغم من أن خلود المعلا تبدأ ديوانها الأول " هنا ضيعت الزمن" منذ السطر الأول بيقينية لافتة " كنت أعرف.." والتي تتكرر سبع مرات في القصيدة الأولى "تشابه" فإنها بشكل عام لاتعرف اليقين في الكتابة...

عودة >>

أحمد الشهاوي - مجلة نصف الدنيا – 402 - 26/10/1997

"على الرغم من أن خلود المعلا تبدأ ديوانها الأول " هنا ضيعت الزمن" منذ السطر الأول بيقينية لافتة " كنت أعرف.." والتي تتكرر سبع مرات في القصيدة الأولى "تشابه" فإنها بشكل عام لاتعرف اليقين في الكتابة، باعتبار أن لا يقين في الإبداع، وإنما نحن أمام قلق يحير وسؤال دائم يهجس، ومن ثم تنتقل الشاعرة من حالة إلى أخرى بحيث يتشكل الموقف الذي يجمع الأحوال في لغة وروح واحدة، وهذه الروح التي تتوق للوحدة والعزلة أحيانا والبحث والرحلة، يشكل الماضي هاجسها الرئيسي، بحيث تتداخل أزمنة شتى وأماكن عديدة أليفة ولكن يظل الفوت له سطوة لغوية وروحية على الشاعرة التي تكتب تحت هذه السطوة. الديوان في دروبه المتنوعة، والتي تخلق في النهاية نقطة التقاء، أو مايمكن أن نسميه طريقا رئيسية، تتزاوج فيها اللغات والأحوال والمواقف والرؤى والأزمنة والأمكنة، بحيث نصير أمام كون له ملامح مرسومة بفوضوية لا بدقة المهندسة. الشاعر عادة يهندس قصيدته بفوضاه، ومن ثم نرى الدقة أو البراعة أو الخلق في التكسر والتشتت والضياع، فمن الشرود والتيه تولد حال أخرى لها روح تدل...وإذا كان الباطن المخبوء المسكوت المسكون يرصد التواريخ والأزمنة، ويكتب التفاصيل بدقة، فإن الراهن الواعي المدرك حاول أن ينفي هذه الأزمنة بل ويلغيها تماما. فنرى أن الديوان غير مؤرخ من ناحية الأزمنة التي كتبت فيها القصائد أو السنوات التي كتبت فيها القصائد... والشاعرة كأنها تنتظر بزوغ أو ظهور "شيخ الوقت" الذي معه ترى وترحل وتعشق وتسافر وتنأى وتقترب وتمارس طقسها، وهذا الشيخ الذي يحمل ملامح لها صفات النبوة والملائكية ومنها الصفاء والنور والشفافية وضياء القلب وطهر السريرة، يرتقي بها ويعلو إلى نقطة شريدة غير ثابتة في سماء ما غير مدركة أو معروفة فيها تفكر وتبدأ الكتابة بعدما أرهقها الاعتزال محاولة إضاءة عتمة الباطن، أي استيلاد النور من ظلمة الروح".

احمد الصغير ( القدس العربي) - جريدة القدس العربي – 28 مايو 2014

قراءة نقدية: ‎أحاديث الروح في ديوان «امسك طرف الضوء»

تُعَد الشاعرة خلود المعلا من الشاعرات اللائي ‬يحملن آلام القصيدة النثرية بشغف واسع، لأنها لا تنطلق ‬من أرضية ثابتة في قصيدة النثر العربية، بل ترسخ لنصها ‬على...

عودة >>

احمد الصغير ( القدس العربي) - جريدة القدس العربي – 28 مايو 2014

قراءة نقدية: ‎أحاديث الروح في ديوان «امسك طرف الضوء»

تُعَد الشاعرة خلود المعلا من الشاعرات اللائي ‬يحملن آلام القصيدة النثرية بشغف واسع، لأنها لا تنطلق ‬من أرضية ثابتة في قصيدة النثر العربية، بل ترسخ لنصها ‬على طريقتها الخاصة جدا من خلال رحلتها في التجارب ‬الشعرية المتحركة داخل العالم الذي تصنعه. المعلا تكتب ‬نصا قصيرا أشبه بشعراء الإبيجراما اليونانية، أو شعراء ‬الهايكو الياباني.‬‬‬‬‬‬
وعلى الرغم من قصر النص الإبيجرامي النثري ‬لدى خلود المعلا، فإنه يحمل الكثير من العمق الدلالي ‬والفني الذي يحتاج لتأويلات متعددة، ولا يحتاج لشروحات ‬سطحية. وعليه فإن المُعَلَّا شاعرة عربية تنسج من قلبها ‬رؤيتها للعالم من خلال روح الذات الشاعرة في نصوصها، ‬فترسم الصورة الشعرية من خلال لغة تتماس مع الهواء ‬اللغوي الذي يمر أمام أعيننا ولا نراه، نشمه ولا ‬نتذوقه. هذه هي شعرية خلود‬‬‬‬‬‬‬

المعلا تتشكل من الروح ‬لتدخل في أعماقها، حيث حضور القلب كثيرا داخل الديوان ‬ممتزجا بروح النص، والحياة، كما يطل الوقت برأسه في ‬نصوصها كثيرا، لأن الذات الشاعرة ترصد الوقت من خلال ‬جوانيتها التي تتمسح بآفاق العوالم الرحبة في دنيا ‬البشر، فهو وقت يبدد وحشة الذات ضافيا عليها محبة ‬المعشوق والعاشق، ومنحها أيضا، ألقا صوفيا مائزا في ‬الشعرية العربية. ‬‬‬‬‬‬‬

جاء مشروع خلود المعلا الشعري يحمل سموقا ‬ما، وتمايزا إنسانيا كبيرا على مستوى التشكيل والرؤية ‬الدلالية، بل تجلت خلود المعلا في رصد فتوحات الصمت ‬والتأمل في الحياة، فتقول في تصدير الديوان: «ها أنا ‬الآن أنصت، ها أنا أسمعه أخيرا»‬ ‬‬‬‬‬

تبدو شعرية الصمت التي تحتفظ في حوصلتها ‬بالسؤال الغامض، أين كنت أيتها الروح؟ وتبدو الذات ‬الشاعرة منصتة لهسيس الحياة، وأنينها المتواصل في عالم ‬لايرحم الضعفاء. وتقول الشاعرة في موقف الضمة حيث نلاحظ ‬تأثرها الكبير بمواقف ومخاطبات الصوفي الأكبر عبدالجبار ‬النفري: «الضمة نقطة وجودي،‬‬‬‬‬
لام لغتي،
بالضمة على النقطة أصير،
ولهذا أكتب اسمي ألف مرة كلما هبط الليل
وأذوب عناقا»‬‬
الذات الشاعرة تبدو غائمة في لغة الصمت، ‬والحال، حيث الضمة المسكونة على حرف الميم في المعلا، ‬وقبلها حرف الخاء، في خلود، كما أن الضمة هي سحر ‬التصوف والارتقاء. تصبح الضمة ذات وجهين دلاليين الأول ‬هو الحركة الإعرابية كما ذكرنا، والثاني، ضمة الحبيب ‬للحبيب (الوطن الأرض الأهل، المعشوق الأكبر). كما أن ‬الضمة التي تكون على الحرف الأول في خُلُود، وعلى ‬الميم في المُعَلَّا، هي جزء من البنية الصرفية للاسم، ‬حيث وجودها يشكل خصوصية ما لدى الذات الشاعرة، فهي ترى ‬حياتها من خلال خلود. وتقول في حال التصوف والحزن: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«لا أفرح بالشمس
لأنها تبدد غيمتي التي طالما انتظرتها
فأدرك أن الحياة زائلة»‬ ‬
تبدو الذات الشاعرة حزينة في النص الفائت، ‬عندما تستخدم أداة النفي لا، التي تنفي الفرح الذي ‬تبعثه الشمس، مبددة جراحنا، ولكن هذه الشمس تقطع حياتنا، ‬ليمضي العمر بنا دون رجوع، فهي أيام محسوبة علينا. خلفها يتساقط العمر الجميل، لنعبر الكثير من المحن التي ‬تجففها شمس أيامنا الماضية، وعندها تدرك الذات الشاعرة ‬أن العالم زائل بزوال هذه الغيوم، وبحضور الشمس يتطهر ‬كل شيء، ليطل الشعر برأسه من نافذه العابرين إليه. وتقول المعلا أيضا متلبسة حال الصوفي الذي يبحث في ‬روحه عن روحه : ‬‬‬‬‬‬‬

«‬كلُّ شَيٍء حوْلي ساَكنٌ ‬
حَتَّى ارتعاشةُ ذلكَ الغصنِ الوَحيدِ
لنْ تَتَغَيَّرَ هذهِ الحالُ
علىَّ إذًا أنْ أهَرِولَ إلى قلْبِي
أحَرّرَهُ»‬ ‬

تكتب خلود المعلا كثيرا عن تغير الحال، ‬والنفس / القلب، ، وتبدو لي وكأنها جاءت إلى روحها، ‬لتبحث عن ماهية الحقائق الجديدة، تبحث في نفسها عن ‬نفسها أيضا، كما تتشكل من خلال النص الشعري لدى المعلا ‬ذات شاعرة، تيقن تمام اليقين، أنه لن يحدث تغير إلا ‬بانفجاره من الداخل/ القلب تحديدا، ليبدأ القلب في ‬التغير، عندما يبدأ الإنسان في تحرير هذا القلب المشغول ‬الأسير في جسد الآخرين، عندّ إذن سيبدأ الحال كله في ‬التشكل الحياتي من جديد . كما تتكرر مفردة القلب كثيرا ‬في ديوان المعلا أمسك طرف الضوء، وكأنها تعيش داخل هذا ‬القلب، أو تتحرك من خلاله فتقول في نص قصير: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬كيفَ تركتَ قَلْبِي يومَ ذاكَ ‬
ما مِنْ أحَدٍ يَعْرِفُ
ما مِنْ أحَدٍ مُطْلَقًا
ولَا حَتَّى أنَا»‬ ‬

تتجلى صورة / روح الصوفي في نص المُعَلا، ‬لأنها تصف حال الروح دون حقيقة الجسد، بل تطمح لوجود ‬الروح التي تبحث عن القلب في كل مكان ؟ فقد تركت ‬القلب منغمسا، تائها في حضرة الحبيب، فقد تماهى البدن ‬في عملية الإدراك الحسي العابرة التي فُقِدَ القلب على ‬أثرها، وأصبح نول الوصول في إخفاء المحبة، والبحث عن ‬الحبيب من خلال الضوء الذي يخرج من قميصه. وعن توق ‬الروح تقول المعلا: ‬‬‬‬‬‬‬

«في روحي
تتناسل كائنات شتى
تتمايل على غصن ذابل
فيجثم قلبي على نبضه
في هذا المساء الربيعي»‬ ‬

إن تكرار الروح والقلب في نصوص خلود المعلا، ‬يمنحنا تأويلا جليا لنصها، حيث ارتباط الروح بالقلب، ‬وكأن القلب يسكن الروح، والروح تسكن القلب من ناحية ‬أخرى، وترتكز الشاعرة على مفردات بعينها ملحة عليها ‬ومكررة إياها مثل: (تتناسل ــ تتمايل ــ يجثم ــ نبضه ‬ــ في المساء الربيعي) إن الحال يطل بنفسه في هذه ‬القصيدة القصيرة من خلال الأفعال المشهدية التي تتعلق ‬بروح القصيدة، لأنها تمنح الذات الشاعرة ، هروبا من ‬الواقع الراهن؛ للخلود في الواقع الأكثر عدلا وصفاء ‬روحيا خالصا، بحثا عن الحب والخير والجمال. وتقول في ‬قصيدة طويلة بعنوان تحريض: ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬ماذا لو قفزتُ من ذاكرتي ‬
ومشيت بمحاذاة الماضي؟
ماذا لو وقفت على شفا الوقت
ونثرت مخاوفي في عيون الريح؟
ماذا لو توقفتُ عن العد
وتسلقت أسوار القدر؟
ماذا لو هرولت نحو الطبيعة
وتلاشيتُ في رهافة غيمة ؟
ماذا لو ركضت الآن ….. ؟؟»‬ ‬

تتجلى في النص شعرية السؤال التي تعتمد ‬عليها المعلا فتحمل الكثير من التحريض نحو الجنوح لكسر ‬حواجز الصمت الأبدي، حيث فرار الذات من الحاضر، والرغبة ‬الملحة للعودة إلى الماضي، حيث ذكرياتنا، عشقنا، روحنا ‬الطاهرة، كان الماضي أكثر جمالا من الحاضر الآن الذي ‬تعيشه الذات الشاعرة. ثم تبالغ الذات الشاعرة في وجود ‬المجازفة لكسر حاجز المستقبل والقفز من خلاله نحو ‬المجهول الذي تصبو الذات لمعرفته. بل تبحث أيضا عن ‬الخلاص النهائي من هذا العالم / الحاضر، حيث تعاني الذات ‬الشاعرة من فجائع اللحظي الذي قضى على الطبيعة التي ‬تمنحنا الأمل في الغد. وتقول أيضا في نص لافت بعنوان، ‬أدوات:‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

«‬هذا الصمت الذي لا أطيق ‬
هذا الزمن الذي أخاف
هذا العمر الناقص الذي يمر
هذا القلب الذي لايسمعه أحد
هذا الوطن البعيد
هذا الانتظار
هذا الهذيان
إذا، ها أنا أملك أدوات الحياة»‬ ‬

تتجلى أدوات الحياة التي تحمل الكثير من ‬الإشارات والكلمات المشحونة بالشعرية المشهدية لدى خلود ‬المعلا، حيث إنها تمنح الذات الشاعرة الكثير من الألم ‬والضياع.‬‬‬

خلود المعلا
أمسك طرف الضوء

عبده وازن - جريدة الحياة - الأحد ٥ يناير ٢٠١٤

ذات الشاعرة خلود المعلا مرآة الحياة

لم يحمل ديوان خلود المعلا مصادفة عنواناً ذا دلالة صوفية هو «امسك طرف الضوء» (دار فضاءات)، فالشاعرة تقترب في قصائدها من منابت...

عودة >>

عبده وازن - جريدة الحياة - الأحد ٥ يناير ٢٠١٤

ذات الشاعرة خلود المعلا مرآة الحياة

لم يحمل ديوان خلود المعلا مصادفة عنواناً ذا دلالة صوفية هو «امسك طرف الضوء» (دار فضاءات)، فالشاعرة تقترب في قصائدها من منابت الشعر الصوفي ولكن بعيداً من الترميز المغلق والمصطلحات المعقدة، بل هي تداني الصوفية بصفتها مناخاً شعرياً تحيا القصيدة وتتحرك داخل أرجائه الفسيحة. إنها الصوفية الشعرية المشرعة على أفق رومنطيقي حيناً ووجداني حيناً، تكون الذات فيه هي النقطة والدائرة، ناهيك عن الحب في أحواله الموّارة والمتقلبة. ولعل «إمساك» الشاعرة بـ «طرف الضوء» ليس إلا إمساكاً بالقصيدة والشعر اللذين يضيئان ليل العالم ويجعلانه ليلاً أليفاً تخاطبه الشاعرة قائلة: «تعال ضمّني إليك أيها الليل/ كم احبك». ولا تتوانى عن الاعتراف بأنها تترك روحها «تتيه في بساتين النور» على غرار الشعراء الذين خبروا أحوال التجلي الروحي.

قد توصف تجربة خلود المعلا في هذا الديوان بـ «تجربة الصعود» التي تواجه بها كل ما يعيق الكائن من التحرر والانعتاق من أسر المادة والخيبة والألم والوحدة والجفاف والقفر (كل شيء مقفر حتى الذاكرة، تقول). وهي تعتبر أنّ «في الصعود كل شيء يظهر على حقيقته»، وحتى الكون كـما تقول، يصبح نقياً «حين نعلو». وتـحـتدم هذه الرغبة في التحليق عندما تكتشف الشاعرة أنها أشبه بعصفور يُفتح له القفص كي يطير لكنه يكتشف أنّ لا جناحين له. إنها المأساة الإنسانية التي يؤكدها الصراع بين الحلم والواقع، بين الأمنية والعجز عن تحقيقها. لكنّ الشعر يظل هو الحافز على الارتقاء وعلى تخطي المعوقات التي تحول دونه: «أرقى جبل روحي بصعوبة لأستحث الغيم»، تقول الشاعرة. وعندما ترقى هذا «الجبل» لا تنثني عن ملامسة «الزرقة»، كما تعبر.

اختارت خلود المعلا الابتعاد عن القصائد الطويلة في ديوانها الجديد، مؤثرة كتابة قصائد قصيرة تقترب أحياناً من روح قصيدة «الهايكو» اليابانية. قصائد مكثفة لغة ومعاني، مقتصدة في أسلوبها، لا تسعى إلى الاطناب والتفسير، تقول ما تبتغي قوله بهدوء وشفافية. وقد تبدو القصائد هذه كأنها تكمّل بعضها بعضاً لتصنع الديوان. وقد يكون من الممكن قراءتها من دون التوقف عند العناوين، فهي تخضع لسياق شعري واحد وينتظمها خيط داخلي متين.

ولعل هذا التداخل هو ما منح الديوان وحدته ورسّخ أواصر الصنيع الشعري. أنها قصائد تخفي وتضمر أكثر مما تعلن وتفشي. وفي أحيان تبرق لحظات شعرية في طريقة خاطفة: «يظهر/ أصعد إليه بلهفة/ فيغشاني ضباب المساء»، «قلبي سديم»، «لست سوى قلق»، «أذبتك الليلة في كأس الزنجبيل»... وما يزيد من وحدة القصائد ويرسخ سياقها العام هو استخدام الشاعرة للضمير المتكلم «الأنا» الذي يشكل اللحمة التي تحوك القصائد واحدة إلى أخرى. القصائد القصيرة لا تتخلى عن هذه «الأنا» إلا نادراً جداً، وهي إذا غابت، تظل مضمرة، نظراً إلى ذاتية التجربة التي تخوضها الشاعرة. هذا شعر ذاتي في معنى أن الذات هي مرجعه الأول والأخير، كما في معنى أن الذات الشاعرة هي مرآة العالم والحياة، مرآة الآخر و «الأنا». وما يؤكد ذاتية هذه التجربة على سبيل المثل ورود مفردة «قلب» أكثر من عشرين مرة في القصائد. والقلب عنصر صوفي ورومنطيقي بامتياز، وهو، كما علمنا الصوفيون، «الحضور بالحق عند الغيبة عن الخلق». ويرى الجيلاني أن العالم هو مرآة القلب، فالأصل هو القلب والفرع هو العالم. يحضر القلب حضوراً روحياً ووجدانياً وعشقياً: «عليّ أن أهرول إلى قلبي»، «لا أسمع سوى جلبة قلبي»، «يجثم قلبي»، «كل شيء يتصل بالقلب له رائحة»، «اسقط رذاذاً في قلب حبيبي»... وهنا لا بد من تذكر ما قاله الشاعر الفرنسي فيكتور هيغو في هذا الصدد: «أيتها المرأة اصغي إلى قلبك/ لا تقرأي كتاباً سواه».

وعلى غرار القلب تحضر حال الوحدة أو العزلة، وهي حال شعرية صرف، الوحدة الصامتة، الوحدة التي تمثل فعل الهروب من العالم والخلود إلى سكينة الداخل، الوحدة التي تحقق الشرط الروحي... تقول الشاعرة: «مقدّر لي أن أحيا وحيدة/ ولهذا استيقظ كل صباح بشيء من الحكمة»، «أنا كائن من وحدة»، «تشع مراياي بالعزلة»... ومثلما قال الشاعر الفرنسي راموز (ليس هناك من عزلة حيث يكون الشعر) تؤكد الشاعرة أن العزلة التي تعيشها تصبح «عامرة بالقصائد» وتقول أيضاً: «ها أنا في منتصف وحدتي/ أنام مبتهجة في حضن قصيدة». العزلة مهما كبرت أو ثقلت تظل فسحة للقاء مع الذات، لمحاورة هذه الذات شعرياً. إنها مثار الإبداع في شتى أشكاله.

في إحدى القصائد الجميلة والطريفة تحدد خلود المعلا ما تسميه «أدوات» الحياة التي يحياها الشاعر عادة: الصمت الذي لا أطيق، الزمن الذي أخاف، العمر الناقص الذي يمر، القلب الذي لا يسمعه أحد، الوطن البعيد، الانتظار، الهذيان... هذا التحديد هو بمثابة بيان صغير ومتواضع لكنه يختصر فعلاً أزمة الشاعر والشعراء في هذا العالم. و «الأدوات» هذه إنما هي نابعة من صميم القصائد والتجربة التي تحياها الشاعرة، الشاعرة التي تلف الأمس على جسدها «مثل حبل دخان» والتي تتناسل في روحها «كائنات شتى» والتي تعلن في ما يشبه الدعوة الأبيقورية، مواجهة الخواء والخوف والزمن المنقضي: «الحياة هنا/ فلنغتنمها».
الشاعرة الإماراتية خلود المعلا صوت فريد، دافئ دفء الأنثى الكامنة في دخيلائها، صوت متقد بنار الوجد، مبرح بالشوق والحنين. إنها شـاعرة الحـياة في ما تعني الحياة من نبض وألق، شاعرة الصمت في ما يحمل من تأمل ومجاهدة، شاعرة مغرقة في الذات ومنفتحة في آن على العالم، مغرقة في الماضي ومشرعة على الحاضر الذي يعني في ما يعني، التمرد والتجدد والنظر إلى الأمام.

علي العامري - جريدة الامارات اليوم - 19 نوفمبر 2013

خلود المعلا تكتب «اللحظة المقطّرة»

الشاعرة خلود المعلا تواصل بحثها عن المعنى، عن الغيمة الشاردة، عن الغائم والغائب، عن المتواري والمفقود، عبر لغة...

عودة >>

علي العامري - جريدة الامارات اليوم - 19 نوفمبر 2013

خلود المعلا تكتب «اللحظة المقطّرة»

الشاعرة خلود المعلا تواصل بحثها عن المعنى، عن الغيمة الشاردة، عن الغائم والغائب، عن المتواري والمفقود، عبر لغة تنتمي إليها، منذ «هنا ضيعت الزمن»، حتى «أمسك طرف الضوء». وفي كتابتها تغدو القصيدة مكاناً حميمياً، يحقق لها صوفية ممزوجة بالأرض. وتبدو الكتابة لديها طريقاً إلى المعرفة والسلام الداخلي، على الرغم من ضجيج الخارج، إلى أن يهبّ القلق مجدداً، فالقصيدة مأوى لا يعادله أي مأوى آخر. وتقول خلود المعلا في ديوانها الخامس «أمسك طرف الضوء»، الصادر عن دار فضاءات الأردنية: «وها أنا في منتصف وحدتي/ أنام مبتهجة في حضن قصيدة».

في ذلك المأوى، يتحقق للشاعرة الإصغاء للوجود، وتتبع النسغ الخفي لشجرة الحياة، وتفتح الوردة في حجر، لتقول: «أنصت للكون بإمعان/ أتأمل انعكاس قلبي على الحياة/ وأطلق روحي في الزرقة». إذ يضيء قلب الشاعرة الحياة، وينعكس عليها، وهي تتأمل الوجود، في رحلة لسبر ما وراء العتمة، وما خلف الغيمة، وما بعد المجرة، وما تحت اللغة أيضاً.

خلود المعلا التي تحتشد شتاءات في قصائدها، تبدو الغيمة سيرتها الموازية للحياة اليومية، كما لو أن السيرة الزرقاء تتكامل مع السيرة الأرضية، وتكاد لا تخلو قصيدة لها من غمام، فهي عاشقة الغيم بامتياز، ترى فيه صورتها، وهي تتجلى، كما يبدو الليل قرين قصائدها.

يبدو لي أن الغيمة مرآة ترى فيها الشاعرة صورتها وتحولات حالاتها، وهي مرآة متعددة الأشكال، سرعان ما تتحول من شكل إلى آخر، لتعبر عن تعدد الحالات الإنسانية، كما أن الغيمة تمثل علامة الحياة الأولى بامتياز، فأينما حل ماء، حل اخضرار في الأرض والقلوب معاً.

ومن جانب آخر، يبدو لي أن طبيعة الكتابة الشعرية لدى خلود المعلا تتطلب طقوساً خاصة بها، تكتمل مع مشهدية يتعاون فيها الليل والغيم والعزلة، لتأثيث فضاء للتأمل، والإنصات إلى الذات والكون والتفاصيل، خصوصاً أن الحالة الشعرية تبدو في المنطقة الوسطى بين العتمة والضوء، كما لو أن الكتابة بعينين شبه مغمضتين تحرر الخيال، وتفتح طاقة الكون في تلك اللحظة الاستثنائية.

ويبدو أن عناصر كثيرة في الديوان الخامس تبين ذلك، إذ يتجاور المطر والصمت والليل والعزلة والوحدة و«اللحظة المقطّرة»، كما تصفها الشاعرة في إحدى قصائدها. كل هذه العناصر تشكل طقس كتابة لدى خلود المعلا التي تقول: «أنصت إلى الحياة في كل لحظة/ وأغتنم وجودي». كما تقول: «تعال ضمّني إليك أيها الليل/ كم أحبك». وكذلك تقول: «على حبال الليل/ أتأرجح».

ويبدو أن الكتابة لدى الشاعرة تخلق حياة وتضاعفها في كل مرة، مثلما تضاعف المرايا الصورة. ومن جهة أخرى، وإذا كانت المرآة تبدو «مصيراً مائياً»، فإن الغيمة مصير مائي، لكنه دائم التحول، ودائم التشكل، وهو أيضا خيط يربط السماء بالأرض، يتضمن بعداً عمودياً، كما لو أن الغمام سلالم بين التراب والزرقة، وفي ذلك يتشكل ما يمكن وصفه بـ«صوفية أرضية»، يتحقق فيها الارتقاء، عبر رحلة من الطين إلى الأثير.

كما أن الغيم الذي يبدو قريناً لقصيدة خلود المعلا يشير إلى النداء المتواصل للإنسان الذي يبحث عن المعنى، حتى يبدو أن الغيم نداء الأرض لـ«علاج» العطش، لترتوي وتخضر الحياة بالمحبة والشجر. وتقول الشاعرة: «المياه التي تتدفق حولي لا مجرى لها/ المياه التي بين يديّ لا أراها/ المياه التي تحيط بقلبي لا تَروي/ لا شيء يملأ المكان سوى عطشي».

الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تتخذ من الغيمة تميمة شعرية، وهي تكتب متخففة من «الأثقال» اللغوية، تكتب العميق بأبجدية خالية من الزخارف والاستعراض، وتنقلنا إلى الغيم بخيط من ضوء.

طرفه في يدها وطرفه الآخر في يد الريح

شـهـيـرة أحـمــد - 27 يونيو 2013

خلود المعلا.. تقتفي أثر الضوء

ذات مرّة شردت روح الشاعرة إلى فضاء بعيد، إلى تخوم الشعر العالية.. مذّاك تسعى وراءها لتقطف من حدائقها بعض...

عودة >>

شـهـيـرة أحـمــد - 27 يونيو 2013

خلود المعلا.. تقتفي أثر الضوء

ذات مرّة شردت روح الشاعرة إلى فضاء بعيد، إلى تخوم الشعر العالية.. مذّاك تسعى وراءها لتقطف من حدائقها بعض الومضات العذبة.. في انجذابها دارت في أفلاك شتى.. سارت دروباً وقطعت مهاداً لها أكثر من لون.. صعدت إلى الغيم حيناً، تناثرت وتشظت واجتمعت واتحدت وحصلت على الوصل الشعري وقطفت شيئاً من أغصان الارتواء.. ولما أرادت أن تعبر إلينا جمعت لنا شيئاً من حصاد الرحلة، بعد أن شذبتها من الشوك والحزن وأحضرتها لنا بهية، طافحة بالأمل، لتحتفي بالحياة على طريقتها..

الهجرة الى الداخل
تهاجر خلود المعلا إلى نفسها باحثة عن ومضة إنسانية تمنح الروح قدرة إضافية على الحياة.. تهرول إلى وجودها لتصوغه وفق هوى المعنى، تنبش الذاكرة أو تفتح باباً وتعبر إلى أرض الخيال.. تلتقط من حديقته ومضاتها التي ترتبها بعناية كما تفعل المرأة مع أضمومة ورد..، ترتب الفصول وفق مشاعرها، ترصف المسافات بنبضات القلب وربما بفناجين الزنجبيل، تقول المساءات أو النهارات على النحو الذي يحلو لها، تأخذها إلى القيظ أو تبللها بالمطر، تتندى، تخضرّ روحياً بكثافة العبارة، وتعود من رحلتها الوجودية في سديم المعنى وأرض الدلالة بسلال ملآى بالكثير الذي يدهش القلب، ويعيده إلى العمل.
لا تكتفي خلود بالقطفة كما هي، تجلس الى القصيدة، تختصر، تكثف، باحثة عن مستوى رائق من الجمال الفني والروحي، في محاولة لتحريض القارئ على الذهاب في الخيال إلى آخره.. وإذ تفعل تعتني عناية شديدة بروحها، تطلق لها العنان لتشرب من ينابيع الحكمة ما يلون الحياة، التي تبدو أحياناً بلون واحد، عدتها الشعر وعتادها روح متوثبة، تطل على فرحها الداخلي أو أنوارها الجوّانية التي تنعكس على كل شيء حولها، تهبها معنى مغايراً لما توحي به وتأخذها من أرض الدلالة المألوفة إلى أرض أخرى للدلالات التي تشكل شبكة من العلاقات الفكرية والصور البصرية، حيث معظم الاشياء اليومية، والتفاصيل الصغيرة، تعثر على معناها الآخر بين يدي الشاعرة: الباب، الصمت، القيظ، و حتى فنجان القهوة.

