فنجان زنجبيل

أحمد زين - جريدة الحياة - 16 أبريل 2013

خلود المعلا : أستلهم قوتي من لغتي ... وأمي خافت علي من الشعر

تتحول القصيدة لدى الشاعرة الإماراتية خلود المعلا إلى ملاذ ومناسبة لتأمل الذات والإصغاء إلى أصوات الكون، ورؤية اللامرئي، في محاولة إنقاذ لهذه الذات، وانتشالها...

عودة >>

أحمد زين - جريدة الحياة - 16 أبريل 2013

خلود المعلا : أستلهم قوتي من لغتي ... وأمي خافت علي من الشعر

الباب/ الصفحة: 18 - آفاق

تتحول القصيدة لدى الشاعرة الإماراتية خلود المعلا إلى ملاذ ومناسبة لتأمل الذات والإصغاء إلى أصوات الكون، ورؤية اللامرئي، في محاولة إنقاذ لهذه الذات، وانتشالها من السقوط في دوامات الواقع. وليس بالضرورة أن يكون الملاذ الذي تتيحه القصيدة لها وحدها، إذ يوجد من هم في حاجة إلى ملاذ أيضاً،"أولئك الذين يسمعون صوتي من خلال القصيدة، أياً كانت قصيرة أم طويلة، طالما أنها تقتحم مساحات الذات الإنسانية بكل محبة كقارب نجاة".

يطغى القصر والكثافة على نصوص المعلا، ولئن بدت الحال هي التي تقترح أن يكون النص قصيراً أم طويلاً، فإنها تؤمن بأن تكثيف لغة القصيدة هو الأصعب دوماً،"ولا يمكن أي شاعر أن ينجح في كتابة القصيدة المكثفة إلا إذا كان مستوعباً تماماً الحال التي يعيشها".

الحاجة هي ما يدفع صاحبة"وحدك"إلى الكتابة من أجل مواجهة الواقع والحياة. وعندما يكون فعل الكتابة ينتج من الحاجة، فإن الأطر والأشكال والقوالب الفنية لا تعود مهمة، أو تقع في آخر قائمة ما هو مهم.

التلاشي، الزوال، الذوبان، مفردات أساسية في المعجم الشعري لدى خلود المعلا، كأنما تحاول الإمساك بأشياء وحالات يصعب الإمساك بها، كأنما أيضاً تلك المفردات تعني الفقدان وما يرافقه من محاولات للتشبث."إنه نوع من التشبث بالحياة وبذل كل الطاقات لإعادة صوغها في شكل يمكنني إدراكه والتعامل معه"، تقول خلود المعلا:"نوع من إعادة الخلق لضمان النجاة والقدرة على مواصلة المسير".
خلود المعلا شاعرة مُولعة بالتفاصيل في حياتها، لها طقوسها التي تبتدعها وتقدسها وتطورها، وإن لم تتم هذه الطقوس، لأي سبب من الأسباب"فلا أرى الأشياء التي أقوم بها بالصورة التي أحب أن أراها ولا أفهمها، كما أحب أن أفهمها. يعني ببساطة تختل الرؤية لدي إذا ما اختلت طقوسي في فعل الأشياء". ولا تكتب المعلا، التي ترجمت قصائدها إلى عدد من اللغات، منها الإسبانية والإنكليزية والتركية والفرنسية، إلا حين تكون وصلت إلى ذروة اللاإحتمال،"ما فوق الصبر وما وراء الشعور"، وعندما يتحول الكون إلى حبة رمل أصغر وأدق من أن تمسكها،"لكنني أراها بوضوح وأقرأ تفاصيلها. إنه اللامرئي الذي يكشفه الشعر في عوالمه المختلفة فيستفز حقيقتها ويكشفها، فيتحول اللامرئي إلى حقيقة أدركها وأحاول الإمساك بها. فالشعر لا يتحقق إلا بالوعي بكل ما هو متخيل وإدراكه. هكذا أحاول استشفاف حقيقة الوجود وما وراء الأشياء ليتسنى لي فهم الواقع واستيعابه. إذاً لا بد من السفر في ما ورائيات المعنى والمتخيل، إعادة تشكيل فهمي للواقع لتتمكن الذات من التشبث بوجودها، وترسيخ حضورها في سبيل تحقيق قيمة ما". يقول الشاعر الأردني يوسف أبولوز:"تتجه خُلود المُعلاَّ إلى ما هو بسيط وجوهري وخفيف...لأنها تعلم أن هذا العالم ثقيل وسميك باللامبالاة والغباء والخرس وسوء الإصغاء، وسوء الضحك". يكاد هذا التوصيف يختزل خصائص القصيدة الشعرية لخلود المعلا وينيرها للقارئ. فعلى العكس من الشعراء الذين يولون اهتماماً كبيراً بالشكل الفني وبلغة القصيدة، والذين يتعاملون مع الكتابة بصفتها صنعة، بعيداً من الانشغال بالرؤى والأفكار، تكتب صاحبة"هاء الغياب"قصيدتها بلغة بسيطة وغير متكلفة، فهي على يقين بأن الرؤى والانفعالات لكي تصل إلى المتلقي لا بد من أن تكون غير معقّدة، وفي الوقت نفسه مُدهشة،"أترك حالي على سجيتها تنقل ما أشعر به خالصاً وطازجاً، في لحظة تحتشد المشاعر والأفكار في رأسي، وتعلو ضربات القلب، دونما انتباه أو اكتراث بتشكيل القصيدة فنياً، تولد قصيدة تشبهني".