في “أدوات” على سبيل المثال تحوّل كل ما يحيل إلى الحزن إلى فعل قوة وحياة:

هذا الصمت الذي لا أطيق
هذا الزمن الذي أخاف
هذا العمر الناقص الذي يمرّ
هذا القلب الذي لا يسمعه أحد
هذا الوطن البعيد
هذا الانتظار
هذا الهذيان
إذاً، ها أنا أملك أدوات الحياة.

بضربة إدهاش تنقل الشاعرة القارئ من حالة متوقعة إلى حالة غير متوقعة، تأخذه الى فعل حياة فيما كل مفردات القصيدة تضعه في مناخ الفقد، وهي ممارسة تقنوية محببة إلى خلود المعلا، تشتغل عليها بانتباه وعمق، وتضفي عليها من رؤيتها ما يمنحها بعداً رؤيوياً، ويمكن للقارئ أن يلاحظ أنها سمة ظاهرة في المجموعة كلها.

من الآخِر
(ها أنا الآن أنصت/ ها أنا أسمعه أخيراً).. بهذا المفتتح الشعري المفاجئ تفتتح خلود المعلا ديوانها الجديد “أمسك طرف الضوء”.. تقدمه لنا هكذا، ليبوح بنفسه، من دون أي حاجة إلى إهداء.. ليقوم هو بنفسه بدور الإهداء واضعاً إيانا على عتبة النصوص التي ستأتي وراءه.. ذلك أنه سيفتح لنا باب حالة شعرية مبنية على التوقع: من هو هذا الذي تنصت له الشاعرة؛ إنسان، طيف، إلهام، ولماذا تأخر كثيراً حتى وصل إلى مسامعها؟

يحيل الإنصات هنا إلى الكلام، الكلام الذي تسمعه الشاعرة بعد انتظار طويل يدلنا عليه ملفوظ (أخيراً)، فيما يظل المتكلم متوارياً، مغيباً، خلف ضمير الغائب الذي سرعان ما تفصح عنه النصوص وترسم لنا ملامح وجهه: إنه الضوء الذي تقتفي الشاعرة أثره، تركض معه كما تفعل طفلة مع طائرتها الورقية، مع فارق شاسع هو أن الضوء ليس لعبة مرحة تلوّن بجمالها الطفولة بل لعبة وجودية تدلف منها الشاعرة الى ذاتها وذواتنا لتحكي عن كل ما يجعل الإنسان إنساناً، وتبحث عن موطئ فرح في عالم يشقى به الوعي.

في مستوى آخر، تسرّب لنا الشاعرة بشكل غير مباشر، بالتصريح لا بالتلميح، بالهمس القريب من النفس البشرية أن كل ما يحياه الإنسان، الكائن البشري، في هذا القرن من أحزان وآلام وإخفاقات إنسانية توجع الروح لا ينبغي أن تنسينا ذلك الضوء الرائع، الضوء الروحي والنور الداخلي، الذي يمكنه أن يجعل الحياة أبهى وأجمل، ولهذا افتتحت ديوانها بخاتمة رحلتها: بحصولها على الضوء.. وهنا، تبدو الشاعرة في رهان على جمال الحياة، و حكمة الغبطة...

في قصائد خلود المعلا الجديدة تبرق الروح بشكل لافت، وفي نصوصها تتحقق الذات المبدعة للأنثى الذاهبة في الأشياء بكامل ألقها. تتمظهر أشياء الحياة وتفاصيلها الصغيرة في لبوسات وجودية وإنسانية غالباً، وتبقى في إطارها الشخصي المحدود في بعض الأحيان.. لكنها في كلتا الحالتين تتميز بصدق وبوح واجتراء على إعادة صوغ الأشياء لعلها تقول الروح في ومضة.

وفي سيرها الحثيث في أرض الشعر، تبدو مأهولة بكل ما يجعل من نصها محاولة للاحتفاء بالحياة، مأهولة بالعلامات والإشارات، مأهولة بالأسئلة البسيطة والمعقدة.. وإذ تقول غربتها الوجودية تقول غربة الإنسان في الآن نفسه: (تفاصيل لا تشبهني/ ذاكرة لم أعشها/ بدايات لم أتمّها/ غيب يحجب ليلتي عن صباحها/ متى تلتفت الدنيا لي؟).

في هذا السؤال الموجع (متى تلتفت الدنيا لي) تتمثل الشاعرة الإنسان، في رحلته الطويلة الباحثة عن معنى الأشياء والحياة والوجود. ورغم أن الشاعرة تستخدم في قصائدها ضمير الأنا لتبوح بما في ذاتها، إلا أن المضامين التي تتوفر عليها النصوص تمارس انزياحاتها الدلالية آخذة ضمير الأنا باتجاه أنا جمعية؛ (أنا / المرأة، نون النسوة)؛ الأنا التي تستحضر الهم النسوي وتتماهى معه، بهدوء شديد، بأقرب ما يكون من طرف الروح.. ثم تنزاح هذه الأنا إلى (أنا/ نحن) (أنا/ الإنسان)..

من هذا السؤال الموجع نفسه وحتى الصفاء العالي في: (ها أنا الآن أنصت... ها أنا أسمعه أخيراً) قطعت الشاعرة رحلة طويلة، وعاشت ارتطامات روحية وإنسانية متنوعة لا تقف عند تجربة الحب رغم أهميتها، بل تذهب عميقاً في حال العزلة والتيه والبحث والتحدي لكي تتحقق، ومع التحقق تبدو عتمتها من ذلك النوع المضي، إنها عتمة ماسيّة تنير العزلة.

مادة التحقق لدى خلود المعلا هي الشعر، ومادة الشعر هي الومضة التي اشتغلت على تجلياتها البوحية والقزحية لتنسج في كلمات قليلة صورها الفنية.. باحثة عن عبارة ثرية تكثف من خلالها حمولاتها الدلالية، إشاراتها، مقايساتها، مقارناتها أيضاً في ضربات شعرية متقنة تشبه برقاً يومض سريعاً تاركاً خلفه بوحاً كثيراً، وثورة مستترة.

خلف الريح
في قراءة ما خلف البوح، المستور و المستتر بقرابات تومئ ولا تفصح، يمكن للقارئ أن يقع في نصوص الشاعرة على حضور الأنوثة وارتباكاتها وما تجترحه من جماليات تخصها حتى في حالات الوحدة والحزن...

ثمة هنا ما يبحث عن الضوء الروحي، عن الحكمة التي تغيب وراء كوارث شخصية صغيرة أو هاويات جماعية تنفتح للبشري الذي يسجل كل يوم تراجعاً في منسوبه الإنساني، كما لو أنه يقفل عائداً إلى بدائيته المتوحشة.. هذه الحكمة التي تتجلى في صياغات نورانية وألفاظ تتصل بعوالم التصوف:

الضمّة نقطة وجودي
لام لغتي
بالضمة على النقطة أصيرُ
ولهذا أكتب اسمي ألف مرّة كلّما هبط الليل
وأذوب عناقاً.

ويبدو أن الشاعرة قبل أن تشرع في رحلتها إلى داخلها، إلى النور أو الفيض الذي ترتجيه، مزقت حجباً وأستاراً وسدفاً كثيرة لتعبر إلى الضفة الأخرى من المعنى، بحيث تحيل الضمة إلى الروح لا إلى الجسد:

لتكن ليلتنا الأخيرة مشتهاة
وعناقنا مديداً
مضى أكثر العمر
لا أضمّكَ إلا بروحي
كي لا تغيب.

بالروح، بقوتها على وجه الدقة، تواجه الشاعرة في امتحانها المعرفي هذا جفافاً هائلاً، وظمأ متمادياً حتى “تكاد أوردة البيوت تجف”، وفي هذه العبارة الذكية تأخذ الشاعرة القارئ إلى أن الجفاف المقصود هو جفاف عام وليس شخصياً، جفاف إنساني أو تصحر لشدة عمقه يضرب حتى البيوت.. إنه جفاف يشكو منه الإنسان والمكان والزمان الذي صارت أيامه متشحة بالأصفر.. ولكي تجسد الشاعرة عمق هذا الجفاف تطوع كائنات الطبيعة لتقوله، وربما تسقطه على الشوارع والظلال والناس والمارة والشتاء والنهار والفضاء:

ظلي الذي في الشارع ليس لي
ظلك الذي في الشارع ليس لك
الشارع يأكله المارة
يستتر الحب
يضيق الرصيف،
يضيق الفضاء
ونضيق

في الضيق لا تسقط القصيدة، بل في مدار متسع يجعل الشاعرة تتماهى مع الكون، تصبح خيطاً من نسيجه الكلي. هناك، في مداها اللامحدود تندغم الشاعرة مع سكون الكون، وترى الكون من الأعلى: أجمل، فتسكن أوجاعها.. وتقرر أن تتشبث بالأمل، وبأغصان الحياة المتاحة:

سأمشي طريق العودة وحدي
ورغم تهاوي الصباحات
سأتعلق بأغصان الحياة المتاحة
وأبتسم بقلبي أكثر من أي وقت مضى،
سأترك روحي ترافقني
تحت ضوء السحاب
في هذه الليالي الجميلة.

في رحلتها تلك، مرّت بالشاعرة حالات كثيرة، مرّت بها قصائد كثيرة، احتطبت من غابة الشعر ما شاءت لها شاعريتها، أتقنت الضربات غالباً وهربت منها غنيمتها في مرات قليلة، لكنها في تحققها الشعري والروحي حظيت بقصائد عذبة، مشغولة فنياً بشكل رائق، بتؤدة، وكأن الحالة نفسها تكثف نفسها، أو كأن القصيدة تعرف في الطفو طريقها الى الشعر، إلى بلاغة الروح:

رأيتك في الضَّوءِ
رأيتَني
كادت ملامحُنا تشتعل
وحدَهُ الغياب
كشف سرَّ العتمة بيننا
قطاف

الى الحرية الفاتنة ركضت الشاعرة بكل ما في قلبها من توق، بكل ما في روحها من شغف.. تارة كانت هذه الحرية تتمظهر في شكل رغبة تحاول النهوض أو سؤالاً تعلقه في سقف الكون وسقف القصيدة ليظل مفتوحاً قابلاً للتأويل، أو ممارسة شخصية بسيطة تعجز عن فعلها في المكان الأمر الذي يترتب عليه أن يتغير المكان.. ها هنا إشارة مبطنة للقيد الاجتماعي والضبط العُرْفي الذي يسحق أحياناً روح المبدع، فلا يجد وسيلة للخلاص منه سوى الهرب إلى مكان آخر يتيح له أن يتنفس بحرية، تقول خلود المعلا في قصيدة “في المكان”:

يَجرَحُني عميقاً أنْ أمْشيَ على أطرافِ أصَابعي في
وضَحِ النَّهار
ثمَّةَ شيءٌ في المكانِ يَجعلُني أكثرَ هشاشةً
فلأسافرْ إذاً إلى بلادٍ شمْسُها رحيمةٌ
يسْكُنها المطرُ
أركضُ فيها بحريةٍ خلفَ الغَمام

لا تفصّل الشاعرة كثيراً في غربتها عن المكان، لا تشرح ولا تسهب في القول لكي تقول لنا كم أن الشاعر غريب عن مكانه.. أما سرّ الغربة فلا يظهره انجراح الذات الشاعرة العميق فقط بل من خلال المقارنة بين (مكانها) وبين مكان آخر في ظل الكيفية التي تمارس بها الروح حريتها في الحياة.

بالطبع، لا تنجرح الروح إلا في المحبة.. لو لم تكن الشاعرة حريصة على أن يكون هذا المكان أفضل وأبهى لما شعرت بالانجراح ولا بالهشاشة التي تنجم عن وجودٌ منفيّ، وجود يضارع الغياب، ومن هنا تأتي رغبة الركض بحرية خلف الغمام، لكن ما يدلل على عمق هذا الاغتراب المكاني أن تسمي الشاعرة مكانها (المكان) وتسمي مكان الحرية (بلاد).. هل هي إشارة إلى أن مكان المبدع الحقيقي ليس الجغرافيا بل حيث يمكنه أن يمارس حريته.

لا تحكي خلود حرية صاخبة.. هي تبوح بها عبر ممارسة التفاصيل اليومية، مكتفية بالتلميح أو الإشارة. إذن.. هناك دائماً خيارات أجمل للحياة.. هناك فعل ما يمكن أن يجعلنا أكثر خفّة.. أكثر قدرة على الحركة / الفعل الذي يتجلى في (الركض خلف الغمام) وهي صورة لا تخلو أيضاً من شقاوة الطفولة التي تحيل بدورها إلى العفوية والانطلاق والحرية..

بالطبع، لم تكن الرحلة سهلة ولا كانت الطريق مفروشة بالورد، كان ثمة هجر، وحذر، وارتدادات وأسئلة حارقة، وفقد موجع، وندم وثمن لا بد من دفعه... فالشعر لا يمنح نفسه لكل عابر سبيل.. الشعر لا يسلم مفاتيحه إلا لعابرين حقيقيين، مولعين به، محكومون بالشغف عليه ينامون وفيه يقيمون.. ولهذا، يحتمل الشعر خسارات كبرى، أصلاً ليست أرض الشعر سوى أرض الخسارات لكن التحقق الشعري، الحصول على القصيدة الجميلة، كتابة النص أو الانكتاب فيه هو الحرية الحقيقية، الحرية التي يمكن أن تتجرح أقدامنا وراءها لكننا في النهاية نعثر على ضالتنا، ونكتب الشعر الجميل:

ما أن يتسع العمر حتى يضيق
في الليالي ذاتها تجزأت مرات شتى
مدّي ضيع جزره
وليلي يشبه نهاري
ليس من السهل أن أتذكر اسمي بعد الآن.

هذه واحدة من التحولات التي مرّت بها الشاعرة، وهي تحولات لا تقتصر على الشاعرة بل تمس الأزمنة والأمكنة والأشخاص والفصول وهي ما يمنح النص تحولاته أيضاً، يبدأ من مطرح شعري ليتموضع في مطرح آخر ثم ينتهي في مطرح مختلف تماماً، مانحاً إيانا تلك المتعة التي نسميها: الدهشة.
لكن ما يضاهي جمال الشعر هو جمال الاندغام والصفاء الروحي الذي يتحقق للشاعر، عندها يعثر على بغيته، على ذاته، على الحرية، على الحب، يتسع ويتسع وينفتح إنسانياً، يتماهى مع الكون والطبيعة، مع المطر والرذاذ والخريف ويضطرب عشقاً وخوفاً، ويدخل في كهف الحكمة النوراني ليحظى بلؤلؤته الدفينة.. هكذا، تعود الشاعرة من رحلتها بحصاد من التأمل والحكمة، تعود إلى نفسها، تعود من الصخب الى السكون، فتصرخ على طريقة نيوتن حين صرخ وجدتها: (كم هو رائع أن أعود إليَّ)، وعندما تتحقق عودة كهذه، تصبح الحياة بكل ما فيها أجمل، ويصبح المرء أكثر قدرة على الأمل والعطاء، ويعد الضيق تتسع إنسانيته:

حين تمتلئ السماوات بالغمام
أهرع إلى الكون بكل ما لديّ من محبة
قاطعة مرارة الحياة
وفي الوقت الموعود،
أنثر قلبي رذاذاً على وجه الأرض
لتبتهج العيون.

لقد امتلأت الشاعرة بالحياة، وفاضت أنوارها الروحية، حتى إن العزلة صارت مملوءة بالألق:

العزلة التي أرويها بقصائدي عامرة
أراها تنير فضائي
تعلمني الكون كما ينبغي
ها هي بحفيفها تملؤني ألقاً

أما وإن الروح تحررت، وحلقت، وعرفت معنى التحليق فإن القمة هي المأوى، والحرية المطلقة هي المكافأة:

عند َ أعلى قمم الكون
أقفُ
أدخل التوق المستثار
وأغني:
لا يمكن لروحي أن تكون ملكا لأحدد.

بن العربي غرابي - القدس العربي - أكتوبر 8 2013

‘دون أن أرتوي’ لخلود المعلا: شعرية البقاء والتجاوز

عن دار الصدى صدرت مختارات للشاعرة الإماراتية خلود المعلا بعنوان مثير ‘دون أن أرتوي’ ليتضمن شذرات من أهم ما كتبته الشاعرة في أربعة...

عودة >>

بن العربي غرابي - القدس العربي - أكتوبر 8 2013

‘دون أن أرتوي’ لخلود المعلا: شعرية البقاء والتجاوز

عن دار الصدى صدرت مختارات للشاعرة الإماراتية خلود المعلا بعنوان مثير ‘دون أن أرتوي’ ليتضمن شذرات من أهم ما كتبته الشاعرة في أربعة دواوين سابقة (ربما هنا هاء الغائب وحدك هنا ضيعت الزمن). وإذا كان الشعر افتتانا بالكلمة وغواية بسحرها المخاتل والمراوغ، فإن الشعر يكتسب ألقا إضافيا ووساما فنيا وجماليا إضافيا عندما تخطه أنامل أنثوية ب ‘نوتات’ الرقة الزائدة والعاطفة المتضخمة.

الشعر متنفس الشاعر وملاذه، وفي ساحته الفاتنة والمخيفة يطرح تساؤلاته وانشغالاته التي تختلف بالضرورة عن انشغالاتنا وتساؤلاتنا، لأن الشاعر أقدر من غيره على سبر الواقع النفسي الباطن له ولجماعته وأمته والإنسانية بأسرها. وفي تاريخنا العربي عموما ظل الشعر صناعة ذكورية رغم الاعتراف المتكرر بأن المرأة أخصب عاطفة وأثرى من حيث الأحاسيسُ والمشاعر والانفعالات، وهذا في الحقيقة يثير الكثير من الأسئلة : كيف نفسر هامشية واختناق الإبداع الشعري النسوي في تاريخ أبداعنا الشعري المديد بالقرون؟ هل لخلل بنيوي في التركيبة الذهنية للنساء؟ فهذا لا نسلم به إطلاقا لأنه يتنافي مع أبسط المعلومات في علم النفس والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا…. هل المسؤول عن ذلك الظروف السوسيولوجية التي دفعت بالرجل إلى الواجهة وزجت بالنساء في دوامة الصمت والموت؟. قد يرد علينا في ادعائنا شخص يقول إن أشعار النساء العربيات من الكثرة بحيث أصبحت مبثوثة في كتب التراث والكثير من الأبحاث الحديثة، ولكننا نعتقد أن إبداع المرأة العربية لم يكن يملك معشار التأثير الذي امتلكه الشعر الذكوري. والعجيب أن عرش الشعر النسائي العربي تتربع عليه الشاعرة المخضرمة الخنساء في رثاء أخويها صخر ومعاوية، وذلك لأن المرأة أغزر دموعا وأعمق تنهدا برأينا، بينما خنق التاريخ أصواتا شعرية في غرض الحب كان من الممكن أن تصبح قامات سامقة لو تعهدها النقد وأخذ بأيديها. إن اطلاعا متواضعا على إسهامات المرأة في تاريخنا يقودنا إلى أنها ساهمت في الحروب ورافقت الجيوش أكثر مما كتبت الشعر وأبدعت فيه رغم أن كيان المرأة يصلح للشعر ويتناقض كليا مع المعارك والدماء. أما شهرزاد، تلك الساردة الأسطورية فلعلها الشخصية التي تلخص وظيفة المرأة العربية التي اكتفت بوضع دوني تمارس السرد ليلا لتليين عريكة الرجل وإغماد السيوف ووضع أدوات العمل التي كانت طيلة النهار ممشوقة ومشرعة في قبضة عضلاته المفتولة، ورغم أن دور شهرزاد لايستهان به في ليل السرد فإن مهمتها تنتهي تماما ببزوغ أول خيط من خيوط النهار لتتعطل طاقاتها كليا.

ولو تحدثنا عن المرأة العربية في عصورنا الحديثة لقلنا إنها منعت من الكتابة كفعل واع تمارسه الذات عن قناعة وطواعية وتصميم ذاتي دون إكراهات عصابية، ولم يتخلق ذلك الوعي إلا عندما زحفت رياح الحداثة العالمية بقضها وقضيضها وغثها وسمينها، فأطلت الأصوات المخنوقة من ملاجئها راغبة في التعبير والمشاركة الفكرية، وهذا لا يعني أننا نستهين إطلاقا بالإرادة النسوية التي تجاوزت بوعي أشكال العقبات التي حالت طيلة قرون دون تفتحها وانبجاسها.

هبت رياح النهضة في الربوع المشرقية بداية، فكان لزاما أن تستفيق المرأة وتنتفض باحثة عن وضع أفضل، ثم انتقل التأثير إلى شمال إفريقيا وأخيرا الخليج العربي لتنطلق المشاركة النسوية على قدم وساق في كل المناحي الفكرية كاشفة عن قدرات هائلة حُرمناها بتقزيمها وإبطالها، وكثيرا ما يصلنا من نجد والربوع العربية الحجازية صوت نسوي شعري يبهرنا ويمتعنا، ومن القامات الإبداعية الشاعرة الإماراتية العربية خلود المعلا التي سنحاول في ورقتنا النقدية هاته الكشف عن بعض رهاناتها الإبداعية في مختاراتها الشعرية ‘ دون أن أرتوي’.

1 الانفتاح والرغبة في التواصل: في التفاتة نقدية على قدر من الذكاء والحصافة، كثيرا ما تورد الشاعرة كلمة ‘نافذة أو نوافذ’ (صفحة 14 15 25 39 43 46 77 84 115 135 139 )، والإطلال من النافذة رغبة جامحة في التواصل مع الآخر قد تكون مرفقة بنرجسية تسكن الذات تمنعها من النزول إلى حيث يوجد الآخرون، وقد تكون نتيجةَ قزمية الذات وعجزها عن مشاركة الآخرين الفعلية والأفقية لعملية التواصل وجها لوجه. النافذة ثقب في جدار عال غالبا عن قامات الناس في الأرض تتلصص فيه الذات النظراتِ من علٍ بدوافع متعددة كالخوف والكبرياء والرفضوالشفقة والتشفي، فهل نملك الجرأة على التنبؤ لنقولإن بقدر ما تملك الشاعرة رغبة ملتهبة في التواصل مع الخارج، لا تجد الظروف مهيأة لإنجاحه وإتمامه وعقده؟ توهمنا الشاعرة بالتحايل الفني المشروع أن اعتمادها على النافذة لا ينتقص تماما من وجودها، بل يخلق لها التحرر والتوحد بالكون، تقول في قصيدة ‘حرة تماما’: حرة تماما / أنظر من نافذتي الضيقة / فأرى الكون كاملا / تنجلي أسراره الكبرى / هكذا / حرة تماما / ألون تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج / أتصالح مع اللحظة التي تدخلني لذةَ الأشياء. ص 14.

بل تعتقد أن إطلالها من نافذتها حرس إنسانيها لأنه عصمها من الكما، والكمال موت في عرف الشعراء الدائمي البحث عن التغير:

من نافذتي الضيقة أطل / أنعم في التمدد / وسمائي مبللة بالحياة / أمارس ولعي بقطف ثمار وجودي / عاريةً من إصاباتي القديمة / عارية من الصمت المفرط حولي / حرة تماما / كي لا أكتمل. ص 15

في قصيدة ‘ مسيرتي الجديدة ‘تتعهد بأت تظل نوافذها مشرعة، لأن ذلك يكسِبها القدرة الصوفية على التواصل الدائري والباطني مع الذات أولا:

لن أغلق نوافذي بعد الآن / سأرفع أسدال كعبتي / أمضي قدما / غير آبهة بالنفوس القاحلة / هكذا أكشفني / أتبين ما تبقى من الجسد والذاكرة / أقرأني بصوت عال / أمرن حنجرتي على الصراخ / ليصحو النائمون / سأكون أفضل مما مضى / وما سيمضي. ص 39
لكن نوافذ الشاعرة في قصيدة ‘ لا يسمعني أحد ‘ لا تؤدي وظيفة التواصل التي تنتظرها:

نوافذي تنفتح على أرض تكتظ بالتائهين / كلما هبت نسمة كونية / هربتُ من ظلي / وطرت نحو أولئك المحزونين / لا يسمعني أحد من هؤلاء. ص 47

والحقيقة أن الشاعرة استطاعت بعمق كافٍ ورؤية فنية أن ترتقي بالنافذة من دلالتها المعجمية الاجتماعية المتفق عليها إلى دلالة ذاتية وخاصة بها، أي تحولت النافذة إلى رمز للتواصل له وعليه الكثير مما يمكن أن يقال، تقول في قصيدة ‘في غفلة من الوقت ‘:

النوافذ لا تفتح أبوابها للسجناء / والأسوار تزحف للسماء / كلما سال القلب في بئره. ص115

والرغبة في التواصل تعكس الانفتاح على الآخر والاحتماء من نرجسية الذات وأوهامها الإقصائية، وشاعرتنا تدرك أن الانكفاء على الذات والتقوقع في شرنقتها يجعلها ككتاب منسي مهجور، ولا قيمة للكتاب إلا في مقروئيته، تقول في قصيدة ‘لو أنه :’

لو أنه يفتح فنجاني / ويحدث نجمي / لو يقرأ طالع قلبي / ويدخل مداراتي / سيعرفني / في روح أماس حيرى / أقاليم عامرة بالبوح / دفاتر ما قرئت / ما كتبت / ما فتحت / حكايات من ألف دهر / لو يقرأ آياتي / يكشف أسرارا قدسية / نورا يرتد من لوني / جسدا مفتونا بالفجر / دفئا آخر / وحده لو يجمع أوراقي / تصير الشمس قصيدتنا / وبكائي أغنية / وغمامي أنهارا كبرى / سيحط نجمه فيَّ / سيعرفني / ويفهم كتاب صلاتي / أزليا يبقى / مأخوذا بالسر الأكبر / لو يعرفني. ص 95

2 ـ التجاوز والإصرار على الحياة: لا تستسلم الشاعرة للأقدار تعصف بها كما تشاء، ولا تنهار أمام ضرباتها وغاراتها، بل تتشبه بطائر الفينيق الذي يحترق ولا يموت فينبعث من رماده منتصبا ومنتفضا وصانعا لحياة جديدة. والحقيقة أننا كقراء لا نتساهل أبدا مع المبدع والشاعر خصوصا عندما يستلذ العيش في الكهوف بلغة الشابي العظيم، ونتعاطف مع الشاعر الكبير الذي بقدر ما تحاول الحياة إخضاعه وتكتيف يديه يرفعهما في وجهها محتجا ورافضا ومتمردا. الشاعرة تمتلك إرادة من فولاذ بها تستطيع الصمود والمقاومة والتشبث بحبل الحياة، وبذلك تُقبل على الحياة وتنفتح عليها غير منشغلة بمن رفع الراية البيضاء وانبطح مستسلما وقنع بالجحور والكهوف، تقول في قصيدة ‘مسيرتي الجديدة:’

سأرفع أسدال كعبتي / أمضي قدما / غير آبهة بالنفوس القاحلة / هكذا أكشفني / ….سأختصر العتمة منذ الآن / أتدخل في تحديد مسارات الريح / لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر / أبلغ قمة الجبال النقية / اضيء شمسا في سماء العالم.ص 39

ترفض الشاعرة العدم والتقليد وانتظار الحظ والصدفة وتدعو على العكس من كل ذلك إلى مواجهة الحياة والوقوف بصلابة في وجهها، وذلك يتطلب مجهودا ضخما يتمثل في تحرير الذات من الأصفاد الداخلية وطبقات الجليد التي تكبلها، تقول في قصيدة ‘دون مبالاة’:

لن أتمدد على فراش اللاشيء/ لن أبقى عالقة بما يرتبه الآخرون/ لن أبالي بأطباق يقدمها الحظ/ لن أصدق طالعي أبدا/ سأعتلي اليوم قمة الموجة/ نحو الضفة الحية/ أعبر عواصف ورعودا/ ودون مبالاة/ أكشف وأنكشف/ مرتكبة فعل الولادة من جديد.ص 29

وفيما تسعى الأجواء الخارجية إلى إخضاع الشاعرة وإفراغها من كينونتها وإرادتها ترفع التحدي شعارا، تقول في قصيدة:’

لن يهزمني فعل السنين أبدا/ أنا من يقرر النهاية/ وحين أختم سيرتي/ سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ محدثة رذاذا مضيئا/ ربيعا آخر/ في مكان آخر.ص67.

وتشق الشاعرة لنفسها اختيارا جديدا وتصنع سلاحا ناجعا تتصدى به لاكفهرار الواقع من حولها، إنه سلاح التصالح مع الألم قصد تدجينه واكتساب مودته، تقول في قصيدة ‘وهم النجاة’:
أحاول أن أفهم الألم/ لأفك رموزه داخلي/ أستريح/ أحاول أن أمرن حواسي على الانطفاء/ لأتمكن من قراءة الصحف اليومية/ وأن أتعلم مبادئ البلادة/ لأمارس تمارينها برشاقة بعد كل فنجان قهوة صباحي/ احاول أن أختبئ داخلي بانفتاح/ لأنجو من الولوج في متاهة هذا العالم/ أحاول أن أترك رأسي يرتاح بين كفي/ مستندا على صمت العدم الرتيب/ لتهدأ صفاراتي الدماغية/ واغفو على حلم/ بلا أمل في الصحو. ص63

3 ـ الخوف ورِعدة الوساوس: إننا لا نشحذ عزائمنا إلا لنتجاوز هزائمنا ولا نعتصم بالآمال إلا لنتدارك الآلام، وهذا واجبنا كسلالة منذورة لتعي واقعها ومهووسة دائما بتغيير الواقع نحو الأسمى والأفضل والأسعد. تعترف الشاعرة بعلاقتها المتوترة مع الآخرين، وهذا بالطبع ينعكس سلبا على الذات لإتصاب بلوثة الاغتراب، لذلك تغوص في أعماقها لتكتشف نفسها من جديد كقارّة عزلاء منسية بلغة درويش العظيم، تقول في قصيدة ‘صارت نهرا’:

من أعرفهم يجهلونني/ لا أحد يدخل تفاصيلي/ أتوه كثيرا/ أضيع الملامح/ فمن يدلني علي/ لألقاني/ وأستعيد صباي. ص93

والحقيقة أن الخوف ملازم للإنسان كالظل ولم ينج منه منذ أن كان عالة على الطبيعة إلى أن صار اليوم سيدها والمتحكم في أسرارها، والخوف ليس شعورا باتولوجيا ما دامت أسبابه موجودة، تقول في قصيدة ‘حين أقرر النهاية’:

السنون تتأملني/ بلطف تتحسس فعلها فيَّ/ تصر على إصابتي بالذبول. ص67.

ونتفق تماما مع الشاعرة في اعتبار الزمن البعبع الذي يخيف الإنسان وينغص عليه حياته لأنه يمتلك فاعلية التدمير والفناء ، فبقدر ما نبتسم للزمن أحيانا عندما يلقي إلينا بعظم نتعرقه، فإنه يكيد إلينا باستمرار ليوقعنا في دوامة الضياع والنهاية. تقول الشاعرة في قصيدة ‘وجع مستديم’:

كلما سقطت دمعة في الذاكرة/ توجع القلب/ توجسا/ مما سيسقط غدا.ص19

4 ـ الدرس الأخلاقي: نرفض تماما أن يتحول الشعر على منبر لتلقين الدروس الأخلاقية والوعظية، لأننا نخون أمانة الشعر المتمثلة في إثارة الأسئلة وإثارة الجمال من ركامات القبح والفساد وليس توجيه رسائل القيم المعلبة إلى القارئ، لأن القارئ لا يلجأ إلى الشعر عندما يشعر بفراغ روحي أو تشويش في المعتقد والإيديولوجيا.وجدنا الشاعرة في مواطن كثيرة تشير إلى أهميةالمحبة ودورها في تحقيق شرط السعادة. تقول في قصيدة ‘ نكهة خاصة بنا’ بنكهة نثرية:

هناك أشياء في الوجود غير قابلة للشفاء/ لا شيء إلا لأننا/ نخبئ عقاقير المحبة عن بعضنا/ وندعي الانكشاف. ص57

وبنفس المنظور تقول عن الصدق في قصيدة ‘أرق:’

تيقنت أن الصدق وريد المحبة/ وأن بمن هم مثلي/ يتحقق الكمال. ص69

ورغم أن الشاعرة تغلف محبتها بغطاء صوفي فإنها تفشل في جعل المحبة موضوعا شعريا وسؤالا فنيا.تقول في قصيدة ‘مدفوعة بمحبتي:’

للنفس حوائجها/ قرآن الليل جناحي/ لاصله عامرة وسرمدية/ أبواب جنتي هو حارسها/ والبحر بين يديه نهر/ في الليل ياخذني الشعر إليه/ فأنشغل/ ويشفني الوجد/ …..حاملة عشقي للبلاد/ فينبثق النور.ص90

وأخيرا نقول إجمالا إن الشاعرة تملك الكثير من القدرة على اللعب الشعري لصنع كون شعري ينمو في تربة المغايرة والاختلاف والفرادة، ولا نسجل على الشاعرة سوى اتخاذ الشعر قناة للتوصيل الأخلاقي والدعاية له، ولكننا نختم ورقتنا بقول المتنبي العظيم:
لئن يكن الفعل الذي ساء واحدا **** فأفعاله اللائي سررن ألوف.

بليغ حمدي إسماعيل – مجلة الكلمة - 16-5-2012

الجسد أيضاً يثور .. عيون غائرة تأبى الارتواء

هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة

عودة >>

بليغ حمدي إسماعيل – مجلة الكلمة - 16-5-2012

الجسد أيضاً يثور .. عيون غائرة تأبى الارتواء

هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة، أو ما يعرف بالحداثة، وهذه الحداثة هي التي قامت بفصل عالم النص الشعري عن مرجعية عالم الواقع الفيزيقي والاجتماعي المحيط، بحيث إننا لا نستطيع أن ندعي بأن الشاعر يريد كذا أو يقصد كذا، كما أن النقد المعاصر دائماً ما يؤكد أن شعراء الحداثة الشعرية بعيدون كمال البعد فيما يسطرونه من كلمات عن صور وتشكيلات الواقع الفعلي.

من ناحية أخرى فإن شعراء الحداثة الشعرية يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين "عالم النص" و "عالم الواقع" كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لشعر الحداثة، فإن خلود المعلا في ديوانها "دون أن أرتوي" الصادر عن سلسلة كتاب مجلة دبي الثقافية العدد السادس والخمسين تحاول جاهدة قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها .
والديوان في مجمله حالة استثنائية رغم إعلان صاحبته أنها شاعرة غير استثنائية، وهذه الاستثنائية تبدو من خلال تعدد الأصوات والحالات في قصائد الديوان، وهو ما نحاول الكشف عنه بإيجاز لضيق المساحة والمقام دون رصد العلاقة بين الشاعرة والنص، إنما الإشارة السريعة إلى العلاقة بين النص ذاته وبين مجتمعه .

فالنص نفسه "دون أن أرتوي" يتداخل فيه صوتان رئيسان هما صوت الحضور الجسدي، وصوت الحضور الأنثوي البارز في قصائد الديوان، وهذان الصوتان يقيمان علاقة فريدة ومميزة؛ وهي علاقة التوازي والتحاور في آن واحد، مثلهما مثل الجوقة والممثلين في عالم النص الشعري المسرحي اليوناني، حيث تصف الجوقة ما لا يمكن إظهاره بالأداء التمثيلي. وما ينبغي أن نلفت إليه النظر هو أن الحضور الجسدي في النص وظف في أكثر من وظيفة ووضع في أكثر من موضع، لأنه باختصار ـ الحضور الجسدي ـ قام بأكثر من دور وكل دور تضمن دلالة متعددة، اختلفت عن سابقتها في شعر الحداثة النسائي الذي كان يصر على جعل الحضور الجسدي للمرأة ظلاً غير واضح المعالم والتشكيل.

لكن الحضور الجسدي عند خلود المعلا في ديوانها "دون أن أرتوي" يتجلى لغوياً، وهي في ذلك تسعى خلود المعلا إلى تكريس وتحقيق رؤيتها للعالم والمجتمع، وهذا الحضور يمكن رصده من خلال الإشارات الشعرية التالية:

(أنعم في التمدد / عارية من إصاباتي القديمة / أحرك جسداً في الخفاء / فأجدني خارج المكان / توجع القلب / لأنام طويلاً /أستلقي وحيدة / وهذا الجسد ما زال بارداً / لن أتمدد على فراش / أتكور في سريري / أنكمش في قميصي الليلي / أمرن حنجرتي على الصراخ / يصير الجسد نجمة/ يليق بجسدي أن ينام مستسلماً لخواء الحواس) .

وفكرة الإمساك بشبكة من الكلمات المرتبطة بفعل الجسد وحركته تعتبر نقطة انطلاق لدلالة النص الشعري عند خلود المعلا، فدائما تظهر حركة الجسد الذي يأبى السكون، لذا فنجد صوت الفعل المضارع بازغاً وواضحاً عندما يقترن بالجسد، بالإضافة إلى أن حضور الفعل المضارع المقترن بحركة الجسد تغلب عليه صيغة المتكلم وهو الملمح الذي غلب على سياق النص اللغوي في نصفه الأول :

(أغمض/ أتكور/ أنكمش/ أنهض/ أخرج/ أتوسد/ أنكشف/ أتفتح/ أغسل/ أنام/ أنتشي/ أتلعثم/ أركض/ أتزين/ أنهض) . إذا يمكننا رصد حالة الجسد في نص خلود المعلا الشعري بأنه يثور دائماً وأنه رفيق اللحظة الآنية لواقعه الحالي لا يجتر ذكريات فائته إلا ليؤكد حالات شديدة الحضور الوقتي وهذه الثنائية لا تمثل ضدية أو نوعاً من التعارض، وهذه الثنائية تمثلها قصيدة " أرق ":

( وحين أدركت المعنى تحررت
مارست طقوسي بانعتاق
انطلقت نحو ذاكرتي
بذراعين مفتوحتين
تيقنت أن الصدق وريد المحبة
وأن بمن هم مثلي
يتحقق الكمال) .

وكما كان للفعل الماضي حضور، فإن له حضور مماثل لحضور الحدث المضارع الذي يشكل فعل الحركة والاستمرار دون تعقيد أو تركيب لغوي يثير الغموض كما في باقي شعر الحداثة، وهذان الحضوران يتطلبان متابعة مستمرة لإدراك فعل الجسد الذي يمكن القارئ من فهم وتأويل النص الشعري :

(حاولت أن أحمي مخيلتي
فتحت النوافذ
الكون بدا محيطاً من أرق
ودون أن أنتبه
بدأت أنبش تفاصيلي بحدة
أرسم أسئلة على شكل بيوت).

وهي بذلك تحاول أن تكسر الصورة الصريحة الكلاسيكية في استخدام الفعل الماضي المرتبط بالجسد والذي يشير إلى حالة ومقام السكون، وذلك عن طريق تزاوج الكلمة الماضية بمفردة مستمرة نشطة: (حاولت أحمي/ بدأت أنبش/ أرسم) .

ومثلما كان صوت الحضور الجسدي، وحضور التزاوج بين استخدام الفعل في صيغتيه الماضي والحاضر أكثر تميزاً ووضوحاً في نص الشاعرة خلود المعلا، فإن الصوت الأنثوي أو ما يعرف بالحضور الأنثوي كان على مقربة من هذا الحضور السابق، فالنص لا يقدم شخصاً غائباً نتلمس أصداءه من مفردات ذات خصوصية، تتصف بالسرد الرتيب والذي يقمع بدوره كل محاولة لظهور الذات أو إحدى صوره .

ولكن يبدو الحضور الأنثوي في النص واضحاً ومجسداً لمراحل التطور السردي غير الرتيب والذي أصبح ـ السرد ـ ملمحاً رئيساً لقصيدة النثر المعاصرة، وعادة ما تحاول الشاعرة ـ أية شاعرة ـ أن تعيد صياغة الشكل الهرمي لعلاقة المرأة بمجتمعها وغالباً ما تكون صورة هذه العلاقة مستترة غير واضحة مستخدمة فيها لسان امرأة أخرى غير لسان الشاعرة نفسها، بل لعل النصوص الشعرية النسائية المعاصرة تتستر خلف أقنعة وهي تحارب المد الذكوري في المجتمع، أما النص الشعري عند خلود المعلا فهو ليس في حرب شرسة مع هذه الذكورية الطاغية والتي تمارس قمعاً ثقافياً داخل النص، ويبرهن على ذلك حرص الشاعرة على وجود صيغة المتكلم بشكل صريح، مع قوة الكلمات التي تفيد محو التبعية وحالة القمعية تلك :

(هكذا حرة تماما/ أجتاز الحدود التي يرتبها الآخرون/ أتحرر من محارتي/ سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ أحب الأشياء التي أبتدع أسماءها لأنها تشبهني) . وهذا الحضور أيضاً يظهر في اختيارعناوين القصائد نفسها والتي تؤكد تحقق الذات الأنثوية بلا منازع أي بلا غياب لتلك الذات فنجد قصائد تحمل أسماء مثل : (حرة تماما/ مسيرتي الجديدة/ محبتي دائمة/ هزيمة تليق بقلبي/ لا يسمعني أحد/ البيت كما عهدناه/ وهكذا افترقنا/ كل عام وأنا/ حين أقرر النهاية/ هكذا أحيا أسطورتي/ لأنني/ مدفوعة بمحبتي) .

بقي إلى أن نشير إلى الملمح الرئيس في نص الشاعرة خلود المعلا والذي أسهب بعض النقاد في التنويه عنه وربما محاولين رصد هذا الملمح الذي نقصده بالمعجم الصوفي، وليست الحالة أو المقام . فالنص الشعري يؤكد بطول قصائده المتعددة على استنطاق المفردات اللغوية التي عادة لا تخرج عن المعجم الصوفي، وهي في استخدامها لهذه المفردات ربما تحاول أن تنأى قليلاً عن المشهد الاجتماعي الذي يبدو واضحا من أول قصائد الديوان وأن الشاعرة ليست بمنأى عن واقعها ومجتمعها ولا ترتدي أقنعة وهمية تواجه به مجتمعها .

ولأن خلود المعلا تملك حضوراً ذاتياً سواء على مستوى الاستخدام الجسدي للمفردات، أو من حيث حضورها الأنثوي والأفعال التي ترصد حركتها فهي تجنح إلى عالم متصوف يسمح من جديد بإعادة ظهورها بغير تستر أو غياب، فنجد ألفاظ وعبارات شعرية تعود إلى معجمها الصوفي مثل : (والزمن سرقك من غرفتي/ تطفو الروح/ سأرفع أسدال كعبتي/ هكذا أكشفني/ وهذا الفجر فاتحة أمري/ أجمع فضائل الوجود/ حاملة مشكاة فيها نوايا سماوية/ أصعد إلى السماء أتباهى في صعودي/ إنه العدم السرمدي) .

وهذا ونستطيع أن نجمل قراءتنا غير الاستثنائية لشاعرة تبدو بنصها الشعري استثنائية أنها مهتمة جد الاهتمام بصورة المرأة والإعلان عن بوحها الصامت منذ سنوات ضاربة في الأزل، وهي تدعي عبر الديوان القيام بدور البطولة متجنبة القمع الذكوري الذي يبدو باهتاً لا نلتمسه إلا في لحيظات شعرية بسيطة وسريعة، وكأن الشاعرة أرادت أن تهرب بعيداً عن سجن القصيدة النسائية المعاصرة والتي تجعل استهداف القصيدة موجهاً نحو الرجل الذي يقاصمها المجتمع بل يقتنص الجزء الأكبر منه، كما أن النص الشعري عند خلود المعلا يدعو القارئ دائما لكي يكون واعياً بقيمة الوعي تجاه المفردات التي تشكله ـ النص ـ وأن استخدامها يقيم علاقة متقاربة بين الشاعر والمجتمع بخلاف النصوص المعاصرة التي تفصل عالم النص عن عالم الواقع .

شمس الدين العوني – جريدة الصحافة التونسية 12 فبراير2012

دون ان ارتوي» قصائد مختارة للشاعرة الإماراتية خلود المعلا

ما القصائد ؟... ما اللغة؟ ... ما الشعر اصلا ؟ اسئلة محيرة تبتكر حيرتها من جنسها باعتبار المساحات الممنوحة لمداراتها المرعبة والمربكة والمأخوذة بتلوينات الخيال والدهشة والذهول.

عودة >>

شمس الدين العوني – جريدة الصحافة التونسية 12 فبراير2012

دون ان ارتوي» قصائد مختارة للشاعرة الإماراتية خلود المعلا

ما القصائد ؟... ما اللغة؟ ... ما الشعر اصلا ؟ اسئلة  محيرة تبتكر حيرتها من جنسها باعتبار المساحات الممنوحة لمداراتها المرعبة والمربكة والمأخوذة بتلوينات الخيال والدهشة والذهول.
 لذلك يقف  الشاعر تحديدا مأخوذا بالاحوال لا يقنع بغيرها في ضرب من التأمل والوجد  والصمت المفجر للمعاني..

إنها المتاهة المحفوفة بالجمال... بالمعرفة وبالفداحة الكامنة خلف المغامرة مغامرة  الكتابة بما هي حرفة... وحرقة... والشعر  هنا فصاحة  القلب وفق سياق مفتوح على الكينونة لتظل الطفولة عنوانا باذخا من عناوين الشاعر الذي يرى بعين القلب ما لا يراه بعين الوجه ... القصيدة إذن وبهذه الأفكار الآسرة  تلمس للأشياء وتقصد للألفة تجاه العناصر والتفاصيل وأبعد من ذلك هي لعبة الكشف باللغة وفي اللغة في جوهرها وعنوانها...  لأجل الصفاء  النادر هذا الذي تنجم عنه حالات الذوبان والتداخل بين الذات الشاعرة...  والآخر...

الآخر ونغني به مثلا تيجان المعاني والحروف ودهشة الأمكنة والأزمنة...  ومتعة هذا الإدراك لحظة  الكتابة...

 الكتابة  وعي استثنائي ... والشعر هو أقصى درجات  هذه الكتابة وهذا الوعي. وتأخذنا مفردة أقصى إلى ما يعني القلق... إنه القلق القديم... قلق المتنبي وقلق شاعر  الآن والهنا..

 إنه القلق  الجميل المؤسس بما به تستقي العناصر والتفاصيل في تناسقها وفي فوضاها وفي ما يجترح منها من اللغات  والمعاني...  
هكذا يأخذنا الشعر إلى دروب  شتى ومنعطفات فادحة لا نلوي معها على غير القول بالمتعة في عنفوان تجلياتها الجمالية  والتعبيرية بما يعزز  من روح التكثيف  تجاه الشجن  الإنساني الأخاذ الذي معه وضمنه تفتح  الكينونة  تفاعلاتها مع الذات والآخر في ضروب من أسئلة الوجد والفلسفة  والذوبان والحلول والحس...

 من هنا  وبهذه  العطور التي يمنحها الشعر  كجوهر من جواهر هذا الوجود يمكننا الولوج  إلى عوالم شاعرة عربية أخذت القصيدة  محمل جد وعنوان فجيعة في هذا الزمن لتمضي برقة النظر وحساسية التعاطي  وصدق المشاعر وفوضى الفلسفة ولذة الوجد الصوفي إلى جوهر الشعر باعتباره كتابة مخصوصة تأخذ صاحبها  إلى الخسارات النادرة في شيء  من الزهد حيث يرى الشاعر ما يحدث بشكل مغاير.
الشاعرة الإماراتية خلود المعلا تخيرت هذا النهج الشعري الذي يقول بالمغامرة بعيدا عن الطرق المعبّدة والسهل والمألوف وفق رؤية واعية بحركة الشعر العربي والعالمي في خضم  اسئلة جمة منها بالأساس  سؤال  الحداثة الشعرية حيث القصيدة تكتب لحظتها بوعيها الفارق والمؤسس لنهج مفتوح على الاجناس والتعبيرات والمعارف.

 فبعد دواوينها الشعرية «هنا ضيعت الزمن» 1997 و«وحدك» و«هاء الغائب»2003 و«ربما هنا» 2008 صدرت لها قصائد مختارة بعنوان«دون أن أرتوي»  وذلك ضمن كتاب دبي الثقافي لعدد شهر ديسمبر 2011.
 هذه القصائد سافرت بنا الى  حد بعيد ضمن هذه التجربة الشعرية لشاعرة  تتقن فن الكتابة الشعرية الحديثة حيث القصيدة تلوين مغاير للتفاصيل لأجل اللحظة  التي تمنح الكائن لذّة الاشياء.
نقرأ في قصيدة «حرة تماما» بالصفحة 14 ما يلي:

«أمارس شغفي بعرض السماء
هكذا                  
حرّة تماما
أنظر من نافذتي الضيقة
فأرى الكون كاملا
تنجلي أسراره الكبرى
هكذا
حرّة تماما
ألوّن تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج
أتصالح مع اللحظة التي تدخلني لذّة الأشياء...»

القصائد يغلب عليها الحلم والحلم من شيم الشعراء ذلك أنّ خلود المعلاّ جعلت من الشعر بوابة للقول بالحلم ومشتقاته.. أليس الشعر بالنهاية ضرب من الحلم الباذخ في كون تعصف به الأحداث والتداعيات؟.
لقد اختارت الشاعرة عوالم الحلم تقصدا للقيمة والصعود نحو الأعالي وتأصيلا للذات والكيان ومن هنا يكون للشعر شيء من الجدوى في ترميم ما تداعى من عطب  في الوجود وفي إعادة التشكيل للعناصر والتفاصيل وهذا جوهر الشعر وجدواه في عالم معطوب...
تقول الشاعرة خلود المعلاّ في قصيدة «لا جدوى» بالصفحة 51:

«بقلبي أشكل الوجود
أرسم مسارات الغيم..
لتتحول بين كفي أنهارا أعرف مصابها
أدنو من البحر
....
ها أنا
أغمض عيني
أرسم حلما
أختار بلادا
أتذكر وجوه الذين تخلوّا عن الحياة بعزيمة
أراهم صاعدين
نحو قمم لا نعرفها
ليست لسواهم...»


إنّ تجربة الشاعرة خلود المعلاّ فيها الكثير من الوفاء للكتابة بعيدا عن الافتعال وأوهام الصراخ ... فقصيدتها حيّز من التلوين المحفوف بالكينونة والذات حيث يبدأ العالم من هناك.. ولعل هذا الحشد من الأفعال بصيغة المضارع بضمير المتكلم يشي بالرغبة في الفعل بقصد تحريك الاشياء وإبراز الأنا الطافحة بأمل التغيير والحلم والفعل تجاه ما هو رمزي وجمالي وفي شتى المعاني وصولا الى الواقع.. هذا الواقع الذي صار أكثر سريالية في تداعياته المختلفة.
تقول الشاعرة خلود المعلا في قصيدة هكذا أحيا ..... بالصفحة 70:

«أسكن القلوب التي تدخلها الشمس من سقفها
لأرى القلوب من مركزها
...
أحب الأشياء التي أبتدع اسماءها لأنها تشبهني
أتوق الى الروح التي تضيء العتمة لتصل اليّ
وأرى
في الوجود أشياء أفضل
حان لي أن أسعى اليها
أتحوّل إلى حقول محبة في مواجهة العالم،
كلما أزلت العدم من حولي
وملأت حواءه بالصدق والأصدقاء..»

هذه قصائد تستنطق الذات بحثا عن اللغة الصافية في ضرب من الشجن الخالص والبساطة المبكرة المحفوفة بكبرياء الشعر ومعانيه الفاتنة، كل ذلك يحدث بوعي فني وفق لغة مكثفة وصور محببة إلى النفس.. إنه شعر يخاطب الوجدان والذات رغم ثقله الإنساني من حيث الهموم والمعاناة.. إنه الشعر في دلالته العميقة باعتباره الترجمان الشفاف بذكاء لكونه الدافع إلى الإبداع والابتكار والنظر المخصوص للذات وللآخرين.. والحلم عنوان باذخ من عناوين هذه الرحلة في الحياة وفي الشعر... وما الفاصل بين الحياة والشعر!!.
بوسعنا أن نقول أن قصائد خلود هي رحلة ساحرة لأجل الاقامة في الحلم وأيّة اقامة تلك...
في قصيدة «صعود» بالصفحة 133 نقرأ ما يلي:

«للقمر
أقفز فوق الصمت
أصعد الظلمة المسكونة بالنجم
عند باب الوصل أجد القمر غفا
فأبقى هناك
معلقة في الحلم..»

عن هذه التجربة يقول الكاتب سيف المرّي: «خلود المعلا شاعرة استثنائية بحق، تعيش قلق الشاعرة والرغبة الملحة عندها في الإنعتاق والتوحد مع الذات والطيران حتى ولو بنجاح واحد..».
وفي جانب آخر يقول عنها الأستاذ نواف يوسف: «لقد دأبت خلود المعلا على كسر رتابة الشعرية المتفشية من خلال بديع متخيل على حافة الواقع بحس ومناخ صوفي».
إننا إذن ازاء تجربة شعرية مفتوحة على مزيد الإبداع والمغامرة في أرض القصائد التي لا تعرف السكون والاطمئنان حيث الشعر عمل دؤوب في المتخيل والمبتكر وقد راهنت الشاعرة خلود المعلا ضمن هذا النهج الشعري الصعب والجميل لأجل قصيدة باذخة وانيقة وصادقة...

محمد علي احمد عواجة – عضو إتحاد كتاب مصر 2012

تيار الوعي ومساحات الصمت: قراءة في ديوان (دون ان ارتوي) للشاعرة خلود المعلا

الشاعر المتحقق يعيد تشكيل الحياة فى شعره وفق رؤاه المتفردة ، إذ يستبطن ذاته ليخرج شلال مخزونه الباطنى متدفقا ، يرسم عالمه الشعرى فى تداع حر بلا رقيب ولا قيود...

عودة >>

محمد علي احمد عواجة – عضو إتحاد كتاب مصر 2012

تيار الوعي ومساحات الصمت: قراءة في ديوان (دون ان ارتوي) للشاعرة خلود المعلا

الشاعر المتحقق يعيد تشكيل الحياة فى شعره وفق رؤاه المتفردة ، إذ يستبطن ذاته ليخرج شلال مخزونه الباطنى متدفقا ، يرسم عالمه الشعرى فى تداع حر بلا رقيب ولا قيود ، ليستشفى بالشعر من هموم الوجود ،وأدران العلاقات الآسنة البالية ؛ ليصنع علاقات جديدة من خلال قصائده .. علاقات دواخله المحلقة فى ملكوت متسع لا يحد براحه إلا برقابة ذاته لذاته ، وقيده ومعتقده ، وآصرة انتمائه الإنسانى .
وهذا التداعى الشعرى الحر . لون من الإبداع المنتمى لتيار الوعى ؛ الذى تأصلت جذوره فى الأدب الغربى وانتقلت جيناته بالإحتكاك إلى أدبنا العربى ، فتجذرت أمشاجه فى القصة والرواية والشعر عند بعض أدباءنا الذين تشربوا الإبداع الغربى والشرقى معا ، فتخلقت لديهم نزعة المغايرة وإعادة تنشيط العمل الإبداعى بأشكال أدبية تغاير ما درج عليه الوجدان الشرقى وتعيد رسم خارطة الوعى برحابة إنسانية أكثر إستيعابا وإقترابا من دخائل النفس ومخزون ( لاوعيها) المتأصل فى صميم بنيتها الإنسانية .

لقد طالعتنا ( دبى الثقافية ) فى ديسمبر 2011 بديوان متميز للشاعرة خلود المعلا تحت عنوان ( دون أن أرتوى ) وهو ديوان يترك فى نفس قارئه قدرا من الشغف للغوص فى براحة الحياة بتداخلاتها المعقدة , ويترك له سعه غير محدودة من حرية التحليق والتصور , و إعادة تشكيل الرؤى الشعرية وفق مفاهيم لم يألفها دعاة النزعات التقليدية فى الشعر العربى لأن مساحات الصمت المعبر فى شعرها أكبر من اجتراءات الحرف على البوح وملء الفراغات بين احتشاد المشاعر وكثافة الصور , وكأن القارىء يمر على نصال تغوص فى أحشاء ذاكرته لتستخرج من ثقافته الجمعية ركاما من الأساطير والحكايا والتجاوز الصوفى محدود المادة وتعرى نفحة القهر الذكورى للأنثى , واحتباس مشاعرها بين قهر العادة وسياج الحياء , وترددات النفس فى نفس حاصرتها هموم الإتعتاق والتوحد بالطهر والأمنيات فتقول :

ألملم آخر البكاء
أرتدى الفجر
كى لا يتلون الحلم بالعتمة
النوافذ لا تفتح أبوابها للسجناء
والأسوار تزحف للسماء
كلما سال القلب فى بئره
للفعل الماضى فىِّ وجه وحكايا
للروح أبواب موصدة
تحمل ألف مفتاح للصمت

إنها قفزات حالة فوق حقول من الألغام والأشواك زرعتها عادات مجتمع إنسانى لم يتجاوز طفولة التعلق بعبودية الرغبات للأنفس إلى قفزة الأرواح فى سياحة كونية خارج المادة وأسر العادة والمألوف لعقول كادت تتجمد بين منظومة الحاجات والويائل .

إن المسكوت عنه فى عالمها الشعرى أكثر مئات المرات من المصرح به ، إذ تشكل مساحات الصمت فيه قدرا يشتمل على كم الرؤى التى تثار حوله من قارئيه ، وتصبح منظومة محاولات فهذه جزءا من عطاياه الابداعية ، فهو يثير فينا جملة من الصراعات النفسية المتعددة وتتساوق معه وبسببه رؤى إجتماعية وفلسفية وأيدلوجية تتناسب مع اتجاهات كل قارىء ولهذا النص الشعرى . وكأن النص يترك لقارئه إكمال جوانب الصمت فيه بقدر تصوره للحالة الشعورية وإعادة إنتاج جوانبها من جديد.

ومن أهم معالم شعرها تلاشى حدود الزمان والمكان فيه . فالماضى يطفو على سطح الذاكرة ..والأتى يجسده الخيال ، فيمثل بين يدى القلب واللحظة الأنية هى سيدة الموقف . وجامعه الماضى والحاضر والأتى فى حضرة الذات ، وأنس الخاطرة الشعرية ، والمكان يتسع مداه بحجم الكون وحجم الذاكرة الفردية والجمعية وإنفتاح أفق القصائد على تداخل عناصر الوجود ووحداته وتجاوز المادى وإلتصاقه بالروحى فى توحد وصراع ، إذ يلوح على مساحة القصيدة الواحدة كثير من الوحدات الداة المبعثرة كبعثرتها على آفاق الواقع .. ففى قصيدة ( القلب يهجر ) تقول

إلى مرافئه العتيقة يهجرنى القلب
هناك
تلوذ الروح بسرها من يرجع لى ليلتى
ويأخذ الحنين إلى مبتغاه
الشمس تعيد المنافى
ويأتى الصباح بالغياب
فى هجرة القلب
يعاودنى الوهم بلا نوافذ
تنقلب صباحات أخر
أتوه فى المسافة
فتلقانى قصيدة

هنا المرفأ , أو مرافىء يسترخى عندها والروح تسكن إلى سرها المستحيل , والنفس بين حنينها المنطفىء فى ليلة ماضية ، وحنينها الطالع الذى يريد الارتواء , والشمس تبعثر الناس إلى تحقيق غايات العمل , فتنقطع حبائل التآلف بالرغبة المتجددة , وفى زحمة التيه الحياتى اليومى المتوالى تتوالد القصائد بحجم التأجج والإنطفاء فى النوازع ، وبحجم تبدل حالات الأنفس المتقلبة بين المشاعر والهواجس والأحلام والحقائق .. حيث تتداخل حالات الحضور والغياب للأشياء والأوضاع كما تتداخل على تقلبات الرؤى بين الصباحات والمساءات . إنها دورة الكون فى الميلاد والفناء.