القلق، التوجس، غليان تحت جليد الجسد، العطش، مرايا تشع بالعزلة، صمت لا يطاق، عمر ناقص، قلب لا يسمعه أحد، بلاد لا تأبه بك... مفردات ومفاتيح تتناثر في شعرها،"هذه ليست مجرد مفردات"، توضح صاحبة"دون أن أرتوي"وتضيف:"إنها حالات موجهة نحو الزمن وما يأتي به. إنه قلق مرتبط بالوجود والزمن والحياة. حالات من الخوف والتوجس مما يحدث وقد يحدث. دوار يصيبني ويدخلني حالاً مزاجية مرعبة تتلبسني في الصحو والنوم".
لا يوجد القلق في نصوصها، إنما أيضاً في داخلها، تعيشه ويسكنها، غير أنها تعتبر هذا القلق، من وجهة نظر لا تغرق في التشاؤم،"دليلاً صارخاً على اتقاد الحواس والشعور والتفاعل بما يدور حولنا وفينا. تتأثر الذات القلقة بما يدور كل لحظة. تتأثر في شكل سريع ومباشر، ما يساعد على التعامل مع الأوضاع الصعبة بفاعلية. المهم أن تكون هذه الذات القلقة قادرة في الوقت نفسه على حماية ذاتها من السقوط في بئر الإحباط".

وعلى رغم ما يسببه القلق لها من اضطرابات نفسية وجسدية، فهو في الوقت نفسه الشرارة التي تشعل فتيل الكتابة،"ولا تنتج من القلق طاقة إبداعية إلا إذا تغلبنا عليه بمزجه بمشاعر ورغبات وحاجات حقيقية تتوق إلى الأفضل، وتسخّر ما يعترض طريقها لتوصلنا إلى حال من الوعي تضيء لنا عتمة هذا القلق وتنفخ في خلايانا الحياة".

تأخذ القصيدة صاحبة"ربما هنا"إلى الهوى والهواء، إلى الحياة، بها تنطلق، وتستتر، تنكشف وتكشف وتكون."بها تحررت أنوثتي. انفصلت عن أنوثتي المرئية لأدخل أنوثة الحياة. أرى ذاتي المستترة. أستلهم قوتي من لغتي"."الشعر يتعب القلب"هكذا قالت لها أمها، حين عرفت بقصيدتها الأولى،"خافت أمي عليّ من الشعر إذاً. خافت أن يأخذني الشعر منها ومن كل شيء. تورطت. وتلك الورطة كانت أجمل ما حدث لي".
تعترف خلود المعلا، المتخصصة في حقل الهندسة المعمارية، بأنها ليست ممن يهندسون القصيدة على الإطلاق. الهندسة بالنسبة اليها خطط ومعايير ومساحات وأشكال ومعادلات تخضع لأسس،"أما القصيدة فهي كشف المحتجب ومواراة الظاهر بلغة مُدهشة". إن الجانب الجمالي والشكل الفني في التصميم المعماري شرطان أساسان لإنجاح أي تصميم. وأحياناً كثيرة يفشل التصميم المعماري حين يركّز على الجانب الوظيفي في التصميم من دون إعطاء أهمية للجانب الفني".