إن حالة الإنعتاق من قيود الترابط الفكرى والشعورى والإكتفاء بتلقى الفيض الشعرى ، والنزوع إلى تجريد آليات حدوث الأفعال الكونية والإنسانية , وتعميم النتائج كأمور مكررة الحدوث وتوالى رغبة وتنشيط الفق . كل هذا يعيد تشكيل الوعى الشعورى بمنطق جديد . يعتمد على محور الروابط القديمة أو الحفاظ على بقاء إختلافها وتجاوزها مع حالات الإفضاء المباح بلا قيود، إذ الفن يتراكم ويبقى , ولا ينفى بعضه بعضا.
أما العامل الأبرز فى حالة فى لإستمرار حالة الظمأ النفسى والإجتماعى ,,وعدم الإرتواء فهو يكمن فى سطوة الحياة المعاصرة بضغوطاتها التى حولت البشر إلى ترس فى ألة دون تمييز بين طاقات الرجل وحاجاته . وطاقات المرأة وحاجاتها , ومدى ملائمة الأعمال لكل منهما ,,, مع تمايز الوظائف الحياتية , وتباين البنية الجسدية والنفسية للذكر والأنثى . وصار البديل للفهم المتبادل بينهما صراعا لإثبات الذات . وسطوة عاطفة جديدة تمثل ضغطا عصبيا على المرأة , وتحل محل السطوة العشائرية القديمة ، وكأن الوأد الأزلى مكتوب على الأنثى فى حقوقها وحركة حياتها , إذ ضربت مادية الحياة سياجا حول العواطف النبيلة ، وأحكمت قبضتها على الأرواح والمصائر , هكذا تبدل الأنثى العربية ثوب وأدها القديم بأخر عصرى كما ترى فى قصيدتها التى تحت عنوان ( وأد) حيث تقول :

من يحملنى الليلة إلى الأرض الرابعة
ويقرأ النهاية
إمرأة وَأَدت سِرًّا
واستراحت
وردة تلبس الوقت
تتلون بالبرق
تطلق الضفائر للظل
وترفع راية العشيرة
لم يبق من الأنوثة سوى نونها
وللنون نقطة قديمة
منها يبدأ القاع
وينطفىء قلب
معها
تظهر وجوه خمسة
لها صفة الريح والبكاء
وميم الموت


انها عقدة دونية الأنثى فى التاريخ القديم ، وظاهرتى الوأد والرق فى الماضى . تمثلان كبوة جمعية إنسانية , ستظل جاثمة على قلب كل أنثى تعى قدرها الإنسانى , وتحترم الكائن البشرى أيا كان , وتفضله على سائر المخلوقات , وليس معنى هذا أن الرغبة الأنثوية تجنح إلى التحرر المطلق بلا وعى ، أو إدراك لقيمة القيم والفضائل , إنما هى تفتح إحدى عينيها على الرغبة فى الإنعتاق من التسلط الأعمى مهما كانت أطرافه ..وتفتح عينيها على الموروث الأخلاقى والدينى فى الطهر والعفاف والسمو السلوكى , وتعبر عن منظومة القيم العليا فى قصيدة ( مريم ) حيث تقول :

من كفك ولد المطر
لحظة الدفء عانقتنى
واندست خلف أصابعك حكايا الأمومة والحب
وولادة المسيح
احتَضنْتِنى
لم أعرف أن للدنيا أبواب مريم
أو وجها كوجه مريم
لم أسمع بكفّ يلتقط النجم
يمسح الوجع عن العالمين
وقلبا يشعل الوقت
يروى الروح

لكن العطب العضوى والنفسى يطارد الكائن المنوط به مسؤلية الاعمار والإصلاح الكونى والمثال الذى يتطلع إليه لا يتحقق , لأن الواقع الحياتى صراع وجبروت وتفاوت طبقى فى الإمكانات المادية والعاطفية ، واللوحة الإنسانية المثلى لا تقبع إلا فى خيال الشعراء , وربما لا يجدها الشعراء فى مخيلاتهم ، لأنها دائما لا تكتمل .. تقول ص 137

اللوحة لم تكتمل
الدموع ساكنة
والضجيج فى غفوة
والوسائد مسترخية بغباء
وأنا مازلت حبيسة اللوحة
حيث صفير العاصفة الورقية

إن السعى إلى إكتمال ..واشباع النهم الغريزى نحو المعرفة واللذة وإثبات الذات الإنسانية لأحقيتها فى التكريم يدفعها دائما إلى البحث عن سبل جديدة لترقية وعيها ، وتنمية مخزونها المعرفى ، وإثراء أفقها الشعورى بالمزيد من الكشف عن غموض الحياة وطلاسم الوجود وتأصيل العلاقات على بنية معرفية صحيحة خاصة علاقات الإنسان بالكون وأسرار المخلوقات , لذا تقترب الشاعرة كثيرا من الطبيعه باحثة عن أسرارها عن قاموس لغة جديدة ترصع بكلماته جيد قصائدها . وتكشف من خلالها دخائلها النفسية المستعصية على التطويع
فإذا كان الرومانسيون قد هربوا إلى الطبيعة ولاذوا بدفء نقائها وفطريتها وحلموا من خلالها بعالم بشرى فطرى دائم النقاء ، فإن إرادة الكشف وحب المعرفة قد حلت محل الهروب الفطرى . وأصبح الإقتراب من الطبيعة للفهم وتشارك الحياة . والبحث عن أوجه التشابه للغة الصراع وحركةالوجود
تقول الشاعرة فى قصيدة ( لغة البحر ) ص 21

أريد أن أفهم لغة البحر
لأنام طويلا
بين الجزر والمد

ولإستئناس هذه اللغة المكثفة وأنسنتها وتطويعها للفهم . نحول بسطها وربطها بالوجع الإنسانى , لتنبثق من مد الحياة وجزرها ينابيع الهموم الإنسانية وتنبسط شواغل النفوس كل على قدر همه ، ليتسع المدلول الإنسانى ، فيشمل كل مدارات البشر ، ويضيق لتخلع كل ذات بشرية عليه همها الخاص فيكتسب هذا الفيض التعبيرى أنسنته العامة من خصوصية هم صاحبه التساوق مع هموم الناس جميعا , ولكن الخبر التفسيرى فى النص ذاته لا يقدم مساحة نصية أكثر من مقطعين " أريد أن أفهم لغة البحر " .. " لأنام طويلا بين المد والجزر "

هذان المقطعان يعكسان حالات التوتر والقلق الناتجة عن إنغلاق مصادر التواصل والفهم بين الإنسان وما حوله ، ولو تصالح كل منا مع نفسه , وتصالح مع من حوله وانبسط فهمه ليحوى لغة الأحياء والأشياء ومنها " البحر " لفك رموز شيفرة التواصل ..وتناغم مع وجوده الذاتى ووجوده الكونى وأستراحت أعصابه وسكنت جوارحه بالرغم من أرجحة مد الحياة وجزرها . لكن عدم الوعى يدفعه لإستهلاك طاقاته فى صراع لا ينتهى بين مد وجزر فى لغة البحر. وهذا عمق فلسفى يربط آليات الفعل الحياتى للبشر بالظواهر الكونية . ليسهم فى إعادة تشكيل وعى جديد بالحياة والكون.

وبعد ؛ فكأن الشاعرة فراشة حائرة مرت على وادى الرحيق ، فعبأت سلتها ضوءا وعطرا ، ومرايا تعكس الأضواء على كل الظلال , وتناغي رغبة الروح بعتق الصور .. جنة الشعر لديها مساحات صمت من عبير وفراغ ، كلما أفرغت كأسا من جناها عاد الكأس للرحيق .. لكنما الأنفس لا ترتوى فى زحام الرغاب . إنه ظمأ يتجدد كلما أشبع ,, عادت دورته من جديد ,لإذ راحت تكاشف البوح شف لها عن جانب السر , وأغضى حياء, وحاور قلبها ..وانصرف

عدنان أحمد – الملحق الثقافي – جريدة الاتحاد -20 -01-2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»

لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة...

عودة >>

عدنان أحمد – الملحق الثقافي – جريدة الاتحاد -20 -01-2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»

تبديد وحشة المكان

لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة. كما أسهمت ترجمات بعض قصائدها الى أربع لغات أوروبية وهي الانكليزية والألمانية والإسبانية والايطالية ومشاركتها في بعض المهرجانات الشعرية العالمية بذيوعها النسبي وتقديم جانب من تجربتها الشعرية الى القارئ الأوروبي الذي يتوق فعلاً الى التعرِّف من كثب الى الشعرية العربية.

لابد من الإشارة الى أن هذه الدراسة النقدية تقتصر على مجموعتها الشعرية الرابعة الموسومة “ربَّما هنا” والتي لمسنا فيها تطوراً ملحوظاً عن مجموعاتها الثلاث السابقات وهي (هاءُ الغائب، وحدكَ، وهنا ضيَّعتُ الزمن). وقد شمِل هذا التطوِّر المعنى والمبنى في آنٍ معاً. كما أصبحت اللغة أكثر دلالةً وتكثيفاً من ذي قبل.

تعرية الذات

ربما يكون الأدب في جانب من جوانبه هو نوع من التعرية الذاتية التي تكشف طوّية الانسان، وتهتك أسراره إذا كانت هناك أسرار تستحق الهتك عبر آلية البوح الأدبي سواء أكان شعرياً أم نثرياً. وخلود المعلا، مناط هذه الدراسة، هي شاعرة تكتب قصيدة النثر بامتياز. وهذا النوع الأدبي الحر يناسب تماماً الحرية التي تتوق اليها المُعلا وتسعى الى تحقيقها بواسطة النص الشعري الذي تكتبه.
لا شك في أن العنوان “رُبَّما هنا” ينطوي على احتمالية مكانية قد تكون هنا في (دبي) أو ربما (هناك) في مكان آخر، في “رَيدِنجْ” أو لندن، تمثيلاً لا حصراً، لأن الشاعرة قد خصّت هذه المدن ببعض قصائدها الحميمة التي أخرجتها من الفضاء المحلي إلى الفضاء العالمي الذي يتصف بآفاقٍ ومشاهدَ مغايرة لما هو مألوف وسائد في نصوصها الشعرية.

لُعبة التمهيد

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الشعرية هو التمهيد الذي اقتطفتهُ من قصيدة (وهكذا افترقنا)، ووضعته في مُستهَّل هذا الديوان لتشير الى ثيمة رئيسة من ثيماتها المفضلّة التي تتكرر في نصوصها الشعرية. فقصائد هذا الديوان بمجملها توحي بأن الشاعرة وحيدة ومعزولة، وليست منعزلة بإرادتها، وإنما هناك قوة أكبر منها تفرض عليها هذا النوع من العزلة الموجِعة التي تؤسس لمناخ موحش وكئيب يأسر الشاعرة ويصفّدها بأغلال ثقيلة تحّد من حركتها، وتُثبط من محاولاتها المستميتة في الارتقاء والتسامي الصوفيين. تقول المُعلا في المستهَّل التمهيدي: “مازلتُ أستندُ الى محبَّتِهم/ والطريقُ التي تأخذُنا إلى بعضِنا/ كم صارت بعيدة!”. لا شك في أن الشاعرة الذكية قد انتقت أبياتاً لا تُحيل الى أشخاص محددين أو أمكنة معروفة، لأن معنى النص أو فكرته الأساسية سوف تظل عائمة، ويكتنفها ذلك النوع من الغموض المُحبَّب الذي يحرِّض القارئ على استغوار النص ومحاولة فكِّ رموزه وشيفراته أو إسقاط أقنعته في الأقل، غير أن هذا القناع يسقط دفعة واحدة حينما يصل القارئ الى القصيدة ما قبل الأخيرة من الديوان وهي (وهكذا افترقنا)، (وكنت أتمنى حقيقةً أن تكون هذه القصيدة هي خاتمة الديوان!)، ولكنها أردفتها بقصيدة (طقوس) فأفسدت علينا لعبة التمهيد والخاتمة حينما أربكت هندسة التلقّي وخلخلت توقعات القارئ التي لم تأتِ في محلها. فهذه القصيدة تتحدث حصراً عن فكرة (فراق الأصدقاء) أو (فراق الأحبّة) وكلا الكلمتين الأصدقاء أو الأحبة هما كلمتان أثيرتان لدى الشاعرة خُلود المُعلا، وتحتلان مساحة خاصة من قلبها ومشاعرها الداخلية العميقة. لقد بعُدت المسافة بينها وبين الأصدقاء الحميمين الذين لم يغادروا فلَك ذاكرتها، ولكن مهما اشتط المزار فهم قريبون منها لأنهم يسكنون في أعماقها، وهي من قبل ومن بعد، وفية لفكرة الصداقة على الرغم من قساوة الزمن الذي يتلاشى فيه الأصدقاء مُجبرين لا مُخيَّرين في أغلب الأحيان.

ثنائية الأمكنة

تتكرر ثنائية الـ (هنا) والـ (هناك) في أول نص شعري يحمل عنوان (لا يسمعُني أحد). ولو أردنا أن نحدد المكان الذي تقف فيه الشاعرة بوصفها خالقة للنص الشعري وساردة له في آنٍ واحد، فإنها حتماً ستكون في مكانٍ موحشٍ في الأقل. ولكي تبدد هذه الوحشة عليها أن تستجير بالصوت الفيروزي وتسرّبه الى الجدران الضيقة! لا ندري إن كانت هذه الجدران ضيقة حقيقة أم مجازاً؟ فضِيق الجدران أو ضِيق غرف البيت ذاته قد يكون متأتياً من القمع الأسري أو القهر الاجتماعي بأشكاله المتعددة والمعروفة في عالمنا العربي. وإذا كان بيتها ضيقاً الى هذا الحدّ الذي يقطِّع الأنفاس فمن الطبيعي أنه (لا يشبه بقية البيوت). أما نوافذ هذا البيت الغريب فإنها تُطِّل (على أرض تكتظُّ بالتائهين)، وهؤلاء التائهون ستصفهم لاحقاً بالمحزونين ولكن من دون أن تحدد هويتهم. هل هي دعوة لتحرير مخيّلة المتلقي الى هذه الدرجة التي تتيح له المشاركة في كتابة النص وإبداعه بوصفه قارئاً عضوياً لا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال؟ لا شك في أن امكانية الطيران المجازي متاحة لهذه الشاعرة الجريئة التي تحاول أن تصل الى هدفها المرسوم سلفاً على الرغم من وجود الكثير من العوامل المثبِطة منها عزلتها التامة، فكأنها تصرخ في واد، إذ لا يسمعها أحد البتة وكأنَّ هذا البيت الذي تقيم فيه ناءٍ وبعيد جداً. ثم تبثُّ سلسلة من الشكاوى اللاحقة التي تعزز عزلتها وانكسارها. فبلادها التي يُفترّض أن توفر لها أشياء كثيرة لم تُعطِها سوى نقطة ضئيلة من هامشها. هل نفهم من هذا التوصيف أن هامش بلادها كبير جداً، لكنها تشح حتى على أبنائها المبدعين الذين يعيدون صياغة الحياة في كل لحظة ابداعية خلاقة؟ يزداد الأمر تعقيداً حينما نكتشف أن جدران البيوت شاهقة جداً، والأدهى من ذلك أنها فقدت سلالمها! فكيف يتسنى لها، ما لم تطِر طيراناً حقيقياً، أن تصل الى أولئك التائهين أو المحرومين الذين تحول دون الوصول إليهم طرق الصعود الضيقة التي تفضي بها الى الهاوية بدلاً من أن تأخذها الى القِمة المُرتَقبة. وحينما يتعذّر على الشاعرة الوصول الى القمة المُرتجاة فإنها تتكئ على روحها علّها تصعد هي الأخرى الى الجنة ولو لمرة واحدة!

تمتلك الشاعرة في هذا النص شرف المحاولة في الأقل لكي تلبّي نداء المحرومين على الرغم من الفضاء الخانق الذي أشرنا إليه سلفاً. وحينما يعجز الجسد عن تحقيق رغباتها فإنها تستجير بالروح لكي تصل الى ما تصبو إليه عبر آلية الحلم لتثبت للآخرين أنها انسانة فاعلة وأن الخمول لم يعرف سبيلاً الى جسدها وروحها في آنٍ معاً.

السؤال الفلسفي

ثمة أسئلة شائكة وقريبة جداً من الفضاء الفلسفي تبثّها الشاعرة خلود المُعلا في قصيدة (لابُدَّ أن)، وفي قصائد أُخَرْ أيضاً لكي تتيّقن من حضورها الفيزيقي الذي يأخذ دائماً صفة هلامية قارّة وغير متعينة. فلكي تستدلَّ على حضورها الجسدي لابد أن تحدّق في المرايا، كما تنصح ثني روحها أن يفعل الشيء ذاته. وهذا اللا يقين الفلسفي هو الذي يمنح قصائدها جواً غريباً لم آلفه عند قريناتها من الشواعر العربيات في الأقل. كما يتكرر تعاطيها لفكرة الانعتاق أو التحرر المطلق سواء أكان ذهنياً أم جسدياً أم روحياً. ولأنها تريد أن تتماهى مع هذا التحرّر وتتخلص نهائياً من كل القيود التي تصفِّدها كروح شفّافة أولاً، وعقل حرون لا يستجيب إلا الى رغبة القلب الصادقة. ثمة احتجاج ملحوظ في هذا النص يمكن تلمّسه في البيت الأخير حيث تخرج من ذاتها لتحرّض بلغة الجمع وتقول من دون مواربة (لا بُدَّ أن نصرخ صرختنا الأولى)، هذه الصرخة العجيبة التي تعلن خشية أي قادم جديد مما تخبئه الأيام القادمة.


لا تخلو قصيدة (هكذا أحيا أسطورتي) من نبرة السؤال الفلسفي العميق الذي أشرنا إليه قبل قليل. فهي تستدلّ على قلب الفنان التشكيلي بواسطة اللون الواحد الذي يتكرر بحدّة في أعماله الفنية. أي أن اللمسة الخصوصية هي التي تقودها الى كُنْه الفنان وتفتح لها مغاليق الأشياء العويصة. ولذلك فهي تحب الأشياء التي تبتدع أسماءَها، أو بمعنى آخر أنها تحب أن تنغمر في أشيائها الخاصة لكي تُضفي عليها شيئاً من روحها القلقة المعذّبة المُحاطة بالعدم، هذا العدم الذي يحاصرها من كل حدب وصوب، لكنها تنتصر عليه بالصدق والأصدقاء والمحبّين. إن ذات الشاعرة خُلود المُعلا واسعة ورحبة وهي تلوذ بها كلما عاودتها الغربة الروحية، وأثقل عليها فعل الاغتراب.

يبدو أن الشاعرة خلود المُعلا قد سئمت من حياتها المملة الرتيبة التي أشرنا اليها سلفاً. فثمة جدران شاهقة، وغرف ضيقة، ومناظر متشابهة مكرورة تبعث على الوجوم أو تحفِّز على الاحساس بالفراغ، الأمر الذي دفعها لأن تثور ثورة عارمة على هذا السكون المطبق الذي يلف حياتها. لذلك قررت ألا تغلق نوافذها بعد الآن، وأن (ترفع أسدال كعبتها)، أي تتجاوز الظرف المكاني المقدّس الذي أُقحِمت فيه. فلا أستار ولا سدول بعد اليوم، لأنها عقدت العزم على أن تمضي للأمام (غيرَ آبهة بالنفوس القاحلة). إن هذا الاصرار العجيب الذي أبدته الشاعرة خُلود المُعلا ناجم عن وعيها الحاد، وشجاعتها الذهنية التي أهلّتها لأن تخوض غمار هذه التجربة التي سوف تؤدي الى كشف ذاتها كإنسانة وشاعرة مبدعة على حد سواء. لذلك بدأت تفكر بصوت عال، وتقرأ صفحات روحها وذهنها على الملأ من دون خشية أو تردد، لأنها باتت مثل كتاب أزرق الصفحات. وأكثر من ذلك فإنها بدأت (تمرِّن حنجرَتها على الصراخ) لتوقِظ النائمين وكأنها تريد أن تقول لهم بثقة كبيرة بأنها بعد هذه الثورة الجذرية ستكون (أفضل مما مضى ومما سيمضي)

الرتابة واللاجدوى

تعاني الشاعرة خُلود المُعلا من أزمة وجودية عميقة تقف وراءها أسباب كثيرة من بينها الرتابة والملل والفراغ والاحساس باللاجدوى وما إلى ذلك من عوامل نفسية واجتماعية وذهنية. ففي قصيدة (البيت كما عهدناه) كل شيء رتيب، وعلى سابق عهده، فالوقت هو الوقت، والبيت هو البيت كما عهدناه، لا أثر للتغيير على الرغم من توالي الفصول المتشابهة التي تُفاقم من الحالة النفسية لشخصية الشاعرة المأزومة.

لا تقف حدود الأزمة الوجودية عند الأسباب التي أشرنا اليها سلفاً لأن هناك ما هو أدهى وأمرّ من ذلك وهو الاحساس بعبث الحياة ولا جدواها.

إن الذي يلفت الانتباه في قصيدة (لا جدوى) هو ظهور الأنا التي كانت تتوارى وراء مهيمنات وجودية واحساسات شتى فيما سبق من قصائد. غير أن الذات في هذا النص قد انتبهت أول مرة، الى المظهر الخارجي، بخلاف العديد من الشاعرات العربيات اللواتي يراهنَّ أنوثة الجسد ومغرياته المعروفة. فبعد أن تحسست قلبها وشعرت به ينبض، وأنه لا يزال على قيد التوثب والمرح (نهضت مسرعة نحو نفسها) وتزينّت لملاقاة الحبيب الذي أطلّ صريحاً هذه المرة حيث قالت: (ألبسُ قميصاً رقراقاً لم يرَه حبيبي). ولا شك في أن صفة الرقراق كافية لكي تحيل القارئ الى مناخ الثراء الذي تعيشه الشاعرة، ولكنها محنة هذه الشاعرة أنها لا تنشد الثراء المادي ولا تتوق له، ربما لأنه مُتاح لها، وإنما تروم تحقيق ذاتها على الوجه الذي يرضي طموحها ونزقها الوجودي الى حدّ ما. كنت أتوقع أن تكون الشاعرة التي تحررت من محارتها في هذا النص، وتباهت في صعودها وتحليقها في شاهق السماء، أن تكون راضية وسعيدة بما أنجزته، غير أن الضربة المباغتة تأتي من حيث لا يحتسب القارئ ليكتشف سبباً جديداً لأزمتها المتأصلة حينما تسمع أصداء تردد إن (لا جدوى) فهي كأنما تعوم في (العدم السرمدي) الذي يلّف الكينونة برمتها.

شاعرة استثنائية

ثمة شعراء متواضعون في طبعهم وغير أدعياء ولا يميلون إلى المبالغة وتهويل الأشياء، ولكنهم يكتبون بالمقابل نصوصاً جيدة أو ربما ممتازة تخالف ما يدعّون من بساطة أو نبّو عن الاستثناء والتميّز، تماماً مثلما تفعل الشاعرة المبدعة خُلود المُعلا. ففي قصيدتها الجميلة (شاعرة غير استثنائية) ثمة تواضع ملحوظ لأن هذا النص الشعري لا يوحي أبداً (بالسذاجة) ولا ينتمي إلى نمط النصوص السائدة والمألوفة التي تموت إثر نشرها مباشرة، وإنما هو نص جذّاب وعميق، ولكنه قائم على عنصر المفارقة. وما إن يلج القارئ الى تضاعيف هذا النص حتى يكتشف أنه ازاء انموذج استثنائي حقاً. قد تكون الشاعرة وحيدة ومنزوية في صدفتها الخاصة، وقد (تمتهن الصمت) و (لا تجيد الكلام) كما ورد في متن القصيدة، ولكنها قادرة على أن تكتب نصاً مذهلاً يأخذ بتلابيب القارئ ويجذبه إلى مداراتها الآسرة.


الاغتراب الروحي

أشرنا غير مرّة إلى عزلة الشاعرة خلود المُعلا وإحساسها الممِّض بالوحدة، هذا الإحساس المُفجع الذي قد يفضي إلى الغربة الفيزيقية والاغتراب الروحي. ففي قصيدة (خّطُّ العودة) نكتشف من دون لأي أن الشاعرة أرِقة وقلقة كعادتها، ولكنها تداري هذا الأرق بما (لا تراه من وميض روحها)، هذا الوميض الذي يمدّها بنسغ الحياة، ويقوِّض بالنتيجة حياتها الرتيبة المستتبة. تتوافر هذه القصيدة على صورة شعرية نادرة تقترب من المَثل والحكمة الجميلة المعبِّرة التي تدور على الألسن حيث تقول: (أتعدَّدُ في المرايا كي لا أكون وحدي)، ويا لها من حيلة سينمائية جميلة تتجلى فيها الصورة البَصَرية على أكمل وجه. فلطالما أنها مُحاصَرة ووحيدة ونائية فلابد لها من أن تبتدع حلاً خاصاً بها، ولا أعتقد أن هناك معالجة فنية ذكية أجمل من لعبة التعدّد في المرايا التي تُجهِز على مفهوم الوحدة وتستأصله من جذوره.


الهمُّ الكوني

تشي معظم قصائد هذا الديوان بأن همَّ الشاعرة خُلود المُعلا هو همُّ وجودي أو كوني على الأصح. فنادراً ما تفكر في الأشياء الصغيرة والعابرة في حياتها. ففي الوقت الذي تفكر فيه بالوجوه التي غادَرَتْها وهذا أمر طبيعي تأخذنا في لحظة خاطفة تعوِّل عليها غالباً لتخبرنا بأنها (تفكِّر فيما وراء الوجود)، أي أنها لم تنهمك بإشكالية الوجود المعقّدة حسب، وإنما تذهب بإرادتها إلى التفكير بما وراء الوجود الذي لم تستوعبه لكي تلج الى غابة السؤال الفلسفي المحيِّر.

تُذكرُنا الشاعرة خلود المُعلا بين أوانٍ وآخر بأن الجزء الأكبر من حياتها يكاد يكون نهباً للقلق والأرَق الناجمَيْن عن الكوابيس أو الأطياف الليلية، فلا غرابة إن لم تستطع أن تنام ملءّ جفونها أو (ملءَ وحدتها) كما أشارت في البيت الأخير من قصيدة (قلق الذاكرة)، أو أرق الجسد، هذا الأرق الذي سيتفاقم في نص لاحق ليصبح (محيطاً من أرق). قد يفسِّر بعض النقاد أن هذا النزوع هو نوع المبالغة أو ربما الغلّو في تصوير الحالة النفسية التي تمّر بها الشاعرة، ولكن ما أن يمضي القارئ قليلاً في نص (محيط من أرق) حتى يكتشف أن الشاعرة هاهنا هي ليست أكثر من سجينة (تُحصي شُقوق الجدار الذي تستند إليه)، وأن هذه العادة لا يفعلها في حقيقة الأمر إلا السجناء الذين أمضوا سنواتٍ طوالا في السجون والمعتقلات بحيث يصبح فعل عدّ الشقوق طقساً ليلياً يمارسه السجين المغلوب على أمره.


النص الذهني

ثمة قصائد موغلة في ذهنيتها تتناسب مع الثيمات الفلسفية التي تتعاطى معها الشاعرة بحرية كبيرة، فلا غرابة أن تكون أغلب قصائدها من الطراز الثقيل الذي يستوقف القارئ. فلقد سبق أن أشرنا الى أن خُلود المُعلا لا تتكئ مطلقاً على لغة الجسد، ولا تستجير بالأنوثة كمعطىً إغرائي، وأنها تعزز لغتها الشعرية ذات التراكيب والأبنية الشعرية الجميلة حتى من دون الاستعانة بأدوات التشبيه أو التوصيفات المتسمة بالإيقاعات الخارجية المبهرجة أو ذات الرنين العالي التي لا تخدم بالنتيجة البنية الداخلية العميقة للنص الشعري الذي تكتبه بسلالة لغوية واضحة لا تخلو من طلاوة الكلمة وحلاوة الصورة الشعرية الجديدة غالباً وغير المطروقة.

اللحظة التنويرية

لابد من التنويه أيضاً إلى فرادة الأفكار أو الموضوعات الشعرية التي تعالجها خُلود المُعلا. فغالباً ما تكون زاوية النظر التي تتطلع من خلالها الشاعرة مختلفة. فإذا كان معظم النسوة يخشينَ فعل الزمان وما يخلّفه من آثار واضحة على المعالم الخارجية لأي كائن بشري، فإن خُلود المعلا هي الأنثى الوحيدة التي لا تنهزم أمام فعل السنين أبداً. إذاً، ثمة إصرار أو موقف مسبق، وعناد مرير يندر أن تجده عند شاعرة أخرى. وأنا أرد هذا العناد إلى إصرارها العجيب على مواصلة الحياة بطريقتها الخاصة. فهي التي سوف ترسم سيرتها بنفسها، وتخلق ربيعاً جديداً لم يألفه الآخرون.

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة. ومثلما نجحت في كتابة النصوص الطويلة ومتوسطة الطول فإنها نجحت أيضاً في كتابة النصوص القصيرة جداً. ويبدو أن خبرة خُلود في كتابة القصيدة مختلفة الأشكال هي التي مهدّت لها كتابة هذا النمط الذي يوحي لقارئه بأنها تستقطر الفكرة أو الصورة الشعرية التي يتمحور حولها النص الشعري القصير جداً.

د . صالح هويدي – الخليج الثقافي - جريدة الخليج - السبت 22 يناير 2011

جدلية الأمل واليأس: الانتظارات الموحشة في شعر خلود المعلا

تتردد موضوعة الانتظار في شعر الشاعرة خلود المعلا منذ أعمالها الأولى متساوقة مع أجواء التأمل التي تشيع في تجربتها وشبكة العلاقات التي تنسجها مع الآخر، سواء أكان هذا الآخر بشراً أو طبيعة أو أشياء وموجودات ...

عودة >>

د . صالح هويدي – الخليج الثقافي - جريدة الخليج - السبت 22 يناير 2011

جدلية الأمل واليأس: الانتظارات الموحشة في شعر خلود المعلا

تتردد موضوعة الانتظار في شعر الشاعرة خلود المعلا منذ أعمالها الأولى متساوقة مع أجواء التأمل التي تشيع في تجربتها وشبكة العلاقات التي تنسجها مع الآخر، سواء أكان هذا الآخر بشراً أو طبيعة أو أشياء وموجودات . ولا ريب في أن لموضوعة الانتظار صلة عميقة بفكرة الزمن التي ما تني تنمو ويتطور الإحساس بها لدى الشاعرة، متخذة مسارب متعددة وصوراً مختلفة، منحت تناولها عمقاً ودلالات إيحائية واسعة، لكننا هنا سنحاول الوقوف على تجليات فكرة الانتظار في مجموعة الشاعرة الأخيرة “ربما هنا” وحدها .
في نصها المعنون “كل عام وأنا . .” الذي يتحدث عن ليلة عيد ميلاد امرأة، يلفتنا أول ما يلفتنا انطواء العنوان على إضمار مقصود، متأت من أسلوب الحذف الحاصل في العبارة الأصلية (كل عام وأنا بخير) والمقابلة للعبارة المألوفة (كل عام وأنت بخير)، بسبب من كون العبارة هنا صادرة عن المتكلم نفسه، وهو حذف سنحاول فض أسراره لاحقاً:

“ليلة ميلادي/ارتديت أجمل قمصاني الليلية/ تزينت/ قرأت يومياتي/ استعدت أمنيتي / أشعلت شمعة/ وانتظرت/
. . . . ./ طويلاً/ كما في العام الذي مضى” .
في هذا النص المكثف تستوقفنا بعض أمور، منها تسليط الشاعرة الضوء على مظاهر الاستعداد الذي لجأت إليه المرأة في تلك الليلة، مركزة على بعض التفاصيل الدالة المنتقاة، من ارتداء أجمل الأزياء، وقراءة اليوميات، واستعادة الأمنية، وإشعال الشمعة، والانتظار الطويل .

إن لقراءة المرأة يومياتها في مثل هذا الطقس دلالة لا تخفى على البعد الثقافي لوعي المرأة، إلى جانب ما يوحي به فعل قراءة اليوميات من وقوف على معالم الماضي أو ذكرياته، في حين تنطوي عبارة “استعدت أمنيتي” التالية لها مباشرة على الدلالة المستقبلية للفعل، إذ ترتبط الأمنية عادة بتمني ما يأمل المرء في تحققه، وبذلك فإن المرأة قد انتقلت من أفعال الحاضر المتمثلة في اتخاذ زينتها والاستعداد لليلة إلى استعادة زمن المضي والتوسل بزمن المستقبل المأمول .

تبدو المرأة إذن على غير عجلة من أمرها، فهي لم تلجأ إلى إشعال الشمعة إلا بعدما أنهت طقوسها التي أسرّت بها إلينا، بما فيها قراءة اليوميات التي نعرف أنه ليس بمقدور كل امرأة ممارستها أو الانتظار إلى ما بعد أدائها، كما يلفت نظرنا أن عدد الشموع التي تشعلها المرأة لا يتعدى الشمعة الواحدة، وهي ممارسة تنفتح على معنى ارتباط هذه الشمعة بالسنة الجديدة الآيلة للانصرام(الذبول) وليس إلى عمر المرأة المحتفى به، وكأنها بذلك تسعى إلى حجب أو تغييب عمرها، لما ينطوي عليه ذلك من ألم، ربما .

ثمة اختزال وحذف تشير إليه النقاط الموضوعة بهدف التكثيف وتعميق الإحساس باستمرار زمن الانتظار مدة أطول، بدلاً من اللجوء إلى الشرح، ليسلمنا النص إلى عبارته الختامية (كما في العام الذي مضى) . وهي عبارة مكتنزة بالمعنى الدال على سيرورة الزمن واستمراره وتشابه وقائعه لديها، وتكرارها، إذ نشعر أن حدث الانتظار لم يكن حدثاً عارضاً بقدر ما هو حدث متكرر ذو زمن دائري، يتكرر كل عام .

والحق فإن عدول الشاعرة في عبارتها الأخيرة من الصيغة الاسمية للصفة (العام الماضي) إلى الصيغة الفعلية (الذي مضى) ينطوي على فداحة الإحساس بسريان الزمن وتصرّمه، وعلى توكيد عمق الإحساس بفعله لا بصفته حسب، ولا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الاحتفال بهذه المناسبة يأخذ شكل احتفال فردي بالوحدة، بعيداً عن طقسه الجمعي في حالات الفرح والبهجة .

من هنا يمكننا العودة إلى عنوان النص(كل عام وأنا . .) لنلقي الضوء على طبيعة المسكوت عنه، والذي يبدو هنا فعلاً أو إضماراً قصدياً من لدن المرأة، فالشاعرة لا تستطيع بعد كل ما شهدته من أحوال المرأة أن تعبر عن حالها بالعبارة المترددة على ألسنة الناس في مناسبة كهذه (وأنا “وأنت” بخير) . لذا فهي تؤثر - كيما تكون صادقة في التعبير عن التجربة - أن تترك الأمر محايداً مفتوحاً وقابلاً للاحتمال والتفسير، وإن كان الاحتمال المرجح الذي توحي به العبارة يتجه إلى عكس ما تفصح عنه العبارة المألوفة عادة، وبخاصة أنه يأتي على لسان المرأة نفسها، فأي خير يا ترى تحسه تلك التي لمّا تزل تتزين وتستعيد أمنياتها في انتظار ما لا يبدو أن السنوات التي تكر قادرة على الإتيان به؟ إنه يذكرنا بزمن (جودو) والذي يأتي ولا يأتي .
وما دام الانتظار هو سيد الموقف، فلم لا تكون العبارة ضرباً من ضروب الوصف أكثر منها تمنياً . فلربما أرادت المرأة أن تقول: كل عام وأنا في انتظار، أو كل عام وأنا في هذا الحال، أو كل عام وأنا في حال لا أعرف كنهه!

وإذا كان الانتظار قد ارتبط في قصيدة عيد الميلاد بمشاعر المرأة وإحساسها بالزمن، فإن هذا الانتظار قد يرتبط أحيانا بالرغبة في كسر حاجز الصمت المحيط بنا، والمتضخم في أحاسيسنا، في هيئة الصوت المبدد للصمت .

لقد تضخم الصمت في وعي المرأة وشعورها حتى بدا لها مفرطا إذن . وهو شعور طبيعي لمن يفتقد وقوع أحداث تشعره بتجدد الزمن وبجريانه، فالصمت موات والصوت تغير منذر بحدوث جديد، لذا برز فعل الانتظار واضحاً(أنتظر كثيراً)، يصحبه على مستوى النص ما يشبه التوسل بما يكسر(أو بمن يكسر) هذا الصمت .

وقد يتداخل بعدا الصوت والصورة(السمعي والبصري) معاً للتعبير عن حالة الانتظار، كما في نص الشاعرة اللافت “ارتطام مختلف” الذي يقوم على بنية المفاجأة . فلقد بدت المرأة في هذا النص وقد امتلأت جدران حواسها بمرأى المدن الفضية للمطر، وهي عبارة توحي بمدى ارتباط وجدان المرأة بصورة المطر، واستعدادها لملاقاته .

لقد تزامن امتلاء وجدان المرأة بالمطر مع حدث طرق الباب الذي يأخذ فيه الفعل احتمالية الصيغتين (المبني للمجهول والمبني للمعلوم)، لينفتح على تعدد احتمالاته؛ بين طارق إنسان أو طارق يعود على المطر نفسه، إذ يحتمل النص توجيهه وفق الصيغتين معاً:

“عند الفجر/ والمطر يملأ جدران حواسي بمدائنه الفضية / طرق بابي/ فتحت/ فباغتني صوت ارتطام قلبي بالريح” .

وإذا كان فتح الباب هو الذي يضع حداً للترقب وللمجهول المنتظر، فإن فتح المرأة الباب في نص الشاعرة قد نجح في تحويل أنظار القارئ عن التفكير في جنس الطارق وكنهه، من خلال إدخاله في لعبة المباغتة التي نجحت الشاعرة في إحداثها، فلقد عدلت الشاعرة عن التعبير المباشر عن الحالة إلى التعبير بالمعادل الرمزي، وهو (ارتطام قلبها بالريح) .

إن مباغتة المرأة بصوت ارتطام قلبها بالريح إنما أريد له تعميق إحساسها وإحساس المتلقي في آن معاً بلا جدوى الانتظار وباللاشيء، فليس للريح من دلالة هنا سوى المسح والكنس والمحو . إنها إذن المقابل للمطر المنتظر لدى المرأة، الدال على الأمل وبعث الخير وحسن الطالع . يزيد من تعميق إحساسنا بهذا المعنى اختيار الشاعرة لفعل الارتطام بدلاً من أفعال أخرى مرادفة، وذلك لما في هذا الفعل من دلالة الاصطدام بالشيء بقوة .

وقد يكون الانتظار فعلاً يائساً، لكن لا مفر منه؛ لأنه جزء من عاداتنا التي لا نستطيع لها تبديلا، على الرغم من إدراكنا خطلها وعبثها، ليتكشف لنا في النهاية عن فداحة اختيارنا ومفارقته .

ولا شك في أن لهذا الاختيار المعاند بواعثه وأسبابه، وهو مهما كان خاطئاً فإنه تعبير عن إرادة الشخصية ووعيها ومزاجها، ما دامت مدركة لأبعاده، كما في نص (بيضة):

“يتناسل الحب من البيت المضيء / ذي النوافذ المفتوحة على البحر/ وأنا أسكن داخل بيضة
وأنتظر الحب!” .

وفي نص (محض الظلمة) تلجأ الشاعرة إلى تنويع شبيه بانتظارنا المطر، ربما كان برقاً أو نجماً تهيأ للمرأة رؤيته من فرط ترقبها وانتظاراتها، ثم سرعان ما تكشف لها بطلان تلك الرؤية، وتجسدها في هيئة انطفاءٍ محض لذلك المنتظر:

“في ليلة أخرى/ لمع/ لم يكن نوراً / كان انطفاء محضا” .

وقد يتعدى التعبير عن موضوعة الانتظار بعده التجريدي الذي مر بنا ليتلبّس هيئة الآخر المنتظر، متجسداً في شخص المحب، كما في نص “محبتي دائمة” .

لقد لجأت الشاعرة في هذا النص إلى اجتراح معنى طريف للفراق، فليس من الضروري أن يكون للفراق طعم المرارة والأسى، وليس من الضروري أن تكون السعادة رهناً بما نحظى به من تلاق، فربما كان للفراق والبعد أفراحه وسعاداته التي يخلفها في النفس، وهي المعاني التي يحاول الفن إقناعنا بمنطقه وإن جانب الواقع ومعطياته الحسية ومشاعر أناسه، ولم لا أفلا تشيع في النفس بقايا العلاقات وذكرياتها حالة من الرضا، حين يتخلص المرء من أسرها راغباً أو مستسلماً، ويتخفف من أثقالها في لحظة من لحظات الاستذكار:

“ما زلت أحبه/ ولأنني كذلك/ أطلقت طيوره للفضاء/ واكتفيت بالفراغ الذي خلفته” .

ولعل الطرافة هنا تنبع من أن الشعر العربي كله حين يتحدث عن لحظات الفراق في العلاقات الإنسانية، فإن الزاوية التي ينطلق منها دائما هي التركيز على الذكريات والتغني بها والتمسك بكل ما يتصل بها من لوازم وبقايا وموجودات، باعتبارها تعويضاً أو كناية بالمعنى البلاغي، لكن الشاعرة تقف بنا هنا على معنى غير مسبوق، حين تسلط الضوء على المرأة في لحظة سلوك تحتفي به بالفراغ الذي ولده شعور التخلص من ذكريات الحبيب الآسرة . إنه شعور نفسي لا سبيل إلى تطبيق مقاييسنا المعيارية عليه أو اختبار صدقه من عدمه، ما دام كل شيء في المشاعر الإنسانية ممكناً، بما في ذلك صور التناقض .

لقد استطاعت الشاعرة خلود المعلا أن تنسج من موضوعة الانتظار فضاء فنياً معبراً عن جدلية الأمل واليأس في النفس البشرية في مجموعتها الأخيرة التي حققت فيها نقلة نوعية في لغتها وحساسيتها وتكثيفها وأدائها التعبيري جميعاً، بعدما نجحت في تأثيث ذلك الفضاء بأبعاد إنسانية ودلالات إيحائية، ضمنت له عمقه وتأثيره.

عدنان حسين أحمد – الاتحاد الثقافي – جريدة الاتحاد - 20 يناير 2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»تبديد وحشة المكان

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة...

عودة >>

عدنان حسين أحمد – الاتحاد الثقافي – جريدة الاتحاد - 20 يناير 2011

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا تطرح أسئلة شائكة في ديوانها «ربَّما هنا»تبديد وحشة المكان


لا تحتاج الشاعرة الاماراتية المُرهفة خُلود المُعلا الى توطئة أو تقديم خصوصاً وأن رصيدها الشعري قد بلغ أربع مجموعات شعرية حققت بواسطتها حضوراً طيباً في الامارات تحديداً وفي العالم العربي بصورة عامة. كما أسهمت ترجمات بعض قصائدها الى أربع لغات أوروبية وهي الانكليزية والألمانية والإسبانية والايطالية ومشاركتها في بعض المهرجانات الشعرية العالمية بذيوعها النسبي وتقديم جانب من تجربتها الشعرية الى القارئ الأوروبي الذي يتوق فعلاً الى التعرِّف من كثب الى الشعرية العربية.
لابد من الاشارة الى أن هذه الدراسة النقدية تقتصر على مجموعتها الشعرية الرابعة الموسومة “ربَّما هنا” والتي لمسنا فيها تطوراً ملحوظاً عن مجموعاتها الثلاث السابقات وهي (هاءُ الغائب، وحدكَ، وهنا ضيَّعتُ الزمن). وقد شمِل هذا التطوِّر المعنى والمبنى في آنٍ معاً. كما أصبحت اللغة أكثر دلالةً وتكثيفاً من ذي قبل.

تعرية الذات

ربما يكون الأدب في جانب من جوانبه هو نوع من التعرية الذاتية التي تكشف طوّية الانسان، وتهتك أسراره إذا كانت هناك أسرار تستحق الهتك عبر آلية البوح الأدبي سواء أكان شعرياً أم نثرياً. وخلود المعلا، مناط هذه الدراسة، هي شاعرة تكتب قصيدة النثر بامتياز. وهذا النوع الأدبي الحر يناسب تماماً الحرية التي تتوق اليها المُعلا وتسعى الى تحقيقها بواسطة النص الشعري الذي تكتبه.
لا شك في أن العنوان “رُبَّما هنا” ينطوي على احتمالية مكانية قد تكون هنا في (دبي) أو ربما (هناك) في مكان آخر، في “رَيدِنجْ” أو لندن، تمثيلاً لا حصراً، لأن الشاعرة قد خصّت هذه المدن ببعض قصائدها الحميمة التي أخرجتها من الفضاء المحلي الى الفضاء العالمي الذي يتصف بآفاقٍ ومشاهدَ مغايرة لما هو مألوف وسائد في نصوصها الشعرية.

لُعبة التمهيد

إن أول ما يلفت الانتباه في هذه المجموعة الشعرية هو التمهيد الذي اقتطفتهُ من قصيدة (وهكذا افترقنا)، ووضعته في مُستهَّل هذا الديوان لتشير الى ثيمة رئيسة من ثيماتها المفضلّة التي تتكرر في نصوصها الشعرية. فقصائد هذا الديوان بمجملها توحي بأن الشاعرة وحيدة ومعزولة، وليست منعزلة بإرادتها، وإنما هناك قوة أكبر منها تفرض عليها هذا النوع من العزلة الموجِعة التي تؤسس لمناخ موحش وكئيب يأسر الشاعرة ويصفّدها بأغلال ثقيلة تحّد من حركتها، وتُثبط من محاولاتها المستميتة في الارتقاء والتسامي الصوفيين. تقول المُعلا في المستهَّل التمهيدي: “مازلتُ أستندُ الى محبَّتِهم/ والطريقُ التي تأخذُنا إلى بعضِنا/ كم صارت بعيدة!”. لا شك في أن الشاعرة الذكية قد انتقت أبياتاً لا تُحيل الى أشخاص محددين أو أمكنة معروفة، لأن معنى النص أو فكرته الأساسية سوف تظل عائمة، ويكتنفها ذلك النوع من الغموض المُحبَّب الذي يحرِّض القارئ على استغوار النص ومحاولة فكِّ رموزه وشيفراته أو إسقاط أقنعته في الأقل، غير أن هذا القناع يسقط دفعة واحدة حينما يصل القارئ الى القصيدة ما قبل الأخيرة من الديوان وهي (وهكذا افترقنا)، (وكنت أتمنى حقيقةً أن تكون هذه القصيدة هي خاتمة الديوان!)، ولكنها أردفتها بقصيدة (طقوس) فأفسدت علينا لعبة التمهيد والخاتمة حينما أربكت هندسة التلقّي وخلخلت توقعات القارئ التي لم تأتِ في محلها. فهذه القصيدة تتحدث حصراً عن فكرة (فراق الأصدقاء) أو (فراق الأحبّة) وكلا الكلمتين الأصدقاء أو الأحبة هما كلمتان أثيرتان لدى الشاعرة خُلود المُعلا، وتحتلان مساحة خاصة من قلبها ومشاعرها الداخلية العميقة. لقد بعُدت المسافة بينها وبين الأصدقاء الحميمين الذين لم يغادروا فلَك ذاكرتها، ولكن مهما اشتط المزار فهم قريبون منها لأنهم يسكنون في أعماقها، وهي من قبل ومن بعد، وفية لفكرة الصداقة على الرغم من قساوة الزمن الذي يتلاشى فيه الأصدقاء مُجبرين لا مُخيَّرين في أغلب الأحيان.


ثنائية الأمكنة

تتكرر ثنائية الـ (هنا) والـ (هناك) في أول نص شعري يحمل عنوان (لا يسمعُني أحد). ولو أردنا أن نحدد المكان الذي تقف فيه الشاعرة بوصفها خالقة للنص الشعري وساردة له في آنٍ واحد، فإنها حتماً ستكون في مكانٍ موحشٍ في الأقل. ولكي تبدد هذه الوحشة عليها أن تستجير بالصوت الفيروزي وتسرّبه الى الجدران الضيقة! لا ندري إن كانت هذه الجدران ضيقة حقيقة أم مجازاً؟ فضِيق الجدران أو ضِيق غرف البيت ذاته قد يكون متأتياً من القمع الأسري أو القهر الاجتماعي بأشكاله المتعددة والمعروفة في عالمنا العربي. وإذا كان بيتها ضيقاً الى هذا الحدّ الذي يقطِّع الأنفاس فمن الطبيعي أنه (لا يشبه بقية البيوت). أما نوافذ هذا البيت الغريب فإنها تُطِّل (على أرض تكتظُّ بالتائهين)، وهؤلاء التائهون ستصفهم لاحقاً بالمحزونين ولكن من دون أن تحدد هويتهم. هل هي دعوة لتحرير مخيّلة المتلقي الى هذه الدرجة التي تتيح له المشاركة في كتابة النص وإبداعه بوصفه قارئاً عضوياً لا يمكن إهماله بأي حال من الأحوال؟ لا شك في أن امكانية الطيران المجازي متاحة لهذه الشاعرة الجريئة التي تحاول أن تصل الى هدفها المرسوم سلفاً على الرغم من وجود الكثير من العوامل المثبِطة منها عزلتها التامة، فكأنها تصرخ في واد، إذ لا يسمعها أحد البتة وكأنَّ هذا البيت الذي تقيم فيه ناءٍ وبعيد جداً. ثم تبثُّ سلسلة من الشكاوى اللاحقة التي تعزز عزلتها وانكسارها. فبلادها التي يُفترّض أن توفر لها أشياء كثيرة لم تُعطِها سوى نقطة ضئيلة من هامشها. هل نفهم من هذا التوصيف أن هامش بلادها كبير جداً، لكنها تشح حتى على أبنائها المبدعين الذين يعيدون صياغة الحياة في كل لحظة ابداعية خلاقة؟ يزداد الأمر تعقيداً حينما نكتشف أن جدران البيوت شاهقة جداً، والأدهى من ذلك أنها فقدت سلالمها! فكيف يتسنى لها، ما لم تطِر طيراناً حقيقياً، أن تصل الى أولئك التائهين أو المحرومين الذين تحول دون الوصول إليهم طرق الصعود الضيقة التي تفضي بها الى الهاوية بدلاً من أن تأخذها الى القِمة المُرتَقبة. وحينما يتعذّر على الشاعرة الوصول الى القمة المُرتجاة فإنها تتكئ على روحها علّها تصعد هي الأخرى الى الجنة ولو لمرة واحدة!

تمتلك الشاعرة في هذا النص شرف المحاولة في الأقل لكي تلبّي نداء المحرومين على الرغم من الفضاء الخانق الذي أشرنا إليه سلفاً. وحينما يعجز الجسد عن تحقيق رغباتها فإنها تستجير بالروح لكي تصل الى ما تصبو إليه عبر آلية الحلم لتثبت للآخرين أنها انسانة فاعلة وأن الخمول لم يعرف سبيلاً الى جسدها وروحها في آنٍ معاً.

السؤال الفلسفي

ثمة أسئلة شائكة وقريبة جداً من الفضاء الفلسفي تبثّها الشاعرة خلود المُعلا في قصيدة (لابُدَّ أن)، وفي قصائد أُخَرْ أيضاً لكي تتيّقن من حضورها الفيزيقي الذي يأخذ دائماً صفة هلامية قارّة وغير متعينة. فلكي تستدلَّ على حضورها الجسدي لابد أن تحدّق في المرايا، كما تنصح ثني روحها أن يفعل الشيء ذاته. وهذا اللا يقين الفلسفي هو الذي يمنح قصائدها جواً غريباً لم آلفه عند قريناتها من الشواعر العربيات في الأقل. كما يتكرر تعاطيها لفكرة الانعتاق أو التحرر المطلق سواء أكان ذهنياً أم جسدياً أم روحياً. ولأنها تريد أن تتماهى مع هذا التحرّر وتتخلص نهائياً من كل القيود التي تصفِّدها كروح شفّافة أولاً، وعقل حرون لا يستجيب إلا الى رغبة القلب الصادقة. ثمة احتجاج ملحوظ في هذا النص يمكن تلمّسه في البيت الأخير حيث تخرج من ذاتها لتحرّض بلغة الجمع وتقول من دون مواربة (لا بُدَّ أن نصرخ صرختنا الأولى)، هذه الصرخة العجيبة التي تعلن خشية أي قادم جديد مما تخبئه الأيام القادمة.
لا تخلو قصيدة (هكذا أحيا أسطورتي) من نبرة السؤال الفلسفي العميق الذي أشرنا إليه قبل قليل. فهي تستدلّ على قلب الفنان التشكيلي بواسطة اللون الواحد الذي يتكرر بحدّة في أعماله الفنية. أي أن اللمسة الخصوصية هي التي تقودها الى كُنْه الفنان وتفتح لها مغاليق الأشياء العويصة. ولذلك فهي تحب الأشياء التي تبتدع أسماءَها، أو بمعنى آخر أنها تحب أن تنغمر في أشيائها الخاصة لكي تُضفي عليها شيئاً من روحها القلقة المعذّبة المُحاطة بالعدم، هذا العدم الذي يحاصرها من كل حدب وصوب، لكنها تنتصر عليه بالصدق والأصدقاء والمحبّين. إن ذات الشاعرة خُلود المُعلا واسعة ورحبة وهي تلوذ بها كلما عاودتها الغربة الروحية، وأثقل عليها فعل الاغتراب.

يبدو أن الشاعرة خلود المُعلا قد سئمت من حياتها المملة الرتيبة التي أشرنا اليها سلفاً. فثمة جدران شاهقة، وغرف ضيقة، ومناظر متشابهة مكرورة تبعث على الوجوم أو تحفِّز على الاحساس بالفراغ، الأمر الذي دفعها لأن تثور ثورة عارمة على هذا السكون المطبق الذي يلف حياتها. لذلك قررت ألا تغلق نوافذها بعد الآن، وأن (ترفع أسدال كعبتها)، أي تتجاوز الظرف المكاني المقدّس الذي أُقحِمت فيه. فلا أستار ولا سدول بعد اليوم، لأنها عقدت العزم على أن تمضي للأمام (غيرَ آبهة بالنفوس القاحلة). إن هذا الاصرار العجيب الذي أبدته الشاعرة خُلود المُعلا ناجم عن وعيها الحاد، وشجاعتها الذهنية التي أهلّتها لأن تخوض غمار هذه التجربة التي سوف تؤدي الى كشف ذاتها كإنسانة وشاعرة مبدعة على حد سواء. لذلك بدأت تفكر بصوت عال، وتقرأ صفحات روحها وذهنها على الملأ من دون خشية أو تردد، لأنها باتت مثل كتاب أزرق الصفحات. وأكثر من ذلك فإنها بدأت (تمرِّن حنجرَتها على الصراخ) لتوقِظ النائمين وكأنها تريد أن تقول لهم بثقة كبيرة بأنها بعد هذه الثورة الجذرية ستكون (أفضل مما مضى ومما سيمضي).


الرتابة واللاجدوى

تعاني الشاعرة خُلود المُعلا من أزمة وجودية عميقة تقف وراءها أسباب كثيرة من بينها الرتابة والملل والفراغ والاحساس باللاجدوى وما إلى ذلك من عوامل نفسية واجتماعية وذهنية. ففي قصيدة (البيت كما عهدناه) كل شيء رتيب، وعلى سابق عهده، فالوقت هو الوقت، والبيت هو البيت كما عهدناه، لا أثر للتغيير على الرغم من توالي الفصول المتشابهة التي تُفاقم من الحالة النفسية لشخصية الشاعرة المأزومة.
لا تقف حدود الأزمة الوجودية عند الأسباب التي أشرنا اليها سلفاً لأن هناك ما هو أدهى وأمرّ من ذلك وهو الاحساس بعبث الحياة ولا جدواها.
إن الذي يلفت الانتباه في قصيدة (لا جدوى) هو ظهور الأنا التي كانت تتوارى وراء مهيمنات وجودية واحساسات شتى فيما سبق من قصائد. غير أن الذات في هذا النص قد انتبهت أول مرة، الى المظهر الخارجي، بخلاف العديد من الشاعرات العربيات اللواتي يراهنَّ أنوثة الجسد ومغرياته المعروفة. فبعد أن تحسست قلبها وشعرت به ينبض، وأنه لا يزال على قيد التوثب والمرح (نهضت مسرعة نحو نفسها) وتزينّت لملاقاة الحبيب الذي أطلّ صريحاً هذه المرة حيث قالت: (ألبسُ قميصاً رقراقاً لم يرَه حبيبي). ولا شك في أن صفة الرقراق كافية لكي تحيل القارئ الى مناخ الثراء الذي تعيشه الشاعرة، ولكنها محنة هذه الشاعرة أنها لا تنشد الثراء المادي ولا تتوق له، ربما لأنه مُتاح لها، وإنما تروم تحقيق ذاتها على الوجه الذي يرضي طموحها ونزقها الوجودي الى حدّ ما. كنت أتوقع أن تكون الشاعرة التي تحررت من محارتها في هذا النص، وتباهت في صعودها وتحليقها في شاهق السماء، أن تكون راضية وسعيدة بما أنجزته، غير أن الضربة المباغتة تأتي من حيث لا يحتسب القارئ ليكتشف سبباً جديداً لأزمتها المتأصلة حينما تسمع أصداء تردد إن (لا جدوى) فهي كأنما تعوم في (العدم السرمدي) الذي يلّف الكينونة برمتها.

شاعرة استثنائية

ثمة شعراء متواضعون في طبعهم وغير أدعياء ولا يميلون الى المبالغة وتهويل الأشياء، ولكنهم يكتبون بالمقابل نصوصاً جيدة أو ربما ممتازة تخالف ما يدعّون من بساطة أو نبّو عن الاستثناء والتميّز، تماماً مثلما تفعل الشاعرة المبدعة خُلود المُعلا. ففي قصيدتها الجميلة (شاعرة غير استثنائية) ثمة تواضع ملحوظ لأن هذا النص الشعري لا يوحي أبداً (بالسذاجة) ولا ينتمي الى نمط النصوص السائدة والمألوفة التي تموت إثر نشرها مباشرة، وإنما هو نص جذّاب وعميق، ولكنه قائم على عنصر المفارقة. وما إن يلج القارئ الى تضاعيف هذا النص حتى يكتشف أنه ازاء انموذج استثنائي حقاً. قد تكون الشاعرة وحيدة ومنزوية في صدفتها الخاصة، وقد (تمتهن الصمت) و (لا تجيد الكلام) كما ورد في متن القصيدة، ولكنها قادرة على أن تكتب نصاً مذهلاً يأخذ بتلابيب القارئ ويجذبه الى مداراتها الآسرة.