ولا تنفي في الوقت نفسه تأثير الهندسة في قصيدتها، لكنها ليست وحدها،"لأننا ومن دون أن ننتبه نتأثر بكل ما يدور في المحيط. خبراتنا في الحياة تراكمية. كل شيء في تفاصيلنا اليومية له تأثير فينا، الصيف، الغيم، الشتاء، العمل، الفقد، الحزن، السفر، الطفولة، بكاء طفل، جلسة مع أصدقاء، وجه عابر، وهكذا".

عندما كتبت قصائد ديوانها الأول"هنا ضيّعت الزمن"وبعد صدوره، لم تكن خلود المعلا تتقصد كتابة شعر يتماس مع تجارب المتصوفة، أو ينطوي على مسحة صوفية، غير أن النقاد هم من نبهوها إلى ذلك، قالوا إنها تتكئ على إرث ثقافي صوفي في الرؤى والنظرة الحياتية، الأمر الذي أشعل الحماسة فيها لمطالعة أدب المتصوفة وتأمل عوالمهم."يبدو أنني أدور في مدارات صوفية من دون أن أنتبه، لأن الصوفية لا تتحقق من خلال العالم المحسوس، طبقاً لقوانينه الطبيعية. هناك عالم خلف العالم المحسوس. عالم غير مدرك ولا يمكن إدراكه إلا وفق المتخيل الذي يتخذ الواقع سلماً له".

هناك أيضاً أمر أساس له علاقة بالبعد الصوفي في تجربتها، وهو علاقتها بالقرآن الكريم،"طقس أساس في حياتي اليومية. والقراءة هنا ليست قراءة عادية وإنما حرص على أن أقرأ القرآن بالتفسير لفهم كل جملة. وكثيراً ما آخذ وقتاً طويلاً في ختم المصحف. هذا طقس مهم جداً وأحزن إن أدت ظروف ما إلى تعطيل هذا الطقس". على أنها أيضاً ومنذ صغرها، تعيش هاجس البحث عن المعنى وما ورائياته،"بحث دائم عن معنى، عن مفقود، بحث لا ينقطع إلى حد التعب. قد يكون هذا هو السبب اللامدرك في هذه الحاجة الماسة للشعر. أفعل ذلك في كل لحظة وكل ما يدور حولي مع البشر والأشياء وحتى الكلام واللغة. هكذا أفكّر، أدرك، أستشف، أصعد، هكذا أحيا. أبحث خلف كل ما هو مرئي ولا مرئي، محسوس أو لا محسوس، خيال أو مدرك. أحاول أن أنسج من هذا البحث خيوط الحقيقة، أكشف وأنكشف، واستحالة اكتمال هذا النسيج لا تزيدني إلا إصراراً. هذا لا يعني أنني أحيا تجربة صوفية، أو أسلك طريقة صوفية، لا أبداً".

في شعرها يمتزج المتخيل بالمدرك، الواقع بالحلم. يتحول الجسد مثلاً من حسي إلى معنوي،"ليصعد متخذاً الضوء سلماً والسموات مسكناً، والروح تتحول من لا مرئي إلى محسوس يتحدث، يتألم ويتفاعل، وهكذا كل ذلك من خلال واقع مدرك، محسوس ومعاش بكل إحباطاته".

المسحة الصوفية في شعر خلود المعلا لم تمنعها من قول إن لا مكان اليوم للشاعر الرسولي، فهي ترى أن الشعر اليوم تحرّر من القيود التي تحد من الانطلاق،"الشعر الحديث تعامل مع الحقائق والعالم والحياة انطلاقاً من الذات إلى ذات الآخر، ومن الخاص إلى العام. لا يمكن أن ننجح في إبراز التعامل مع الآخر حين نحجب الذات. لا يمكن فهم العام وطرقه إذا لم يكن نابعاً من فهمنا للخاص".

شهـيرة أحـمد – جريدة الاتحاد – الملحق الثقافي – 18 ديسمبر 2008

شاعرة من وطن القلق تبني بيتها في

* فُتِنَتُ بجدّي وشعرِهِ وقرآنه... وأهداني "ثروتي اللغوية"
* كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء لا أن أحطمها
* كلما ذكر الخطر الذي يتهدد اللغة العربية أشعر بالصداع
* لا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية
* الشعر كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف
* شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد
* الشعر كائن أسطوري ممتد... وملك لا يخذل رعاياه

عودة >>

شهـيرة أحـمد – جريدة الاتحاد – الملحق الثقافي – 18 ديسمبر 2008

شاعرة من وطن القلق تبني بيتها في

* فُتِنَتُ بجدّي وشعرِهِ وقرآنه... وأهداني "ثروتي اللغوية"
* كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء لا أن أحطمها
* كلما ذكر الخطر الذي يتهدد اللغة العربية أشعر بالصداع
* لا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية
* الشعر كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف
* شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد
* الشعر كائن أسطوري ممتد... وملك لا يخذل رعاياه

تسري الشاعرة خُلود المعلاّ في ليل المواجد باحثة عن غيمة تقولها، وكلما تاهت بها السبل تتوهج أعماقها وتتفتح روحها فتسكبها شعراً وحزناً ومناجاة. تولد مع كل قصيدة، وتفرح لما يأتي موعد الكتابة حتى لو حمل معه شعور الخسران والمرارة. وحيدة تمتطي خيول الشعر وتركض في براري العزلة. تولّي وجهها شطر محطات لا تعرف غير الانتظار، وفي الشتاء تلملم وحدتها وتعلن الرحيل.

في شعرها شيء من البشارة، وفيه حزن شفيف وغلالة من الأسى تغلل معظم قصائدها... وفيه وجع مستديم استحق لعمقه أن يحمل اسم واحدة من هذه القصائد.

النجاة وهم، والنيات البيضاء لا تكفي لكتابة شعر يستحق أن يحمل نبض العدم السرمدي، فيبقى الكلام ركاماً، غباراً، محاولة للخلاص من الوحدة الباذخة... لهذا، تحدق خُلود المعلاّ في روحها، تحدق كثيراً في نصِّها، تحدق وهي تتقصى مدارات الألفة أو متاهات الفقد، لتحظى بما هو أكثر من الغبار، لتعود بلؤلؤة الشعر. وحين تختار من نبعه شربة لترتوي تظمأ أكثر... هكذا هو الشعر: مخاتل ينمو على خيبات الروح السائرة إلى أساها طائعة مختارة. الروح التي ترفُّ في هسيس منفرد لا يشاركها فيه أحد، وترى في السّرى ما لا يراه سواها، وحين تحلّ فيها بركات الشعر تضيء مثل ماسة، وتتوهج مثل حكمة عتيقة.
مهندسة معمارية تذوقت جمالياتها درساً وقراءة، واغترفت من نبعها ما يسمح لها أن تهندس "بيتها" في "مدينة الشعر" التي تحب. هربت ذات قصيدة من عوالم الهندسة "المحسوبة" إلى عوالم الشعر القزحية وأطيافه الملونة, فتاهت فيها و "ضيَّعت الزمن".

ثم إن جنيّات الشعر أخذنَها من "روحها" وسلَّمنَها لرحيق مختوم، فقطفت "وحْدَكَ" وعادت بمجموعتها الثانية, ولما كانت في تخوم الروح العليا تجلَّت مليئة بالدلالات والاحتمالات، وتفتحت على التجربة الصوفية بثرائها فصاغت "هاء الغائب", وللهاء تجليات وتأويلات شتى أعادتها إلى هنا لتكتب مجموعتها الجديدة "ربما هنا".