الاغتراب الروحي

أشرنا غير مرّة الى عزلة الشاعرة خلود المُعلا واحساسها الممِّض بالوحدة، هذا الاحساس المُفجع الذي قد يفضي الى الغربة الفيزيقية والاغتراب الروحي. ففي قصيدة (خّطُّ العودة) نكتشف من دون لأي أن الشاعرة أرِقة وقلقة كعادتها، ولكنها تداري هذا الأرق بما (لا تراه من وميض روحها)، هذا الوميض الذي يمدّها بنسغ الحياة، ويقوِّض بالنتيجة حياتها الرتيبة المستتبة. تتوافر هذه القصيدة على صورة شعرية نادرة تقترب من المَثل والحكمة الجميلة المعبِّرة التي تدور على الألسن حيث تقول: (أتعدَّدُ في المرايا كي لا أكون وحدي)، ويا لها من حيلة سينمائية جميلة تتجلى فيها الصورة البَصَرية على أكمل وجه. فلطالما أنها مُحاصَرة ووحيدة ونائية فلابد لها من أن تبتدع حلاً خاصاً بها، ولا أعتقد أن هناك معالجة فنية ذكية أجمل من لعبة التعدّد في المرايا التي تُجهِز على مفهوم الوحدة وتستأصله من جذوره.


الهمُّ الكوني

تشي معظم قصائد هذا الديوان بأن همَّ الشاعرة خُلود المُعلا هو همُّ وجودي أو كوني على الأصح. فنادراً ما تفكر في الأشياء الصغيرة والعابرة في حياتها. ففي الوقت الذي تفكر فيه بالوجوه التي غادَرَتْها وهذا أمر طبيعي تأخذنا في لحظة خاطفة تعوِّل عليها غالباً لتخبرنا بأنها (تفكِّر فيما وراء الوجود)، أي أنها لم تنهمك بإشكالية الوجود المعقّدة حسب، وإنما تذهب بإرادتها الى التفكير بما وراء الوجود الذي لم تستوعبه لكي تلج الى غابة السؤال الفلسفي المحيِّر.

تذكِّرنا الشاعرة خلود المُعلا بين أوانٍ وآخر بأن الجزء الأكبر من حياتها يكاد يكون نهباً للقلق والأرَق الناجمَيْن عن الكوابيس أو الأطياف الليلية، فلا غرابة إن لم تستطع أن تنام ملءّ جفونها أو (ملءَ وحدتها) كما أشارت في البيت الأخير من قصيدة (قلق الذاكرة)، أو أرق الجسد، هذا الأرق الذي سيتفاقم في نص لاحق ليصبح (محيطاً من أرق). قد يفسِّر بعض النقاد أن هذا النزوع هو نوع المبالغة أو ربما الغلّو في تصوير الحالة النفسية التي تمّر بها الشاعرة، ولكن ما أن يمضي القارئ قليلاً في نص (محيط من أرق) حتى يكتشف أن الشاعرة هاهنا هي ليست أكثر من سجينة (تُحصي شُقوق الجدار الذي تستند إليه)، وأن هذه العادة لا يفعلها في حقيقة الأمر إلا السجناء الذين أمضوا سنواتٍ طوالا في السجون والمعتقلات بحيث يصبح فعل عدّ الشقوق طقساً ليلياً يمارسه السجين المغلوب على أمره.

النص الذهني

ثمة قصائد موغلة في ذهنيتها تتناسب مع الثيمات الفلسفية التي تتعاطى معها الشاعرة بحرية كبيرة، فلا غرابة أن تكون أغلب قصائدها من الطراز الثقيل الذي يستوقف القارئ. فلقد سبق أن أشرنا الى أن خُلود المُعلا لا تتكئ مطلقاً على لغة الجسد، ولا تستجير بالأنوثة كمعطىً إغرائي، وأنها تعزز لغتها الشعرية ذات التراكيب والأبنية الشعرية الجميلة حتى من دون الاستعانة بأدوات التشبيه أو التوصيفات المتسمة بالإيقاعات الخارجية المبهرجة أو ذات الرنين العالي التي لا تخدم بالنتيجة البنية الداخلية العميقة للنص الشعري الذي تكتبه بسلالة لغوية واضحة لا تخلو من طلاوة الكلمة وحلاوة الصورة الشعرية الجديدة غالباً وغير المطروقة.

اللحظة التنويرية

لابد من التنويه أيضاً الى فرادة الأفكار أو الموضوعات الشعرية التي تعالجها خُلود المُعلا. فغالباً ما تكون زاوية النظر التي تتطلع من خلالها الشاعرة مختلفة. فإذا كان معظم النسوة يخشينَ فعل الزمان وما يخلّفه من آثار واضحة على المعالم الخارجية لأي كائن بشري، فإن خُلود المعلا هي الأنثى الوحيدة التي لا تنهزم أمام فعل السنين أبداً. إذاً، ثمة إصرار أو موقف مسبق، وعناد مرير يندر أن تجده عند شاعرة أخرى. وانا أرد هذا العناد الى إصرارها العجيب على مواصلة الحياة بطريقتها الخاصة. فهي التي سوف ترسم سيرتها بنفسها، وتخلق ربيعاً جديداً لم يألفه الآخرون.

تكتب خُلود المُعلا أنماطاً وأشكالاً شعرية مختلفة. فثمة نصوص طويلة، وأخرى متوسطة الطول، وثالثة قصيرة جداً تقارب في طولها الومضة أو اللحظة التنويرية الخاطفة. ومثلما نجحت في كتابة النصوص الطويلة ومتوسطة الطول فإنها نجحت أيضاً في كتابة النصوص القصيرة جداً. ويبدو أن خبرة خُلود في كتابة القصيدة مختلفة الأشكال هي التي مهدّت لها كتابة هذا النمط الذي يوحي لقارئه بأنها تستقطر الفكرة أو الصورة الشعرية التي يتمحور حولها النص الشعري القصير جداً.

د . أحمد الزعبي – الخليج الثقافي – جريدة الخليج – 10 إبريل 2010

اختصار العتمة – قراءة في قصيدة مسيرتي الجديدة للشاعرة خلود المعلا

تتخذ الشاعرة خلود المعلا قراراها الحاسم في مواجهة العتمة وإطلاق سراح الفجر المحبوس وتغيير مسار الريح العاتية لتهب حسب أمرها وثورتها وتمردها الواعي...

عودة >>

د . أحمد الزعبي – الخليج الثقافي – جريدة الخليج – 10 إبريل 2010

اختصار العتمة – قراءة في قصيدة مسيرتي الجديدة للشاعرة خلود المعلا

تتخذ الشاعرة خلود المعلا قراراها الحاسم في مواجهة العتمة وإطلاق سراح الفجر المحبوس وتغيير مسار الريح العاتية لتهب حسب أمرها وثورتها وتمردها الواعي، تقول:

“وهذا الفجر فاتحة أمري
سأختصر العتمة منذ الآن
أتدخل في تحديد مسارات الريح”

فالصخب الذي طاردها عمراً طويلاً، وأحدث ضجيجاً في أعماقها وتيهاً في ذاكرتها واحتجاباً لفجرها وشمسها، لابد أن يوضع له الحد، ولابد أن توجّه الشاعرة أشرعتها حسب إرادتها، لا حسب إرادة الريح المتقلبة المضطربة . ولإيقاف الضجيج المستوطن في داخلها، ولتبديد الظلام المتكاثف في خارجها، تبدأ ثورتها أو قصيدتها بقرار حاسم أو أمر قاطع يؤرخ لمرحلة جديدة أو رؤية جديدة، تختصرها في عنوان القصيدة (مسيرتي الجديدة)، فتقول:

“لن أغلق نوافذي بعد الآن
أمضي قدماً
غير آبهة بالنفوس القاحلة”

بعد طول معاناة وصبر وقهر، يبلغ السيل الزبى وتأتي لحظة الانفجار أو القرار، فتكسر الأبواب والنوافذ المغلقة ليدخل النور المحتجب ويطرد العتمة المزمنة، وليدخل الهواء النقي ويحل محل الهواء الفاسد قبل حدوث الاختناق أو التيه أو العمى .

لابد إذاً من أن تبدأ الشاعرة بكسر دائرة العزلة التي تحجب عنها رؤية العالم من حولها، ولابد أيضاً من إزالة الستائر والأغطية وكل ما يحجب الضوء والنهار عن عالمها أو حياتها أو قصائدها . . ثم بعد كل هذا (تمضي قدماً)،لا تنظر خلفها،وقد أحرقت كل مراكب العودة .

هذه (المسيرة الجديدة)، وهذه الانعطافة الحاسمة الحادة القوية في حياة الشاعرة، هي قرار بإغلاق صفحة الماضي بأوجاعها وعتماتها وانكساراتها وهي إيذان بانطلاق مرحلة اكتشاف جديدة للذات من داخلها وللعالم الرحب من خارجها،لكي تفرض بالقوة والتحدي ما يجب أن يكون،وليس ما هو كائن،فلن تستسلم لحصارها وتكبيلها وقتلها البطيء .


ومن لحظة اكتشاف الذات تبدأ الرحلة الجديدة برؤية جديدة، وفي هذه الرؤية تجاوز للعزلة وللاختباء وللاختفاء وللخوف وللصمت وللقهر، إذ لابد من كسر حاجز الصمت، فالعالم يغط في نوم عميق، والصمت يسهم في نومه أكثر فأكثر، لابد أن يصخب الصوت وتصرخ الحناجر بقوة لإيقاظ النيام الذين يسهمون في نشر الصمت والخوف والاعتام والموت، تقول:

“هكذا اكشفني
أتبيّن ما تبقى من الجسد والذاكرة
اقرؤني بصوت عال
أمرّن حنجرتي على الصراخ
ليصحو النائمون
سأكون أفضل مما مضى
وما سيمضي” .

حوار الذات ومواجهتها واكتشاف طاقاتها الكامنة هي أول جولات المعركة أو الحرب ضد الصمت والانطواء والخوف والخواء الذي يتفشى في كل مكان . فعزلة الشاعر وانطواؤه على نفسه وعالمه، ترى الشاعرة، إسهام في الخراب والانكسار واندثار القيم الجميلة في عالم النيام والإعتام والحصار .

فإشارة البدء في (فتح النوافذ) ورؤية الأشياء بوضوح بعد دخول الأنوار، أتاح للشاعرة لحظة اكتشاف العالم، بدءاً بالذات وانتهاء بالنائمين . وأول ما اكتشفت أنها بشر من جسد وروح، من معنى ومبنى . . . أو من (جسد وذاكرة)، والإيحاء في هذا الاكتشاف، أن الجسد والروح كانا مغيبين في الماضي، كانا مكبلين بالخوف والعتمة والأستار والصمت داخل نوافذ مغلقة وصحارى قاحلة، وحناجر مكتومة وظلمة حالكة تحت ألف ذريعة وذريعة . . . إلى أن طفح الكيل وحدث الانفجار لطي صفحة الماضي الخانقة واقتحام الطريق الشائك ةالجديدة المضيئة لتعود للإنسان حقيقته الضائعة ووجوده الطبيعي ودوره الحر جسداً وروحاً - وليستيقظ من نومه وغيابه وظلامه ويحيا في دفئه وصدقه ونهاره بعد أن طال ليله وأزمن نومه وقتل نفسه معنى ومبنى، جسداً وروحاً . بهذه اليقظة، ترى الشاعرة، وبهذا التمرد على البلادة والعبث والخدر، ستكون (أفضل مما مضى . . وما سيمضي . . .)، وتستطيع التأهب لاقتحام الخطوة التالية للارتقاء بالذات إلى أعلى القمم بقوة وإرادة وثقة .


تقطع الشاعرة شوطاً طويلاً متعباً في رحلة التمرد والرفض للواقع الساكن الهش القاتل، الذي يميت أهله وهم أحياء، وتعد العدة للمواجهة والاقتحام، فإما أن تكون، أو لا تكون، وقد قررت أن تكون . وهنا تتفجر طاقات النفس الكامنة في أعماقها أو أعماق الإنسان الذي طال صبره وطال تحمله، مثل حليم يخشى من ثورته وانفجاره، فتملك زمام الأمور وقد طال صبرها وانفجرت أوجاعها، وتقرر إطلاق كوامنها وطاقاتها الحبيسة، لتصدر أمراً للفجر أن يبزغ وللريح أن تهب كما تهوى وللحقول أن تتسع وتخضرّ وللمطر أن ينزل . وسواء كانت هذه الانفجارات أو القرارات متخيلة أو ممكنة، فإنها بالتأكيد مجازية ورامزة لما يجب أن يكون عليه الإنسان أو الشاعرة بعد مرحلة اليقظة والتمرد على الانهزام والاستسلام في الماضي والدخول في مرحلة الكشف والاكتشاف والمواجهة والارتقاء إلى الأعالي في المستقبل لوقف انهيارات الذات الداخلية ووقف طوفانات الخراب الخارجية، تقول:

“سأبدأ مسيرتي الجديدة
واترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً
وهذا الفجر فاتحة أمري
سأختصر العتمة منذ الآن
أتدخل في تحديد مسارات الريح
لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر
أبلغ قمة الجبال النقية
أضيء شمساً في سماء العالم”

تتسق حركة القصيدة من أولها إلى آخرها في تطور جمالي ونفسي منتظم، وتركز بنية القصيدة المتسقة والمنتظمة على وحدات إيقاعية تضمن حركة القصيدة في ثلاث لوحات تجمع بين تجسيد الرؤية وتعالقها مع تحولات الشاعرة النفسية وتحولات الصورة الشعرية التي تكثف هذه الرؤية الشعرية من ناحية، وتنظم إيقاعاتها وحركاتها الفنية والجمالية، من ناحية أخرى, .

ففي اللوحة الثالثة من القصيدة، أو الحركة المنتظمة الأخيرة لتجسيد الرؤية، تبدأ الشاعرة المرحلة المتمردة التي ستأخذها مثلما تأخذ أي إنسان إلى ضوء الشمس وحرية الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية الكامنة المكمّمة، تبدأ بدفن الماضي وتجاوزه، الماضي المؤلم المعتم المتجمد، تبدأ بتجاوز الليل الطويل، فهذا (الفجر فاتحة أمري)، تبدأ في الفجر، في أول النهار، وكأنه أول الحياة، لن تسمح للظلام أن يتسرب ثانية إلى نهارها “سأختصر العتمة منذ الآن”، ستتشبث بالضوء . . وبالحياة وبالسمو، وتعلم أن الأسوار ستظل قائمة، ولكنها لن تسكت ولن تستلم كما هو الأمر في الماضي، بل ستقتحم الأسوار وتتجاوز كل عقبة، فهي الآن ذات إرادة وقوة، وتدفعها الإرادة والثقة إلى قوة أسطورية أخرى، حيث ستدخل في (تحديد مسارات الريح)، وهي إشارة إلى إرادة من حديد، وإلى طاقة كامنة انفجرت في أعماقها وخيّلت لها تطويع المستحيل، فإن هبت الريح ضد طريقها أو شراعها، ستغير بقوة اتجاه الريح لتهب حسب رغبتها، فقد ولى عصر هبوب الريح كما يهوى الآخرون . . كما يهوى النيام أو كما يهوى الليل والإعتام والانطواء، سترفع صوتها وترفض كل خلل أو انكسار، وستستسقي الأرض وتستنزل المطر وستستجيب الطبيعة لكل رغباتها الجميلة التي تعني انتصاراً للحياة على الموت، وللوجود على العدم وللجمال على القبح وللإنسان على الشيطان الذي في داخله، عندها سترتقي إلى قمة الجبال . . عندها سيدخل عالمها هواء نقي . . . يبدد ما أفسده الدهر، وعندها “ستضيء شمساً” في سماء عالم تزداد عتمته يوماً بعد يوم . ولابد أن تغلب الحياة الموت، ترى الشاعرة، ولابد أن يبدد النور العتمة، ولابد أن يقهر المطر الجفاف، ولابد أن يكون الإبداع شمساً يضيء العالم . . . يضيء الحقيقة . . . يضيء الجمال الإنساني المهدد في هذا الزمان وفي هذا المكان، إذ لابد للإنسان . . الشاعر . . المسؤول . . . الواعي . . أن يضيء:

“شمساً في سماء العالم”

أو يضيء شمعة في ظلامه،لا أن يلعن الظلام أو العالم المعتم فقط .

د . صالح هويدي : جريدة الخليج ,01/05/2010

تجليات الغياب الموحش : قراءة في تجربة خلود المعلا الشعرية

تمثل المجموعة الشعرية الأخيرة “ربما هنا” للشاعرة الإماراتية خلود المعلا منعطفاً جديداً في مسار تجربتها التي تجلت من قبل في ثلاث مجموعات سابقة عليها، هي على التوالي: “هنا ضيعت الزمن”، و”وحدك”، و”هاء الغائب” ...

عودة >>

د . صالح هويدي : جريدة الخليج ,01/05/2010

تجليات الغياب الموحش : قراءة في تجربة خلود المعلا الشعرية

تمثل المجموعة الشعرية الأخيرة “ربما هنا” للشاعرة الإماراتية خلود المعلا منعطفاً جديداً في مسار تجربتها التي تجلت من قبل في ثلاث مجموعات سابقة عليها، هي على التوالي: “هنا ضيعت الزمن”، و”وحدك”، و”هاء الغائب” .

تبدو المجموعة الجديدة مختلفة نوعاً، حتى ليمكن عدها بداية لمرحلة تحول في تجربة الشاعرة، إذ نلمس انتقال الشاعرة من التمحور حول الهم الذاتي إلى الهم الكوني والانفتاح على أطروحة السؤال المعرفي، واتخاذ موضوعة الغياب أبعاداً وجودية عمقت من إحساسنا بتجربة الوحدة الإنسانية، إلى جانب انحسار الاهتمام بالبعد الصوفي الذي حملته مجاميعها السابقة لمصلحة التجربة الواقعية، فضلاً عن ميل تجربتها في مجموعتها “ربما هنا” نحو نزعة سردية في بعض نصوصها ولغة أكثر تكثيفاً وتماسكاً، إن على مستوى البنية أو الدلالة .

ولعل أبرز ما يميز هذه الانعطافة أن تجليات ملامحها لا تقف عند حدود معطى واحد، بل تتجاوزه لتتغلغل في تفاصيل المنجز الشعري، شكلاً ومضموناً؛ بنية ولغة وفكراً وأساليب .

تجسد مجموعة “ربما هنا” حالة من التصدع في الأغشية الشفافة المحيطة بشخصياتها وبدء خروجها من أماكنها الدفيئة، واضطرار تلك الشخوص، بسبب من معاناتها ونفاد صبرها وما وقع عليها من ضرّ وحيف، إلى خوض مواجهة مع العالم الخارجي بعدما بدت تلك الشخصيات أكثر وعياً وأشد إدراكاً لقوانين العلاقة بين الذات والموضوع أو الفرد والوجود .

لقد اهتز تصالح الشخصية مع العالم قليلاً في العالم الشعري الجديد، وانقلبت الهموم الذاتية في العشق والتواصل مع الآخر إلى هموم فلسفية كبرى، تسعى إلى سبر أغوار الكون وفك طلاسم الوجود:

أجوب الأرض والسماء
أبحث عن مركز كوني
وختام مسراي أنظر من نافذتي الضيقة
فأرى الكون كاملاً
تتجلى أسراره الكبرى أفكر في ما وراء الوجود
في ما ليس بوسعي استيعابه
وأرى
في الوجود أشياء أفضل
حان لي أن أسعى إليها

ولعل من بين أبرز ما تكشف عنه المجموعة هو شيوع ملمح الفقد، ممثلاً في مفارقة الأصدقاء وغيابهم الذي كثيراً ما تستذكره الشخصية:

الأحبة الذين تركوني
يتحولون إلى أشجار يتسرب حفيفها فيّ
. . .
حاضرون فيّ
لا يغيبون

وربما قاد انشغال الشخصيات بالعالم المحيط بها وبغموضه إلى فقدها علاقات الحب التي طالما شكّلت ملمحاً أساسياً من ملامحها في تجربة الشاعرة، من دون إحساس بفداحة هذا الفقد، بل ربما بدا الأمر لها، على العكس من ذلك، فرصة لتأمل ما يخلّفه هذا الفقد من مساحة للتحرر ومن ذكريات وآثار تصلح أن تكون موضوعة للتدبر:

ما زلت أحبه،
ولأنني كذلك
أطلقت طيوره للفضاء
واكتفيتُ بالفراغ الذي خلّفتْهُ

إن تأمل ما يخلفه الفراق أمر لا غرابة فيه ما دام المرء قادراً على أن يحوله إلى موضوع للتأمل، ليبقى القلب عامراً بمحبة المودعين:
لم يُبكني الرحيل

لأن قلبي سيبقى عامراً بمحبته

إنه الأمل الذي يمكن أن يظل وامضاً برغم ذهاب من نفارقهم، حتى وإن تبدى في صور من العودة الواهمة واللقاء المتخيل كما في صياغة هذه اللوحة الفنية المعبرة:

عند الفجر
والمطر يملأ جدران حواسي بمدائنه الفضيّة
طَرقَ بابي
فتحتُ،
فباغتني صوتُ ارتطام قلبي بالريح


والحق فإن ملمح الفقد ملمح أصيل في تجربة الشاعرة، إذ لا تكاد مجموعة تخلو منه، ولعله أوضح ما يكون تجلياً وإدهاشاً في مجموعتها الأخيرة “ربما هنا”، فكثيراً ما قادها غياب وجوه الأحبة إلى الإبحار في غياهب الوجود، في محاولة لإدراك أسراره وفهم ما استعصى عليها فهمه:

أفكّر في الوجوه التي غادرتني
أسافر في جهاتي السبع
متخلية عن ذاكرة لا عقارب لها

أفكر في ما وراء الوجود
في ما ليس بوسعي استيعابه
أفكر، في ما لا يقبله القلب

لقد بدا غياب الأحبة أشبه بالحلم، إذ يغيب الدخان وجوههم في مشهد يتغلغل فيه الشحوب حتى يطال الجميع:

أصدقاء
يتلاشون في الدخان
بدت وجوهنا شاحبة
هكذا التقينا
وهكذا
افترقنا . .

...لكن هذا الغياب الحاضر في نصوص المجموعة على الدوام لا ينجح في فرض منطقه على الشخصيات، على رغم مما يتركه من مرارة ويثيره من أسى، ذلك أن هذا الغياب كثيراً ما يشكّل حضوراً قوياً في نفوس الأحياء الذين يستمدون منه مقومات الحياة والاستمرار:

أصدقاء كالشمس
نورهم يشع في ذاكرتي
ما زلت أستند إلى محبتهم

وإذا كان غياب الأحبة يبدو كنور الشمس المضيء للذاكرة حيناً، فإنه سرعان ما يتحول أو يتحولون في نظر أحبتهم إلى أشجار لها حفيف لا سبيل إلى منع تسربه فيهم، برغم إيصاد الذوات أبوابها في وجه من عداهم، حتى ليتم تبادل الأدوار ويصبح الحاضر غائباً والغائب حاضراً:

الأحبة الذين تركوني
يتحولون إلى أشجار يتسرب حفيفها فيّ
ويظل البال موصداً إلا عنهم
من منّا الغائب؟
حاضرون فيّ،

من هنا فقد حل الغائبون في وجدان الأحبة وفكرهم وأجسادهم، يتحركون في مفاصلها ويحيون في تفاصيلها يوماً بيوم، كما كانوا تماماً، ليس هذا فحسب، بل لقد غدوا مصدر حياة الحاضرين الذين خفت ظلالهم وشحب
وجودهم أمام قوة حضور الغائبين:

ما زالوا مزروعين في عيني
يطوفون أوردة القلب

ولا غرابة بعد ذلك أن يترك غياب الأحبة والأصدقاء وتواري وجوههم خلف ركام الضباب والدخان إحساساً بالوحدة الممضّة المسدولة على الليل، كما الضفائر:

كثيراً ما أنثر ضفائر وحدتي على جسد الليل

وتنجح الشاعرة في التعبير عن معنى الفقد والإحساس بالفراغ، عن طريق استخدام أسلوب التجسيد المادي بالصور القائمة على علاقات الكتلة والفراغ المستمدة من معطيات الفن التشكيلي، جاعلة من غياب وحدة المكان تعبيراً عن معاني الوحشة والفراغ:

ها أنذا الآن وحدي
أحاول دس قصائدي الجديدة
في خزائن لا مفاتيح لها
أجلس كثيراً وحدي

لا مكان لشيء فيّ
ولا شيء في المكان
إلا

قصائد فارغة لشاعرة غير استثنائية

ولعل الجديد في تجربة الشاعرة أن طعم المرارة يبدو واضحاً إلى حد يكاد يدفع الشخصيات فيها إلى تخوم اليأس .

وتكشف الشاعرة في نص آخر عن مظهر آخر من مظاهر تأثير الوحدة التي بلغتها شخصياتها، من جراء غياب من حولها، عبر بث علامات سيميولوجية في جسد النص، توحي أكثر مما تكشف، في محاولة للتعبير عن
حالة الظمأ والتوق إلى الغمر بالوابل المفتقد:

أستلقي وحيدة
عطشى ينابيعي

تمنيت لو أن وابلاً من محبة ينهمر على أرضي

والحق أن التعب الجسدي يبدو الملمح الذي يهيمن على حيوات شخصيات التجربة الجديدة للشاعرة، لا تشذ عن ذلك إلا محطة واحدة هي محطة لندن التي تبدو المحطة الوحيدة التي يستعيد فيها الجسد، مع ما تستعيده الشخصية، معطياته الإيجابية وحياته وسويته، ليتخلص من أوجاعه ويستعيد طيوره . ففيما عدا هذه المحطة يبدو حضور الجسد بعيداً عن رغباته على الدوام في النصوص الشعرية

ولسطوة الزمن القاسية وعبث مخالبه التي لا ترحم أثر في ما تحس به شخصيات الشاعرة من ندوب في مكامن الروح، ومن علامات انطفاء في مواضع الجسد:

السنون تتسابق بشراسة حولي

تحاصرني
تخربش مرآتي
تعلن انطفاء جسدي
أصابعها الطويلة تمتد إلى قلبي
تحاول أن تتركه كمدينة تسقط حصونها

من هنا فليس غريباً أن تقدم لنا الشاعرة صورة الجسد المغيّب وهو ينعم بالظل وقسوة البرد في وقت يبدو الفضاء المحيط به جميعاً وقد غمرته أشعة الشمس الساطعة وحرارتها المحرقة:

الشمس موغلة في التفاصيل
لا مكان للظل
كل الأشياء تحترق
وهذا الجسد ما زال بارداً


لقد قاد اصطدام الذات بالعالم الشخصيات إلى حالة من التصدع والنكوص نحو الداخل، ليبدو صوتها تعبيراً عن تشظي ذواتها وانقسامها في ما يشبه حالة الفصام، وهو أمر أدى إلى أن ينعكس على المستوى التعبيري في شكل شيوع لبعض الأساليب الفنية، ولا سيما على المستوى اللغوي الخاص بتعبير الشخصيات المتصدعة عن نفسها في مثل هذه الصيغ والأساليب الفنية:

هكذا أكشِفُني
أتبين ما تبقّى من الجسد والذاكرة
أقرأني بصوت عال أنهض مسرعة نحوي
ولأنُقذني من قلقي المستديم
شرعت بممارسة طقوسي الليلية

ولا يقف انعكاس التحول في وعي التجربة الشعرية للشخصيات عند حدود هذا المظهر الأسلوبي بل يتعداه إلى مجمل لغة المنجز الشعري الجديد . إن ثمة تغيراً واضحاً في لغة النصوص الشعرية عما ألفناه في سائر النصوص السابقة للشاعرة، إذ اقتضت التجربة الوجدانية المتصالحة مع العالم من قبل لغة تنطوي على طاقة إيحائية أعلى وشحن للمفردات بماء اللغة الشعرية، في حين استدعت تجربة الصدام مع العالم والرغبة في تأمله وسبر غوره حضور لغة سريعة إشارية مباشرة، لا تحفل بما يمكن أن تحمله اللغة من طلاوة وماء شعري، لتتجلى شعرية النص هذه المرة في هذه اللغة السردية التي شُغلت برواية مجرى الوقائع المتتالية التي تواجهها الشخصيات، وما تركت في أفكارها وأرواحها من آثار . إنها لغة قصيدة النثر الصافية التي لا تتعكز في بناء منجزها على ميراث الشعر الكلاسيكي وموسيقاه، بقدر ما تبتعث من معجم النثر شعريته القائمة بذاتها .

وقد يتعدى توظيف الشاعرة رمز النافذة بوصفها وسيلة من وسائل الحيلولة دون اختناق الشخصية حيناً، ووسيلة من وسائل الرؤية والتشوف، إلى توظيف الطير وفعل الطيران بوصفهما وسيلة فنية موحية بالرغبة في تحقيق فعل الانعتاق .

كما ضمت المجموعة في ثلثها الأخير نصوصاً شديدة التكثيف، لا تخلو من معالجات وجدانية تتدرج بين الذاتي والموضوعي، من تأمل للعالم وتأمل لتجربة الحب، لكنها التجربة التي تعمد الشاعرة فيها إلى تقنية المفارقة واللجوء إلى أساليب الإيحاء، مع عودة اللغة فيها أحياناً إلى استعادة قدر من شعريتها .

إن التحولات التي شهدتها نصوص مجموعة “ربما هنا” لخلود المعلا إن على مستوى الانشغالات الفكرية
الجديدة أو الموضوعات التي عالجتها، وما نتج عنها من انزياحات شعرية وظواهر أسلوبية تجعل من هذه المجموعة انعطافة مهمة في مسيرة تجربة الشاعرة .

ديمة الشكر – جريدة الحياة -الإثنين, 27 أبريل 2009

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا بين صعوبة... وسهولة

تختار الشاعرة الإمارتيّة خُلود المعلا في ديوانها الأخير «ربّما هنا»، الصادر حديثاً عن دار الفارابي (بيروت)، طريقاً سهلةً أو صعبةً لقصيدتها...