خُلود المعلا، شاعرة تسكن بين الأسطوري واليومي، ومن مدارات العزلة الفائضة تهتف: "لا يسمعني أحد". ولهذا "لا بد أن أحيا أسطورتي"، لكي أصل إلى "إكسير الحياة"، و أشرع في كتابة "مسيرتي الجديدة" أو أجترح "هزيمة تليق بقلبي".

أول الألق

لم تكن خُلود المعلا قد بلغت مدارج الصِّبا حين صَبَتْ إلى الشعر، وبدأت يدها الصغيرة تخط صباباته. وإذا سألتها متى وكيف مسَّكِ الشعر، من أراك طريق الشعراء؟ تبرق الحيرة في روحها، وتتمتم بكلمات قليلة: "منذ زمن... من أمي الشاعرة ربما... ربما من جدي الذي عشت معه وهو يكتب الشعر أيضاً، ومعه قضيت طفولتي".

لعلَّه الميراث أو الجينات، أو ربما سحرها الشعر. هناك، في البيت القديم، فُتِنَتْ الصغيرة بجدِّها العاكف على قصيدته، وربما كان وهو يكتب قصيدته، يكتبها هي الأخرى، أو يكتب ميلادها كشاعرة بشكل أدق، ذلك أنها كانت ترافقه في روحاته وغدواته. وفي مجالسه ونقاشاته وحواراته مع الآخرين تكون إلى جانبه، وعندما يقرأ القرآن يخشع قلبها الصغير وهو يشرب الآيات ومعها يشرب الإحساس العميق بمعنى اللفظ وتفسيره ودلالاته التي كبرت معها، وشكلت ليس فقط "ثروتها اللغوية" التي تنتسب إلى اللغة القرآنية بل ومفردتها الصوفية التي تستلهمها من مناخاته وعوالمه القدسية.
بداية الشعر كانت مع الحب، الذي سيستمر منهلاً ورافداً وأقنوماً أساسياً من أقانيمها الشعرية فيما بعد: "كتبت أول قصيدة في العاشرة من العمر. كانت قصيدة حب، لكن والدتي خافت عليَّ لأنني صغيرة، فضلاً عن ضرورة الاهتمام بالدراسة".

مذّاك، ظلت علاقتها بالشعر سرّية وغير معلنة، وظلت كتاباتها خبيئة الأدراج حتى بعد أن دخلت الجامعة... الصدفة وحدها أخرجت هذه القصائد من عتمة الأدراج والصمت إلى حقول النشر والعلن، وهنا، تقول خُلود: "من الضروري أن أذكر الشاعر أحمد الشهاوي الذي فاجأني بنشر قصائدي من دون أن يسألني، ومن دون أن يعرف تبعات النشر اجتماعياً، لكنني فرحت بنشرها وبهذه الورطة الجميلة".

فضائل النشر

ولأن للنشر نكهة فارقة في تجربة الشاعر، يكون لها وقع مختلف على قلبه، كذلك خلود أيضاً، للنشر في ما يخصّها فضائل، أولها: "أصبحت أكثر حرصاً على المفردة والقراءة والمعرفة. وكثفت قراءاتي في التصوف بعد صدور مجموعتي الأولى لأنني كنت أصدر عن مشاعر فطرية وعفوية ولم أكن أدرك ماهية التصوف أو دلالات المفردات الصوفية". وثانيها: "تحررت أكثر في التعامل مع النص واللفظ، في ديواني الثاني، وصار سقف الحرية أعلى، وأصبحت أكثر تمكناً من أدواتي. كنت قبلها أفكر في تغيير مفردة معينة قد يساء فهمها. كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء وليس تحطيمها، لهذا أعدت قراءة نصوص مجموعتي الأولى وتدخلت في كتابتها".