عودة >>

ديمة الشكر – جريدة الحياة -الإثنين, 27 أبريل 2009

الشاعرة الإماراتية خُلود المُعلا بين صعوبة... وسهولة

تختار الشاعرة الإمارتيّة خُلود المعلا في ديوانها الأخير «ربّما هنا»، الصادر حديثاً عن دار الفارابي (بيروت)، طريقاً سهلةً أو صعبةً لقصيدتها، بل لعلّها تختار طريقاً «بين بين»، إذ تبتعد عمّا أضحى متوقعاً لكثرة وروده لدى الشاعرات، أي إشهار الأنوثة بدرجات متفاوتة؛ تبدأ من الشفيف الأنثوي وصولاً إلى الإباحي المقتحم، وتبتعد في الآن ذاته عمّا هو معقّد مفذلك، لكن يشهر «أنا» الشاعر بصورة طاغية، فهي في ابتعادها المزدوج هذا، إن جاز التعبير، تبدو أقرب إلى الإخفاء لا الإشهار، فمن الصحيح أنها تستعمل ضمير الأنا في كافّة قصائدها، لكنها «أنا» مواربة ومخفيّة، يصعب على القارئ التماهي معها بسهولة، فهي تميل إلى البراءة، وتتخفّف من كتابة قصيدة تقوم على التجربة، لكأنها تخشى نفسها، أو هي تتردّد في إظهارها. ومع ذلك فإنها في هذه الطريق الضيقة المتاحة لها، أو التي سمحت لنفسها بالسير فيها، تبحث عن «مكان» خاصّ بها، من خلال التطرّف في حبّ الشعر قبل أي شيء آخر. الأمرُ الذي يتّسق تماماً مع رسم عوالمها الشعرية التي تبدأ من أبسط الأمور وأكثرها دقة: من أنا؟ أين أنا؟

وربما كان هذا السؤال هو المبّرر الأساس لزاوية النظر التي اختارتها المعلا، فظهرتْ في قصائدها الطويلة التي تشغل المساحة الأكبر من ديوانها هذا، حيثُ ترد مفردة البيت باستمرار: «أحتاج الليلة إلى صوتٍ فيروزيّ/ أسرّبه إلى الجدران لتتسع قليلاً/ بيتي لا يشبه البيوت/ نوافذي تنفتح على أرضٍ تكتظّ بالتائهين» أو «أسكن البيوت التي تدخلها الشمس من سقفها/ لأرى القلوب من مركزها» أو « أرسم أسئلة على شكل بيوت»، وإذ ترد على هذا النحو، تقسم العالم إلى كفّتين: فواحدةٌ نجد فيها الشاعرة والبيت والشتاء والمطر والظّل والعتمة، وكفّة أخرى فيها الشمس والضوء و «الآخرين» وما هو خارجيّ؛ «الوقت وقتٌ / في الشمس تغيب حقيقتنا/ يحلّ الشتاء والبيت كما عهدناه». وفي كلام آخر تبدو القصائد كأنّها وليدة نظرة خُلود، فهي تضع نفسها في الظلّ حيث تكون التجربة «شخصيّة داخليّة»، وأمّا الحياة، أي التجربة بمعناها الملموس، فبعيدة قصيّة، لكنّها مغريّة : «أتوق إلى الروح التي تضيء العتمة لتصلَ إليّ/ وأرى/ في الوجود أشياء أفضل/ حان لي أن أسعى إليها».

وإذ تستعمل الشاعرة فعل (أرى)، فلأنها تتجّنب الخوض في التجربة، لذا فهي تنأى بذاتها، ولا تفصح عنها، بل تسكن إليها : أدخل ذاتي كلّما تغرّبتُ/ وحين يخذلني الأحبّة/ أتكئ على المتاح من وعي الحواس»، فهي تدرك تماماً كيفَ يلجمها المكان الخارجي ويكبّلها، وتوقها إلى التحرّر منه لا يبطن ثورة أنثوية، لذا يغيب الجسد وتغيب الأنا، أمّا «المتاح» فهو ما يسود في قصيدتها.
وبذلك، تبدو خُلود المعلا أمينةً لمشاعرها، لكن منحازةً للشعر، ولعلّ هذا ما يبرّر إلى حدّ ما لغتها الأقرب إلى لغة الصوفيين، من حيث هي لغة تجربة داخلية عميقة، تتميّز بنظرتها الخاصّة إلى الكون وشؤونه : «من كتاب الله/ أفتح باباً/ أبني بيوتاً للمحبّة» أو «لن أغلق نوافذي بعد الآن».

ويظهرُ انحياز المعلا إلى الشّعر باعتباره فنّاً رفيعاً يحرّر الإنسان من خلال السمو به، والترّفع عمّا هو مادّي، عبر فكّ لطيفٍ لتعبير متعارف عليه: «اللغة الأم»، في قصيدتها (أحوالها)، حيث تخدع الشاعرة القارئ حين تبدأ قصيدتها هكذا: «وجهها يسطع في الأعالي/ ألوذ بها لتتمكن طواحيني من الدوران/ أمشي نحوها بقلبٍ مهزوز، لأسكن»، ثمّ تستعملُ مفردة الأمّ صراحة: «أمي،/ مريميّة أحوالها/ وأحوالي مهزوزة»، وإذ تموج الأمّ بالحنان الأنثوي، وترفدها في ذلك مفردات تحيلُ إلى الصوفية : «من ينصفني سواها؟/ بغيابها تصير الأماكن أقبيةً/... ماء وجودي هي، حين تتآكل داخلي الحياة»، تفصحّ الشاعرة عن شغفها بالشّعر الذي ألهمها اقتناص الاندماج الشفيف بين مفردتين مترادفتين لا في المعنى القاموسي بل في المعنى الشعري؛ اللغة/ الأمّ، حيث تقول : « نقاط اللغة هي/ ولغتي ضيّعت نقاطها/... أريدها أن تعلّمني أبجدية الكلام/ تناسل حروفي/ ليختارني الشّعر/ وأكتب قصائد لا تموت».

وإذ تنحاز خُلود المعلا للشعر، تنجح في رسم صور شعريّة مبتكرة ورقيقة وأنثوية: «أخرج/ حاملة مشكاةً فيها نوايا سماوية» أو «من أين تأتي هذه الطيور السوداء،/ من البحر/ أم من هذا الجبل الجاثم على صدري؟»، فهي لا تحضر من خلال «أنا» واضحة بل من خلال طيفٍ أنثوي، يعطي الحضور الإنساني قيمةً عاليةً بقطع النظر عن الأفكار المسبّقة التي تحاصر قصائد الشاعرات، وتحاكمها بما هو خارجها.

ثمة مناطق في الشّعر نفسه، تزّين لخُلود المعلا الانعتاق والانطلاق من دون إثارة حفيظة أحد، فهي مناطقٌ حياديّة «ظاهريّاً» لكنها تموج بانفعالات أنثى أخفت جسدها لتشهر روحها على الملأ : «أتفتحّ كليلكة متوهجةٍ/ قلبٍ يفيض/ في بلاد تبلّلها المحبة/ أمشي فيها بحذر» أو « أتعدّد في المرايا/ كي لا أكون وحدي/ أرسم خطّ العودة / فأجدني خارج المكان»، فالغربة الواضحة هنا، تتحمل تعدّد التأويل، إذ إن القلب والتوهج لا يحيلان إلى كما هو متوقع إلى الجسد، بل إلى «مكان» ما، ليس إلا صورةً من صورة البيت المتعدّدة في هذا الديوان : «يتناسل الحبّ من البيت المضيء/ ذي النوافذ المفتوحة على البحر/ وأنا أسكن داخل بيضةٍ/ وأنتظر الحبّ»، فهو تارة الملجأ والسكنى، وهو تارةً التوق والرغبة، وفي حالاته كلّها يبطن إلى القلق الذي يعصف بأنثى تخشى نفسها لفرط ما مرّ عليها من القيود. ومن خلال هذا، تنجح خلود المعلا فيما لم يكن متوقعاً منذ البداية، إذ إن الطريق التي اختارتها بين الصعب والسهل، أو بين البيت والشمس كمفردتين تومئان إلى ما هو أبعد، ثمّ عبّدتها من خلال الخفر والخجل والمواربة، تفيض على الجانبين، لترسم صورةً صادقةً لـ «أنا» الشاعرة المعبّرة عن ذاتها في واقعٍ لا يمكن تجاهل قسوته في إقصاء الأنثى : «ثمة انعتاق مبهرٌ يسري في أوصالي حين ينام / الكون»، إذ إن هذا «الشرط المستحيل» للانعتاق، قد يكون من الحقيقة وقد يكون من المجاز، لكنه في الحالتين يبطن صوت خُلود المعلا التي تعرف كيف يكون توسيع حدود «المتاح».

د. حسن مدن- جريدة الخليج – 30 أغسطس 2008

خُلود المُعلا في أصيلة

قبل أن أعرفها أو التقيها قرأت لخُلود المعلا، منذ سنوات طوال خلتْ، نصاً طازجاً ما زال مطلعه عالقاً في ذهني...

عودة >>

د. حسن مدن- جريدة الخليج – 30 أغسطس 2008

خُلود المُعلا في أصيلة

قبل أن أعرفها أو التقيها قرأت لخُلود المعلا، منذ سنوات طوال خلتْ، نصاً طازجاً ما زال مطلعه عالقاً في ذهني. بعد ذلك التقيتها مراراً، كان بينها مرةً في القاهرة في احتفالية أقيمت، أثناء معرض الكتاب الدولي هناك، تكريماً لاختيار الشارقة عاصمة ثقافية عربية عام ،1998 حيث ألقت خُلود شعراً ضمن برنامج الاحتفالية.

وفي كل مرة ألقاها أذكرها بذلك النص الجميل، الذي شكل مدخلاً لي للتعرف إلى تجربتها الشعرية، التي تمثلها الآن أربعة دواوين: هنا ضيعت الزمن، وحدك، هاء الغائب، وأخيراً: ربَّما هنا، ديوانها الأخير الصادر عن دار الفارابي بيروت.
كما في مجمل سيرتها الشعرية حتى الآن يشف نص خُلود المعلا عن لغة أنثوية رقيقة، عذبة ربما لأنها، كما تقول في نصها: “هكذا أحيا أسطورتي” تخاف اللغة الملونة لأنها تربك نظرتها إلى الكون. فضاء الحرية المشتهى والمفتقد نجده في ذلك النص الحميم المُهدى إلى لندن في ديوانها الأخير، في ذلك التوق لرفرفة بين الشوارع بقلب مفتوح للحياة، باقتحام جسور لأرض المحال، رغبة في إعادة التشكل الحر من كوابح واقع فج في صرامته وجهامته، يُحرض في ذات الشاعرة كل بواعث التمرد والغضب: “من أين تأتي هذه الطيور السوداء، من البحر، أم من هذا الجبل الجاثم على صدري”.

وفي هذا فإن لغة خُلود المعلا قمينة بأن توصل لمتلقيها ما تختزنه روحها من مشاعر: “سأخرج من هذا العالم بجناحين شفيفين/ مُحدثة رذاذاً مضيئاً/ ربيعاً آخر/ في مكان آخر”.

كما يطل شعور امرأة جعلت من عزلتها شعراً محتجاً على واقع لا يأبه بها ولا يعطيها سوى نقطة في هامشه، فيبدو حضن الأم ملاذاً لأنها تملك المطر، ففي هذا الحضن تنام كامرأة لا تجيد البكاء ويسكنها الشعر، ودائماً يطل البوح عن حبٍ ينأى. لذا تبدو مكابرة الشاعرة كبرياء وهي تخلق هزيمة تليق بقلبها.

خُلود المعلا التي حملت تجربتها الشعرية إلى الفضاء العربي، نالت باستحقاق جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب التي يمنحها ملتقى أصيلة الثقافي السنوي في المغرب، ونيلها الجائزة حدث يُسعدنا ليس فقط لأن خُلود أهل لها، وإنما أيضاً لأن حركة الشعر الإماراتي تفرض موقعها في الخريطة الشعرية العربية الجديدة بأصوات موهوبة مثلها.

أنور الخطيب – جريدة الإتحاد الإماراتية - 06 مايو 2008  

خُلود المعلا ربما هنا

لم أقرأ شعراً يكاد يلتصق بصاحبه حد التوحد قدر قراءتي لشعر خُلود المعلا، ملأت سطورها بهواجسها، كشاعرة ومواطنة وإنسانة وأنثى، وسجلت يومياتها بأقلام عزلتها وغربتها، وسط حالات متنافرة منسجمة...

عودة >>

أنور الخطيب – جريدة الإتحاد الإماراتية - 06 مايو 2008  

خُلود المعلا ربما هنا

لم أقرأ شعراً يكاد يلتصق بصاحبه حد التوحد قدر قراءتي لشعر خُلود المعلا، ملأت سطورها بهواجسها، كشاعرة ومواطنة وإنسانة وأنثى، وسجلت يومياتها بأقلام عزلتها وغربتها، وسط حالات متنافرة منسجمة، فهي مستقرة وراحلة وغريبة وأليفة ونافرة، مقدمة محجمة، تبحث عن بلادها 'التي لا تعطيني سوى نقطة في هامشها'، و'هذه البلاد لا تأبه بي'، وعن حبيب لا يأتي مع طرق الريح على الأبواب، لكنها تولي وجهها نحو لندن 'تمنحينني بوحاً فضفاضاً، تفتحين بواباتك، فأولي وجهي نحوك كلما أصابني الوقت، في شوارعك أقرأ سيرتي···'· ثم ترتد إلى سنيها 'السنون تتأملني، بلطف تتحسس فعلها فيَّ، تصر على إصابتي بالذبول··'· وبين هذا وذاك تلجأ إلى قراءة الكف 'أنظر إلى خطوط يدي لأزداد ضراوة، فأجد الوقت ما زال مبكراً، لإخفاء فعل القدر··'·
خُلود المعلا دائمة البحث عن عزلتها، حيث تتجلى المفردات المتآلفة المتنافرة 'متى أنام ملء وحدتي'، تنطلق منها لتلج عوالم أخرى أكثر توتراً واسترخاء·

'ربما هنا'، إسم ديوانها الجديد الذي استقينا منه المقتطفات المقوسة، و'هاء الغائب' اسم ديوانها السابق، ولو جمعنا العنوانين معاً سنحصل على جملة (هاء الغائب ربما هنا)، إنه اندماج في اللايقين، فإضافة إلى الغياب، يبقى احتمال التواجد، وكأن خلود تتحرك بثقة في دائرة الشك، وهي علامة على عدم الاطمئنان لشيء، وعدم الركون إلى حقيقة، رغم بحثها عنها في جل ما تكتب، وأخالها ستغض طرفها عنها إذا وجدتها، وتكمل المسير بهواجس تمشي على رمال متحركة، لا تملك شيئاً سوى غربتها، هنالك (في لندن)، 'كثيرة هي الأشياء التي أقتنيها فيك'، والاقتناء تملك من نوع آخر، قد يكون أكثر قيمة·
لا تأبه خلُود المعلا بشكل أو تصنيف ما تكتب، تنساب كجدول لا يعترضه شيء، لا يصب ماؤه في مكان حسي ما، بإرادتها تجعله دائم الجريان، وبإرادتها تجمع كل الماء وتشرب ماء قصائدها·

'ربما هنا'، يجسد حرماناً حقيقياً لأشياء كثيرة، ترغب بها الشاعرة وترفضها، تحلم بها وتحبسها، تبوح بها وتسكت عنها، فلا يرطب تعبها سوى مطر أمها 'تعبي لا حد له، هذه البلاد لا تأبه بي، أمي تملك المطر، ولا فواصل بينهما، في حضنها أخرج من دائرة المحرومين'·

'ربما هنا'، معزوفات على أوتار حالات لا ترتجي تأليف مقطوعة موسيقية، لتبقى حالات تستلذ بإطارها ومحتوياته، حيث الشموخ والانكسار والانطواء والغربة والألفة والانفتاح والهبوط والانطلاق، مفردات تتردد، فلا تكون سوى تناثر حروفها في المساء، تلملمها فيستوي الشعر.

يوسف أبو لوز جريدة الخليج الإماراتية 20/1/2007

خُلود المعلا .. 5 قصائد طويلة الصمت

منذ فترة طويلة وأنا أتعطش إلى قراءة قصائد جديدة للشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، لا لتوق شخصي، وإنما لسببين، الأول يعود إلى اهتمام خاص بالنتاج الإبداعي الإماراتي والذي أكتبه منذ العام 1984 وحتى الآن، وكنت خلال هذه الفترة أراقب حركة الشعر والقصة القصيرة...

عودة >>

يوسف أبو لوز جريدة الخليج الإماراتية 20/1/2007

خُلود المعلا .. 5 قصائد طويلة الصمت

منذ فترة طويلة وأنا أتعطش إلى قراءة قصائد جديدة للشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، لا لتوق شخصي، وإنما لسببين، الأول يعود إلى اهتمام خاص بالنتاج الإبداعي الإماراتي والذي أكتبه منذ العام 1984 وحتى الآن، وكنت خلال هذه الفترة أراقب حركة الشعر والقصة القصيرة أولا عبر أسماء بدأت في نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتوهجت بقوة في النصف الأول من عقد الثمانينات على وجه الخصوص. بعض هذه الأسماء اختفى وعف عن النشر، وبعضها بقى في مسيرة العطاء حتى الآن، وكانت السماء القصصية النسائية تتقدم المشهد الإبداعي في الإمارات، إلى جانب أسماء شعرية نسائية على خطين..خط قصيدة التفعيلة، وخط قصيدة النثر، وكانت خُلود المعلا، من الأسماء اللافتة منذ البداية، ولكنها تنشر شعرها على نحو يشبه "الحياء" من الشعر، لا لعدم ثقة في ما تكتبه، ولكن في ما أظن أنها كانت تبحث عن النضج الذي يعطيها ثقة الإعلان الكامل عن شخصيتها الإبداعية..ولهذا قلت " أتعطش" لقراءة شعرها، لأنها من الأسماء " المحركة" اليوم للنشاط الشعري النسائي في الإمارات.

نشرت خُلود المعلا في الملحق الثقافي لجريدة "الخليج" عدد 6 يناير/2006، خمس قصائد من مجموعة بعنوان "ربما هنا" بصدد الصدور، وهي قصائد نثر هي ذاتها منهج الشاعرة التي تقول : " أمارس شغفي بعرض السماء، هكذا، حرة تماما"، وأعتقد أن الشغف المقصود في هذا النص هو ممارسة الشعر الذي هو بالنسبة إليها "ربما هنا" و" ربما هناك" والمهم أنها "حرة تماما" وهو إسم القصيدة الخامسة المنشورة في الملحق الثقافي.

في هذه القصائد الخمس المختارة للنشر هناك. كما أرى. قصدية واضحة في الاختيار لهذه القصائد التي جاء نشرها بمثابة الإعلان عن صدور مجموعة جديدة للشاعرة.. أما لماذا كان الاختيار مقصودا – كما افترض؟ فذلك، لأن هذه القصائد الخمس تكشف عن نوع من " البناء" الدقيق والسهل في آن، وهو بناء يشير أيضا إلى بساطة وعفوية الشاعرة، وعدم لجوئها إلى التعقيد و"التشرذم" اللغوي والفني الذي عادة ما يصيب عفوية الشاعر والشعر في المقتل. القصائد خفيفة على القلب والعقل والروح..بل وخفيفة على الجسد، وبقدر ما في القصائد من "خفة" فيها أيضا قدر آخر من " الثقل" الذي يرادف هنا "العمق". أما "البناء" الذي أشرت إليه والذي يفصح عن سيرورته بكل وضوح فإنه، أي هذا البناء، يقوم على ثلاثة مفاصل يمكن معاينتها من دون أي تعب وهي:

تواتر وتلاحق الأفعال المضارعة التي تبدو وكأنها صوت واحد، ولذلك قالت "خُلود المعلا": "أنا شاعرة تطيل الصمت ولا تجيد الكلام"، وبالفعل، عندما تنعقد هذه الأفعال في سلسلة طويلة متلاحقة بما يشبه " السرد" يطول الصمت ويقل الكلام.

وهنا الأمثلة على ذلك:
في قصيدة "سماء تستحق المطر" يمكن إحصاء الأفعال التالية:
أغلق.سأرفع.أمضي.أتبين.أمرن.أجتاز.أكون.أبدأ.أترك.أختصر.أتدخل.أبلغ.أضيء.
في قصيدة "لا جدوى" ترد الأفعال المضارعة التالية أيضا:
أغير.أقرر.أتقمص.أشرب.أعبر.أستدل.أدنو.أسير.أجمع.أصنع.أغمض.أرسم.أختار.أتذكر.أنهض.أتزين.ألبس.
أخرج.أطل.أصعد.أتباهى.أغزل.أتحرر.أتوسد.أسكن.
في قصيدة "شاعرة غير استثنائية"، تبدأ الأفعال بالتراجع،أو أنها تقل على نحو ما، وهي:
أشعر.أتحدث.أجلس.أعرف.أشهق.أجلس.أفتح.أحاول.
في قصيدة "خط العودة" ترد الأفعال التالية:
أميل. أستند.أقترف.أحرك.أجتاز.أتعدد.
وفي قصيدة "حرة تماما":
أمارس. أنظر. أرى.أتصالح. أمعن.

كما نرى من هذا التفصيل أو الإحصاء للأفعال المضارعة التي تمثل صوت الشاعرة وقولها وسردها وتقريرها وحضورها، فإن هذه الأفعال كانت متدافعة متلاحقة بكثرة وبقوة في القصائد الثلاث الأولى ثم أخذت الشاعرة تخفف من حدة أو من جريان هذه الأفعال ببطء، ولكن بعدما مهدت بالقول:

"أنا شاعرة تطيل الصمت
ولا تُجيد الكلام
حين أتحدث بقلبي
تتدفق القصائد من فمي أجسادا تتقد رغبتها
لكنني،
أجلس كثيرا الآن
لا أشعر ببعضي
ولا أعرف جسدي"

هذا التمهيد للتخفيف من جريان الأفعال هو أول إشارة إلى "البناء الدقيق" المقصود تماما في هذه القصائد الخمس المختارة للنشر في مجموعتها الجديدة المرتقبة الصدور.
ولكن خُلود المعلا لا تكتفي بهذا التمهيد أو هذا التخفيف لجريان الأفعال المضارعة، فهي التي تطيل الصمت ولا تجيد الكلام، تعلن أو تكتشف أو تكشف قائلة:

"لكنني الأن وحدي"
"هأنذا الآن وحدي"
"أجلس كثيرا وحدي"
"كي لا أكون وحدي"
والتركيز على "الوحدة" هو تمهيد ثان في "البناء" أو في "المعمار" الشعري المقصود الذي نهجته خُلود المعلا في هذه القصائد، وربما، في مجمل قصائد المجموعة المرتقبة، وفي وسط تأكيدها على مشاعر "الوحدة"، ثم في وسط تراجع الفعل المضارع تعلن هذه المرة وبصوت مرتفع:
"أمارس شغفي بعرض السماء
هكذا
حرة تماما"

وتقول:

"هكذا،
حرة تماما
ألون تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج"
ثم تقول في آخر القصيدة في قفلة تأكيدية صارمة:
"حرة تماما
كي لا أكتمل"

لنتتبع الآن المفاصل الثلاثة التي يقوم عليها بناء أو معمار هذه القصائد الخمس.
أولا: الأفعال المضارعة الكثيرة
ثانيا: الاعتراف بالصمت
ثالثا: الإعلان عن "الوحدة"
رابعا: التأكيد على "الحرية"
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الشاعرة فتحت ما يشبه صنبور الماء المتدفق في "مضارع" موصول..مضارع يتكلم حد الصمت. ومن المعروف أن المضارع فعل استمراري أو يفيد الاستمرار، لكن هذه الاستمرارية لها وجه صامت أيضا اعترفت به الشاعرة، وأكثر من ذلك رأت الشاعرة أن هذه المضارعة المتدفقة ماهي إلا "عدم إجادة الكلام".

بعد ذلك، سوف يقود الصمت إلى "الوحدة"، والوحيد كائن صامت حقا وإن كان صمته لغة داخل لغة.

"الوحدة" سوف تقود إلى الحرية التي ولدت من شغف "بعرض السماء".
إن من يقرأ هذه النصوص جيدا، وفق ما اقترحته من مفهوم "البناء" أو المعمار عند خُلود المعلا، يدرك بسهولة كيف يتحول النص الشعري من طاقة مضارعة أو نشاط مضارع قائم أساسا على الأفعال إلى قيم روحية وجمالية، ثم إلى حلم أو قرار أو شغف على هذا النحو المبسط: فعل. صمت. وحدة. حرية. والقصيدة المبنية بهذه المعمارية الشعرية هي قصيدة ذكية، دقيقة، سهلة وعميقة في آن.

خُلود المعلا.. صوت شعري إماراتي يسعى بذكاء وتخطيط إلى شعر استثنائي رغم أنها تنفي هذه الاستثنائية، والنفي أحيانا يفيد التأكيد. في لغتها "وهج" مزيون بحياء الشعر عندما يتقدم هذا الشعر لكي يعلن عن نفسه في الزمن الصعب، والأهم من كل ذلك أن قصيدتها متخففة من البلاغة " المتعجرفة"، وإن كان من حق هذه القراءة الانطباعية الاحتفائية أن تبدي رأيا، فربما من المناسب القول أن هذه الروح الشعريةهي روح شاعرة تغني أكثر مما تكتب..تغني لصمتها ووحدتها وحريتها من دون قلق ولا خوف.

إن أجمل ما في شِعر خُلود المعلا أنه شعر يرفض الأقنعة، وهو مباشر ودافئ مثل بوح الطفل، في زمن كل مفرداته هي ضد الطفولة..طفولة الحياة والشجرة والموسيقا والحجر والغيم. لا مواقف حادة في شِعر خُلود المعلا، ولا مواجهات ولا اتكاءات قصوى على ثقافة تعادي مجد الحياة، فكل مافي الأمر هو شعر. شعر وفقط. شعر مصنوع من هذه الدنيا " التي تطل عليها الشاعرة شمسا تبحث عن يقينها..متباهية في صعودها إلى السماء".

بقيت كلمة أخيرة في هذه القراءة السريعة، وهي أن من أسباب العطش إلى الشعر هو "الجفاف" الذي يستشعره البعض في زمن قليل الماء، والماء هنا هو الشعر الذي ننتظره ونمجده لأنه إشارة اطمئنان إلى أننا مازلنا تحت الشمس وأننا لسنا "ربما هنا" بل نحن هنا.

سامح كعوش - العرب اليوم - أبوظبي -5 /10/2007

قراءة في نص

خُلود المعلا شاعرة من الإمارات تكتب بياناً عن تقاليد الكتابة متسلحة بما للكلمات من كشف عن مخبوء النفس, في رتابة اللغة العادية التي تتقوقع بين جدران اللفظة التي لا تصرّح عن هويتها, ولا تعلن انتماءها الواضح.

عودة >>

سامح كعوش - العرب اليوم - أبوظبي -5 /10/2007

قراءة في نص

خُلود المعلا شاعرة من الإمارات تكتب بياناً عن تقاليد الكتابة متسلحة بما للكلمات من كشف عن مخبوء النفس, في رتابة اللغة العادية التي تتقوقع بين جدران اللفظة التي لا تصرّح عن هويتها, ولا تعلن انتماءها الواضح.

هي السارقة المسافات حتى لتحدّ المكان بخزائن لم تفتحها للغرباء إلا مرةً في العمر, حين الصدق تكتب الكلمات ببحر حبر رحب, وحين هي تقف في المسافة بين الممنوع والمرغوب قولاً وفعلاً, وهي الطفلة التي ترسم للآخرين وجهة الصمت عن عمر تستطلع آتيه من مجهول الحروف وغامض المعاني, وانكسار النفس في لغة البكم, كأنها تتوعد الآخرين بأن تفتح خزائن سرّها, ليتدفق الكلام مرتدياً عباءة القصائد المتقدة بالرغبة, المتدثرة بالصمت لا خوفاً بل عنفاً تمارسه كتابة رافضةٌ الانصياع لقيم الشعرية الخرساء إلا عن التكرار والاجترار, تقول:

قصائدي مكدسة في خزائن لم أفتحها منذ عمر
أنا شاعرة تطيل الصمت
ولا تجيد الكلام
حين أتحدث بقلبي
تتدفق القصائد من فمي أجساداً.

وهي شاعرة الموقف الإنساني الذاتي المحض, تبني لها عالمها الخاص الدافئ, كرسمها السماء التي تستحق المطر, وإعلانها العصيان الشعري والوجودي معاً, في التوبة عن المدنية العقيمة هاربةً إلى فناء منزلها الخلفي, لأنها أنفت النفوس القاحلة, ووقفت هناك في ذاك الفراغ المحبب, تزرع بساتين اللغة بالحرف الورديّ المجتاز كسوف الحروف والذات, مبشّرةً بالأفضل الآتي مع ولادة الشعر الجديد, شعر الأنثى الممطرة التي تعطي للسماء قدرة الانهمار, والمطر, في جنون اللحظة الشعرية الكاشفة, تعلن الثورة بحركية فعلية عابقة بالعطر مبشرةً بالفجر, وانتقالية زمانية بين الماضي والمستقبل تواًّ, في أفعالٍ أسندتها إلى الأنا الشاعرة, »لن أغلق, سأرفع, وأمضي قدماً, سأختصر العتمة, وأتدخل, لتتسع حقولي, وأبلغ قمة الجبال النقية«. مستريحةً طويلاً في الحاضر الأبهى الذي ترتضيه لذاتها, في الكشف, والتمرّن على القول المسنود إلى شخصيتها الجديدة, لتعلن الاجتياز المنتظر, كأن تفعل »هكذا أكشفني, أقرأني بصوت عالٍ, لأجتاز كسوف الذات, أكون أفضل مما مضى, أترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً«, تقول:

هكذا أبدأ مسيرتي الجديدة
وأترك الفعل الماضي يطير خلفي أسراباً
والفجر فاتحة أمري
منذ الآن
سأختصر العتمة
وأتدخل في تحديد مسارات الريح
لتتسع حقولي تحت سماء تستحق المطر.

وخُلود المعلا تمحو أطياف العتمة, لتعلن القصيدة صديقة الفجر الصادق في تنفسه الشفيف, وانهمار قطرات نداه على أعين النائمين, تختصر ظلمة الليل بشمس قصيدة تطلع على شهيق الحنجرة بالصراخ, كما ديك الحياة تطلع من حنجرته كلّ صباحٍ كما يليق بالحياة أن تكون. وهي تبدأ بالحرف مسيرتها إلى مسارات جديدة للريح تفعل بالشعرية ما لا يستطيعه إنسانٌ بالملموس من قدرات التغيير والاعتراض, فالروح لها قدرة شاعرة على بلوغ قمة الجبل, كسيزيف الأسطورة, أو أيوب الوجع, أو هي احتمال أنثى ضيمَ ألف عام من الانزواء, والخوف الوجودي, والأسر في عجز اللغة عن قول القليل, من حضورها الإنساني النبيل, تعلي شأنه خُلود المعلا, لتعيد إبرازه كقيمة أولى.

هي أنثى الشعر الجديد والكتابة العابرة, شاعرةً بما للأنثى من اقتدار حميم على ملامسة شغاف الحياة, والاستدلال على درب النمل إلى خلاياه الترابية الدافئة, تقيه برد الشتاء, وحرّ الصيف, وتقرّبه دوماً إلى أنفاس الأرض وعبق الطين.

وهي المعلنة لقاءها الأزلي مع الممكن في الحياة, في تفاؤلية غريبة على معشر الشاعرات البكّاءات, تفاؤلية اللحظة الدافئة حين يعلن الفرد انتصاره على الرتابة, بأن يغير عاداته كلّ ليلة, وأن يشهر عزلته ليتقمص الانعتاق, ويبحث عن روعة الحياة في الشعر والهواء والمطر, يجمع ما تبقّى من فضائل لهذا الكون الأعمى, صانعاً منها مرايا قلبه, ليستعيد قامة النخل, وامتداد البحر في الأزرق القريب البعيد, كأنه السماء, أو حلم الشاعرة في غد حكاية لم يروها الرواة إلا همساً.

هي شاعرة غير الشاعرات, شاعرة مطر وبحر وانهمار, تكتب في فراغ الصفحة ما امتلأت به النفس من فرح, تعلن دوراً لها لا يفقهه الذكور وإن جرّبوه تكراراً منذ ولادة, وليلى, ولبنى, وعبلة, وكل الشاعرات الإناث, والملهمات اللواتي لولاهن ما كان الشعر, ولا كتب الشعراء.

خُلود المعلا تكتب شعراً جديداً يقوم على الدهشة المحببة, الابتسامة المرسومة حروفاً بيضاء في فضاء الزرقة السماوية أو البحرية لا فرق, كشاعرة تعيد اكتشاف الجميل من تفاصيل الحياة, حين هي تحمل مشكاة ضوء, متسلحةً بنورانية الوجود ضد عدمه, وعتمته, لابسةً الورد لتتباهى في صعودها وارتقائها سلّم اللغة الحالمة, تغزل سرباً من المدن المضيئة التي تحتضن بعضها في دفء الفرح الشعري في نصها النابض بالحياة, يلعن الصمت عن الحق, عن حقيقة الأشياء, في تشكلها الأجمل كقصيدة أو زهرة في برية, وسط حقل أخضر يعلن اخضراراً أبدياً للروح, واعتلاءً محلقاً في سماء انهمار الفرح على الأرض بالكلمات.

أحمد أبودهمان - جريدة الرياض – العدد 26 مايو 2005

خُلود الشعر

ونعني هنا السيدة خلود المعلاّ، التي كانت ضمن شاعرات العالم العربي المدعوات لمعرض فرانكفورت. والشعر ليس ما تكتبه خُلود المعلاّ فقط. فهي شاعرة كتابة وإلقاءً وحضوراً...

عودة >>

أحمد أبودهمان - جريدة الرياض – العدد 26 مايو 2005

خُلود الشعر

ونعني هنا السيدة خلود المعلاّ، التي كانت ضمن شاعرات العالم العربي المدعوات لمعرض فرانكفورت. والشعر ليس ما تكتبه خُلود المعلاّ فقط. فهي شاعرة كتابة وإلقاءً وحضوراً. كأنها هبطت من سماء الشعر لتمر كقصيدة مكتملة، أليفة، محتشمة، كأنها لا تعرف أحداً، ولا تنكر أحداً، مثل نسمة، مثل وردة، وكأنها تقول للآخرين إن على حدود الربع الخالي شعراً وأنوثة وإنسانية لم يعرفها أحد من قبل.

استمعنا مع الجمهور الألماني إلى قصائد خلود المعلاّ. لم تكن وحدها على المنصة، لكنها كانت تبدو وحيدة لمن ذاق الشعر ولو مرة واحدة في حياته. الشعر في خلود صلاة وإيمان وأدعية وحب وحياة.

وكم هو بائس من لم يقرأ بعض ما كتبته، إن لم يتمكن من قراءة كل ما كتبته، وهنا نهدي لقارئ هذه الزاوية قصيدة لا تشبه أي قصيدة أخرى. وهي بعنوان:

لو أنه
لو أنه يفتح فنجاني
ويحدّث نجمي
لو يقرأ طالع قلبي
ويدخل مداراتي
سيعرفني
في روحي أماسيّ حيري
أقاليم عامرة بالبوح
دفاتر ما قُرئت
ما كتُبت
ما فتُحت، حكايات من ألف دهر
لو يقرأ آياتي
يَكشف أسراراً قدسيه
نوراً يرتد من لوني
جسداً مفتوناً بالفجر
دفئاً آخر
وحده لو يجمع أوراقي
تصير الشمس قصيدتنا
وبكائي أغنية
وغمامي أنهاراً كبرى
سيحط نجمه فيَّ
سيعرفني
ويفهم كتاب صلاتي
أزلياً يبقى
مأخوذاً بالسر الأكبر
لو
يعرفني

القصيدة من ديوانها «هاءُ الغائب» دار الفارابي بيروت 2003م والشاعرة تحمل ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت وماجستير في إدارة المشروعات من بريطانيا وبكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الإمارات. ولها مجموعتان شعريتان قبل هذه وهما «هنا ضيعت الزمن» القاهرة 1997، «وحدك» الدار المصرية اللبنانية 1999.

د. صلاح فضل – جريدة الاتحاد – 20 نوفمبر 2004

نغم مبطن يؤنس وحشة القصائد

خُلود المُعلا شاعرة من الإمارات العربية، تصدر ديوانها الثالث بعزم وثقة، طوعت دراستها الأولى في فنون المعمار والإدارة لموهبتها الإبداعية في اللغة العربية، فتلبست بحالات الشعر وتمثلت عوالمه بكفاءة بارزة...

عودة >>

د. صلاح فضل – جريدة الاتحاد – 20 نوفمبر 2004

نغم مبطن يؤنس وحشة القصائد

خُلود المُعلا شاعرة من الإمارات العربية، تصدر ديوانها الثالث بعزم وثقة، طوعت دراستها الأولى في فنون المعمار والإدارة لموهبتها الإبداعية في اللغة العربية، فتلبست بحالات الشعر وتمثلت عوالمه بكفاءة بارزة. وأبحرت في سفن التراث فتشربت روحه، وعاينت كشوفه، لكن روح التمرد العاصف التي تدفع بالشباب إلى القطيعة في جزر قصائد النثر غلبتها على أمرها، فمضت تعلو موجتها، مصطحبة معها زادا من الإيقاعات المتداخلة وكسر التفاعيل التي تعرف صوغها وتدرك انسجامها، لكنها تكتفي منها بنغم مبطن يؤنس وحشة القصائد المنثورة، ويؤطر تجربتها الطازجة في الحب والوجد والإبداع.

وهي مثل كل الشواعر الجدد تثير الدهشة باكتشاف ذاتها وهي تعاين الكون من حولها، وتعرف كيف تعثر على صوتها الخاص وتصقل نبراته وهي تتمتم بمثل هذه السطور:

" أنا المولودة من السر
تجهلني أقدام العابرين
وبليدة دقة الزمن حين أدخل أكوانا ليست لي
من يضم ما بقى مني
يراجع تاريخي
سأصطحب السماء يوما
سأبكي حتى يصير البكاء تلاوة
وأصير آخر حضن للفراق"

ويمكننا أن نلاحظ هنا بروز النهج الحداثي في التعبير، حيث تعتمد على المفارقة والإشارة اللافتة للغياب والاختلاف، فهي تعرف ذاتها بسر الولادة وتجاهل الآخرين وسلب البلادة من زمنها، وتناشد من يراجع التاريخ لتطول السماء وتصنع مقدسها الخاص؛ إذ يصبح بكاؤها ترتيلا، وحضورها يمتزج بالفراق. ويسمى النقد الحديث هذه التقنية التعبيرية الشعرية "انخفاض درجة النحوية"، لا بمعنى خروجها على قواعد اللغة في التركيب النحوي، فهي سليمة وفصيحة، ولكن بخروجها عن الأعراف المألوفة في الإسناد اللغوي، تفعيلا للتخييل وإشعالا لوهج المجاز. فالأقدام مثلا لا تعرف ولا تجهل، لكن اختيارها يثير دلالات عديدة، واصطحاب السماء كناية لها معناها، وعندما يصير البكاء تلاوة ويصبح صوت القصيدة حضنا للفراق، كل تلك الإسنادات المخالفة للمألوف عبر القصيدة المطولة التي اقتطعنا منها هذا الجزء ترفع حدة الشعرية، لأنها تثير انتباهنا إلى ما يولده الكلام من معان خفية وما يختطفه من إشارات غامضة، والقصيدة بكاملها تدور حول المعاني لاقتناص ما يتراءى لها من صور التخييل والتمثيل.

إذا كان الشعر ينبجس من نبع التردد والترجيع، ويفيض في تربة المعنى الصلد الأملس، فإن الشعراء الموهوبين يعرفون إلى جانب تشقيق اللغة عمليات أخرى من توزيع المرجعية حتى لا يستقر الكلام على وجه واحد. وهاء الغائب التي تتخذها خُلود المعلا عنوانا لمجموعتها الشعرية ضمير شقي لا يعرف السكون ولا يرضى بالوضوح في حضن عائد ووحيد، لأنه يبغي إدماج الكل في واحد، وتشقيق الواحد إلى متعددين مختلفين. ولنتابعه في إحدى القصائد المثيرة بعنوان "حان الهوى" حيث تقول:

فتحته/ انهمر/ وجهه وجهي/ حاله حالي
في بحره/ السواحل تغفو / ولا شراع
أظهر محملة به/ لوجده ساجدة
فاطلع في أضلعي/ عد نقاطي
هكذا يحين/ ينسكب/ يمتد في نقطته
له آن الدخول/ حان الهوى
بابه مختوم/ لا هو في الأزمنة/ ولا في الأمكنة أنا
بعده لن أترك مفتاحي/ أنا المسكونة
بالمطر/ والعشق/ وبه.

ولابد لكل قاريء أن يحاول تسكين ضمير الغائب على هواه؛ فيجرب مرة إحالته للشعر، ومرة أخرى للحب، وثالثة للمحبوب، ورابعة للشوق المبهم المجهول، ولغير ذلك مما يخطر على قلوب المريدين، لكن يظل الغياب مصدر القوة والإيحاء والخصوبة في كل القراءات، لأنه هو الذي يوحد بين كل تلك الدلالات، في الوقت الذي يسبكها جميعا في مصهر التعدد.
ميم الموت

كان القدماء يرون في الحروف أسرارا خفية، وللكلمات قوة سحرية، وكثيرا ما اقترن الشعر في وعيهم بالسحر. حيث يفجر كل منهما في روح الإنسان طاقة لا يعرفها، ولا يتوقع تجددها. ومهما أضاء العقل والعلم من مساحات الكون ستظل هناك مناطق مروعة في ظلمتها وعذاباتها، وربما كان الموت أفدح هذه المناطق وأعصاها على الفهم والألفة. ومن الغريب أن تقف شاعرة شابة أمام أبوابه لتطرح مواجدها، لكن صحبتها لكبار المتصوفة وتأملها لمقاماتهم أتاح لها أن تدخل أبوابه المشرعة المهيبة، وتمسك بحرفه الأول في قصيدة "ميم الموت" حيث تقول:

ميمه حزني الدائري/ فارغ بغفوته الكون
والدنيا هو بابها
..........
لم أملك من الوقت ما مضى؟ لن أملك أساي
موته قابض على فجري/ والعين جمرة
..........
المواسم خبرتني أفوله
أيلول يتيم/ وجهه مداري
وقصيدته الأخيرة ضيعت لغتها/ أنكرتني
..........
في الطفولة والعمركان
بعده البلاد تهاوت/ ضاقت على ساكنيها
قمر أسود صار ليلي/ والحزن أزرق
فهل تهجرني ذاكرتي؟
..........
حاءه حاء حبي/ وحاء حزني
ميم الموت ميمه/ فراقه حل
فمت/ ودام

لن نبحث عن سر الحروف في هذه المقطوعة، ولن نتعقب أصداء التراث الشعري الغزير الذي تتكئ عليه، كما لن نجري وراء الظنون في اكتشاف مرحعية ضمائرها، فهذا مراس نقدي تعود عليه القارئ، ولكننا نكتفي بأن نكتشف ما فيها من ذكريات الطفولة في الفقد، وأوجاع الفجائع التي أحالت أقمارها إلى السواد، ولنتأمل حالة التوحد بين الحب والحزن والفراق لنركز بصرنا على جديلة الحياة والموت وهي تتبادل الكينونة فتهب الوجود دلالته العميقة وقراره الشجى الراسخ في الوجدان. تعرف الشاعرة خلود المعلا كيف تصمم قصائدها في أبنية متراكبة، تبرز صوتها الأنثوي المتميز، وتقدم كشوفها في عالم الوجد الشفيف مضمخا بالولع الشعرى. في مقطوعات تبدو كأنها تجليات منتظمة لحالات متراسلة، فهناك وحدة غنية في البواعث، وتآزر جلى في الإشارات، ونسق متناغم من النبرات، إلى جانب هذا المهاد الصوفى الوثير الذي يضفى صبغة وجدانية حميمة على الصور والمواقف واللفتات، وهى تنطلق من الكون لترتد إلى بؤرة الذات حيث تقول:

"تضيق البلاد/فأدرك مصابي
ليال تعيدني إلى سيرتي الأولى
أتذكر دخولي أرضا/ صارت سماء
أستعيد قبلة البدء
...................
شاغلي وانشغالي/ أسعى في مداره
الأمكنة لا يملأها سواه/ بين أضلعي يجري ماؤه
فأين المصب؟
قلبي ذائب في بحره/ ولايغيب.

وإذا كان الواضح أن االهاء هنا تعود إلى الشعر في الدرجة الأولى فهو الذي يحيل الأرض سماء، وهو الذي يفيض بمائه على مريديه، وهو الذي تسعى الشاعرة في مداره، وتذوب في بحره، فإن تاريخ ضمير الغياب المكتنز بالدلالة عبر الديوان كله يظل مصاحبا للقارئ خلال رحلته الممتعه في هذه التجربة الإبداعية الفريدة.

يوسف أبو لوز - جريدة الخليج الإماراتية 05 نوفمبر- 2003

خُلود المعلا في ديوانها الجديد " هاء الغائب"

مقدمات جيل التسعينات الشعري في الإمارات كانت تتشكل خلال العشرين عاماً الماضية على أيدي عدد من الشعراء والشاعرات كانوا قد ولدوا قبيل أو بعيد قيام دولة الاتحاد...

عودة >>

يوسف أبو لوز - جريدة الخليج الإماراتية 05 نوفمبر- 2003

خُلود المعلا في ديوانها الجديد " هاء الغائب"

مقدمات جيل التسعينات الشعري في الإمارات كانت تتشكل خلال العشرين عاماً الماضية على أيدي عدد من الشعراء والشاعرات كانوا قد ولدوا قبيل أو بعيد قيام دولة الاتحاد، وبالتالي، مع ظهور المؤسسات الثقافية التي كان من أدوارها الرئيسية احتضان هذه الكوكبة من الكتّاب الشباب، وعندما نقول الشباب، فإنما نقارن بين شباب الدولة وبين شباب أبنائها المبدعين خلال ثلاثة عقود نهضت خلالها دولة الإمارات وتجاوزت الزمن وسارعت من بناها التحتية والبشرية والتنموية، ولذلك، عندما يقال أن الإمارات سجلت ازدهاراً حيوياً شاملاً في زمن قياسي، فإن مثل هذا القول لا يأتي من فراغ، فله دلائل ومؤشرات بدءاً من الاقتصاد مروراً بالسياسة وانتهاءا بالثقافة.

وقد اشتغل جيل السبعينات وأواخر الستينات من القرن الماضي في الإمارات على نفسه بنوع من العصامية الأدبية والاعتماد على الذات المبدعة، ذلك بأن المحيط الذي وجد ذلك الجيل نفسه فيه كان محيطاً صعباً من حيث الاتصال بعواصم ومراكز الثقافة العربية إلى حد ما. ومن أوجه تلك الصعوبة اعتبار منطقة الخليج منطقة إنتاج نفطي فحسب، وليست منطقة إنتاج ثقافي أيضاً.
طبعاً، مثل هذه النظرة كانت مغلوطة في حينها، وسيتم تصحيحها في ما بعد عندما تصبح الإمارات من أهم الأقطار العربية من حيث التنمية الثقافية. يشهد على ذلك تعدد المؤسسات الثقافية وتبني الصحافة للإبداع والمبدعين وانتشار الكتاب الإماراتي وظهور معارض الكتب إضافة الى إنشاء العديد من الجوائز الموجهة الى الطاقة الخلاقة لدى الكتاب المحليين وإخوانهم العرب.
أما جيل الثمانينات في الإمارات فهو الجيل الذي قطف "الثمرة الذهبية" إن جازت العبارة، فقد تأسس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات وتأسست دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة والمجمع الثقافي في أبوظبي ثم تأسيس ندوة الثقافة والعلوم في دبي. هذا الجيل سيكون بمثابة منصة انطلاق للحراك الثقافي الإماراتي عبر ظهور العديد من كتاب وكاتبات القصة والشعر إضافة إلى الانفتاح المتتالي على أشكال الفنون الأخرى ومن أبرزها الفنون التشكيلية والفنون المسرحية.
وكانت تلك الحصيلة هي المقدمات الموضوعية لظهور عدد من الشعراء والشاعرات في مرحلة التسعينات. ومن هذه الأسماء: إبراهيم الملا، الهنوف محمد، عبدالله السبب، مسعود أمر الله (اتجه الى السينما) وخلود المعلا، وغير هؤلاء من شعراء وشاعرات.

نقف هنا عند الشاعرة خلود المعلا لمناسبة صدور ديوانها الثالث قبل أقل من شهر عن "دار الفارابي" في بيروت وبالتعاون مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. الديوان حمل اسماً لافتاً وهو "هاء الغائب"، وقبل ذلك أصدرت خلود المعلا: "هنا ضيعت الزمن" (1997)، و"وحدك" (1999)، والشاعرة المعلا تحمل بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الإمارات، وماجستير في إدارة المشروعات من جامعة ريدنج (بريطانيا) إضافة الى ليسانس لغة عربية من جامعة بيروت.
ومن المفيد أن نذكر التخصصات الجامعية لهذه الشاعرة ذات العقلية العلمية كما يبدو من دراساتها، فعندما يجتمع الشعر والعلم نجد أنفسنا أمام نصوص شديدة التكثيف والإيجاز والاختصار هي أشبه بالإشارات وربما "المعادلات" المضغوطة في عدد قليل من الكلمات ويسمي بعض النقاد هذه الخصيصة "الاقتصاد في اللغة"، وسيظهر ذلك في مجموعة "هاء الغائب" للشاعرة خلود المعلا.

ومع المرور على "تضاريس" هذا الديوان، ربما أمكننا الاستعانة بالعنوان "هاء الغائب" للدخول في مناخات هذه الشاعرة التي تختار قصيدة النثر بلغة قليلة ووجع كثير.

فالشاعرة، كذات، غائبة تماماً، وصحيح أنها تستخدم ضمير المتكلم كثيراً في هذه النصوص، ولكنها مع ذلك تختفي وتغيب خلف هذا الضمير، أما الشخصية التي تخاطبها المعلا في هذه القصائد، ولنقل "بطل القصائد"، فهو أيضاً "بطل" غائب، ولا يحضر منه إلا "الهاء"، إشارة إلى اسم غامض تذوب ملامحه في الشعر، وهذا الغائب قد لا يكون "شخصاً" بعينه، وقد لا يكون "بطلاً" بقدر ما هو فكرة بطل. إنما هناك "معنى" تلمح إليه الشاعرة، وسيظل "الغياب" هو الطابع العام لمجموعة هذه القصائد التي تحول الحب إلى زمن، كما أن الشعر هنا إدراك للفراق يصبح فيه الليل ظمأ:

"أنا لليلة للبكاء.. وله
كلانا واحد
والحب فينا زمان مقيم".

ولن تذهب خُلود المعلا الى الثرثرة، كما لا يعنيها الركض وراء تداعيات الصورة الشعرية مكتفية بكل هذا الهدوء والقدرة عليه في زمن صاخب مملوء بالأصوات والألوان الفاقعة الحادة، وبالفعل يختفي الصوت واللون في هذه القصائد وكأن الشاعرة تختبر قدرة اللغة القليلة على تعويض ما تتطلبه الأذن والعين.
تبدو قصيدة خُلود المعلا ذاهبة إلى "المحو"، هي قصيدة أثر صغير معرض للريح، فكأني بها تكتب على وجه الماء أو على وجه الرمل، تكتب بخفة وأناة وتأمل، تكتب بما يباشره ويمليه عليها ضعفها الإنساني إلى مجاورة قوتها أيضاً، هذه القوة "الضعيفة" الصغيرة النائية في شعر بالغ الغياب، ومحمل بالأسى الشفيف:
"لم أملك من الوقت ما مضى
لن أملك أساي
موته قابض فجري
والعين جمرة".

لكن "هاء الغائب" ليست هي وحدها خيطنا الذي يدل على "الكائن" الذي يعيش في رحم هذه القصائد. ستعمد الشاعرة إلى بعثرة أجزاء إسم هذا الكائن في فضاء شعرها الهادئ الموزون على بحرها هي كشاعرة تستخدم اللغة كما يستخدم الطفل الألوان المائية المنسربة بين أصابعه الناعمة، فالطفل يرسم ولا يعرف المعنى العفوي خلف هذه الرسوم، كذلك، خلود المعلا، ثمة طفولة في هذا الشعر الذي يهرب من الخبرة والاحتراف ولا يريد أن يقدم معرفة كاملة.
وفي هذا الشعر تنفتح الذاكرة أيضاً، تبدو ذاكرة طفولية مداها الزمني ليس طويلاً، ومع ذلك "تستمتع" الشاعرة بجزيرة ذاكرتها، يقول "انريكو ماريوسانتي" في عبارة جميلة له وهو يعلق على شعر "نيرودا" الشعبي الطفولي: "قد لا يكون الإنسان جزيرة، لكن ذاكرته هي جزيرة قائمة بذاتها". وفي جزيرة نفسها تتكلم خلود المعلا، تخاطب نفسها وتخاطب غائبها، تحول الكون إلى مدينة، وتختبئ في ليلها.

إلى ذلك، تحمل هذه القصائد "الخفيفة" ثقلها الخاص، وهو ثقل الشاعرة ذاتها، إنه ثقل العاطفة المتأججة، عاطفة الشعر وعاطفة الشاعرة معاً في بوح لا تنقصه جرأة من دون أن تكبّل لغتها بالرمز:
"روحي نصفها نأي وكلها عشق.. فمتى
يدخلُ دياري، ويستقر؟".

هذه العاطفة لا تنكشف في المباشرة والابتذال. تظل تظهر بما يشبه الطيف الذي يشي بصوفية ناعمة تغلفها مشاعر الغربة ووحشة اللجوء إلى الكتابة.
لاجئة، خُلود المعلا إلى الشعر، هاربة إليه ولائذة به، تجترح من الشعر ليلاً لهدأتها وكتاب مخاطباتها إلى الغائب، وربما، كتاب مخاطباتها إلى غيابها.
إن مثل هذا الشعر إنما يتعب صاحبه لأنه يبحث عن خصوصية إبداعية، هكذا تريد هذه الشاعرة. إرادة الضعف وإرادة القوة أيضاً، فهي كما تقتصد في اللغة وتصفيها تماماً بطرف عباءتها أو بمنديل أبيض، فهي كذلك، تسعى إلى أن تتخلص من أي تأثير خارجي على قصيدتها. تهرب خُلود المعلا من المرجعيات ومن الأصوات العالية ومن "اللغة الكبيرة". تهرب إلى ذاتها وإلى غيابه وغيابها في ما يشبه "الترانيم" أو "السونيتات" العابرة والوامضة مثل النجوم البعيدة.
بأقل ما يمكن من الشعر تقول الشعر، لا تبعات كثيرة ولا أعباء، وبالنسبة إليها القصيدة بحيرة في حجم خاتم، فإذا فاضت، أمست قلادة. وإلى جانب الذاكرة تحافظ على الطفولة، طفولتها التي تكبر مع الزمن، وكأنها خائفة من الزمن وخائفة من غياب هذه الطفولة:
"في الطفولة والعمر كان
بعده البلاد تهاوت
ضاقت على ساكنيها
قمراًأسودصارليلي
والحزن أزرق
فهل تهجرني ذاكرتي؟".
وبكلام قليل وخفيف أيضاً تماهياً مع روح هذا الشعر، سنقرأ في "هاء الغائب" رغبة شاعرة تحب ما تكتب. الثقة، أيضاً، ملمح آخر للكتابة، تكتب خلود المعلا بلا اندفاع ولا مبالغة كما لو تصوغ شعرها بالحياء محافظة على روح اللغة التي تتمثلها على أنها "أنثى" أخرى. والقصيدة هنا، امرأة في امرأة، ومكان الشعر هو الغياب. أما الحضور فهو للغياب ذاته. الحضور للذاكرة والطفولة، ولهذه الابتهالات الصوفية من دون إثقال على الشعر الذي يموت بموت خصوصيته.
ثلاث مجموعات شعرية لخلود المعلا في ست سنوات. خبرة متأنية، دقيقة، وخطوات حذرة ولكنها واثقة. وجع الإنسان يعتقه ويدفع به إلى الثقة بإنسانيته، بإنسانية الشعر وعالميته وشموليته إذا كان هذا الشعر يحكي عن حياة الكائن الغائب والحاضر معاً في مثل هذه الصياغة الإبداعية الهادئة.

أحمد الشهاوي - مجلة نصف الدنيا – 402 - 26/10/1997

على الرغم من أن خلود المعلا تبدأ ديوانها الأول " هنا ضيعت الزمن" منذ السطر الأول بيقينية لافتة " كنت أعرف.." والتي تتكرر سبع مرات في القصيدة الأولى "تشابه" فإنها بشكل عام لاتعرف اليقين في الكتابة...

عودة >>

أحمد الشهاوي - مجلة نصف الدنيا – 402 - 26/10/1997

"على الرغم من أن خلود المعلا تبدأ ديوانها الأول " هنا ضيعت الزمن" منذ السطر الأول بيقينية لافتة " كنت أعرف.." والتي تتكرر سبع مرات في القصيدة الأولى "تشابه" فإنها بشكل عام لاتعرف اليقين في الكتابة، باعتبار أن لا يقين في الإبداع، وإنما نحن أمام قلق يحير وسؤال دائم يهجس، ومن ثم تنتقل الشاعرة من حالة إلى أخرى بحيث يتشكل الموقف الذي يجمع الأحوال في لغة وروح واحدة، وهذه الروح التي تتوق للوحدة والعزلة أحيانا والبحث والرحلة، يشكل الماضي هاجسها الرئيسي، بحيث تتداخل أزمنة شتى وأماكن عديدة أليفة ولكن يظل الفوت له سطوة لغوية وروحية على الشاعرة التي تكتب تحت هذه السطوة. الديوان في دروبه المتنوعة، والتي تخلق في النهاية نقطة التقاء، أو مايمكن أن نسميه طريقا رئيسية، تتزاوج فيها اللغات والأحوال والمواقف والرؤى والأزمنة والأمكنة، بحيث نصير أمام كون له ملامح مرسومة بفوضوية لا بدقة المهندسة. الشاعر عادة يهندس قصيدته بفوضاه، ومن ثم نرى الدقة أو البراعة أو الخلق في التكسر والتشتت والضياع، فمن الشرود والتيه تولد حال أخرى لها روح تدل...وإذا كان الباطن المخبوء المسكوت المسكون يرصد التواريخ والأزمنة، ويكتب التفاصيل بدقة، فإن الراهن الواعي المدرك حاول أن ينفي هذه الأزمنة بل ويلغيها تماما. فنرى أن الديوان غير مؤرخ من ناحية الأزمنة التي كتبت فيها القصائد أو السنوات التي كتبت فيها القصائد... والشاعرة كأنها تنتظر بزوغ أو ظهور "شيخ الوقت" الذي معه ترى وترحل وتعشق وتسافر وتنأى وتقترب وتمارس طقسها، وهذا الشيخ الذي يحمل ملامح لها صفات النبوة والملائكية ومنها الصفاء والنور والشفافية وضياء القلب وطهر السريرة، يرتقي بها ويعلو إلى نقطة شريدة غير ثابتة في سماء ما غير مدركة أو معروفة فيها تفكر وتبدأ الكتابة بعدما أرهقها الاعتزال محاولة إضاءة عتمة الباطن، أي استيلاد النور من ظلمة الروح".