مع ذلك، لا الحرص على "فتح الأبواب المغلقة" ولا "الوعي الخارجي" شكَّلا عبئاً على قصيدة الشاعرة، بل ظلت محكومة إلى غنى الروح وسرّانيتها وجوّانياتها، وما فيها من نوازع الذات وتجلياتها العميقة، فجاءت قصائدها لتعكس "حالة التوحد بين الحب والحزن والفراق" وفيها "تتبادل جدلية الحياة والموت الكينونة فتهب الوجود دلالته العميقة وقراره الشجي الراسخ في الوجدان" على حد تعبير الناقد الدكتور صلاح فضل.

وإذا كان الحزن والشعور بالاغتراب أو الشقاء يبدو جلياً في النصوص الشعرية المعاصرة خاصة قصيدة النثر، فإنه يبدو واضحاً في قصائد الشاعرة التي تعكس شقاء الوعي وحرارة التجربة وهي ترتطم بالعدم في محاولاتها الدائمة لضخ الحياة في الأشياء الميتة، في بلاد "لا تعطيها سوى نقطة في هامشها"، أو سعيها لـ "الهرب من ظلها"، أو بحثها الدؤوب عن "وسائد عالية تسند روحها إليها" لعلها "تصعد مرة إلى الجنة ولو في الوهم".

يتيمتا الدهر

والوهْمُ، مفردة واسعة الدلالات لدى خُلود المعلا، فما يشاع عن شعر نسائي وشعر رجالي وهْمٌ محض، وما يقال عن كون قصيدة النثر بحاجة إلى "أب" و"أم" و"نسَبٍ" وهْمٌ أيضاً، يجعلها تردّ على السؤال بسؤال: "لماذا يجب أن نثبت أن قصيدة النثر حاضرة وفاعلة؟ لا أعتقد أن قصيدة النثر بحاجة إلى أن تثبت نفسها. هذا يحدث مع المرأة أيضاً. نحن دائماً مطالبون بأن نثبت أن المرأة مبدعة، وفاعلة، ومنتجة، وأنها أثبتت نفسها في كل المجالات. نحن نقبل التنوع والتحديث والتغيير في كل شيء إلا الشعر والمرأة!. كأننا أمام "تابو" لعين لا يمكن اختراقه.

تقرن خُلود بين المرأة وقصيدة النثر كما لو أنهما "يتيمتا الدهر" يتعرضان للمحو والإنكار والرفض، وإذ ألفت انتباهها إلى "غرائبية هذا الاقتران" تقول: "إن القول بأن شعر المرأة العربية بحاجة الى إعادة اكتشاف، وأن تراثنا الإبداعي ما زال مجهولا أو مشوهاً، هو أمر مستفز حقاً. الشعر تجربة إنسانية، ليس هناك شعر امرأة وشعر رجل، هناك شعر أو لا شعر. أما عن إعادة الاكتشاف، فأظن أن المرأة على كل المستويات بحاجة إلى إعادة اكتشاف وليس الشاعرة أو المبدعة فقط، فلأنها أنثى لم يتم الانتباه إلى حضورها الإبداعي، كأن الشعر حكر على الرجال، وعندما تكتبه المرأة يجب أن يبرر ويبحث عن الإثبات".

لا يقتصر نص خُلود على الحزن والفقد بل يتوِّجه شعور دائم بالانتظار، وقدرة على التقاط العادي والمتروك والمهمل وتحويله إلى كائن شعري، وفي هذا تقول: "هكذا هو الشعر... هكذا هو الشاعر، يصنع علاقته بالأشياء على هوى القصيدة، وهواه أيضاً. يحتفي بالتفاصيل، باليومي، بما يمر عليه الناس مرور الكرام، ليراه هو بعينه الشاعرة فيعيد صوغه وصبَّه في قالبه السحري، وينسجه في ثوب انفعالي ربما يخالف السائد. أنا شاعرة من هذا الوطن الكبير، من وطن القلق، والهموم، وكل ما في محيطي ينعكس على روحي. الشاعر أكثر قدرة على تلمس الهموم والأحزان والتفاعل معها. قد لا تظهر في صورة إبداع مباشر لكنها لا تندثر ولا تفنى بل تختزنها الروح حتى يحين أوانها. تخيلي أنني تعبت من هذا البوح لمجرد الكلام، فما بالك بالكتابة!.

البوح يتعبها، والكتابة مخاضها، أما العزلة الماسية التي تعيشها فلا بد منها لإنجاز نص متجاوز حتى لو "كانت شاعرة غير استثنائية" كما تقول في أحد نصوصها. العزلة هي الفلك الذي تدور فيه القصائد، وعنها تقول مرجريت دوراس: "إن العزلة المتعلقة بالكتابة هي عزلة بدونها لا ينتج المكتوب، أو أنه يتفتت نازفاً في البحث عما يكتب. هو فقد من الدم، لم يعترف به الكاتب بعد"، أما خلود فتوصِّفها قائلة: "لا أذكر بالضبط من هو الكاتب الذي شبَّه الكتابة بالمخاض، لكنها مخاض بالفعل، مؤلمة وفي الوقت نفسه مغموسة بالفرح الذي يعقبها، والسعادة المتحصَّل عليها، أثناء الكتابة وبعدها، لا يمكن وصفها".

شتاء الكتابة

للكتابة طقسها، وموسيقاها، و"فيروزتها" تحديداً، وللروح طقسها، وروح الشاعرة تتفتح بأبهى ما يكون في الشتاء، في هذا الفصل "الغني الدافئ"، حسب وصفها، يحلو لها التأمل: "لا بد أن أفتح الستارة كل يوم وأبحث عن غيمة. أمارس هذا الطقس يومياً بلا تعب ولا كلل ومنذ زمن طويل لا أدري متى بدأ. أبحث عن مطر، رذاذ، غيمة، في نصوصي يتكرر المطر ومشتقاته كثيراً. الشتاء فصل غني، يحمل كل شيء. الشتاء يطفئ النيران الداخلية. إنه أقرب الفصول إلى الروح، والعلاقة مع الطبيعة والوجود تتفتح فيه على نحو عجيب".

الفصول بنات الزمن، وعلاقة الشاعر بالزمن علاقة شائكة، وللشعراء على وجه الخصوص في علاقتهم بالزمن مذاهب وطرائق، أما خلود، التي تخلو نصوصها من أي تأريخ، فترى الزمن "مخيفاً، ولكثرة خوفها منه تتمنى أن توقفه، أن لا يمر. وهي دائماً تخاف من الآتي، وتحمد الله كلما مرت ساعة بسلام".

ثمة شيء آخر تخافه خلود خوفاً عظيماً هو الخطر الذي يتهدد اللغة العربية، أداة الشعر الأولى، بل وتشعر بالصداع كلما طرحت هذه القضية التي تؤرقها، وترى "ضرورة تكاتف جهود الجميع من أجل الحفاظ على لغتنا الجميلة؛ الأسرة والمدرسة والإعلام والمثقفين ومؤسسات المجتمع المدني. كلنا ينبغي أن نعمل على مواجهة التحديات وأن لا نكتفي بالخوف من العولمة أو الخوف على لغتنا. نحن في أزمة واضحة. الجيل الجديد لا يهتم بالثقافة بكل أطيافها وليس الشعر فقط. لغتنا تهجنَّت وتكسَّرت والحل في تكاتف الجهود كلها، وأن تشعر كل فئات المجتمع بخطورة المسألة. القضية ما تزال إلى الآن مقصورة على النخبة، ولا بد من تعميمها على كافة مؤسسات المجتمع التربوية والثقافية والاجتماعية حتى نستطيع التعاطي معها بإيجابية ونجد الحلول الناجعة. وبعبارة أخرى لا بد من استراتيجية وطنية شاملة لحماية لغة الضاد والذود عنها، فهذه قضية تحتاج إلى عمل حقيقي، جاد، مؤسس، ومدروس، من كافة فئات المجتمع وفي مقدمتها القرار السياسي لأنها حلقات متصلة ببعضها البعض وكل منها يقود إلى الآخر".

تخاف خُلود أشد الخوف من الزمن، وتخاف أشد الخوف على اللغة العربية، لكنها لا تخاف، مثل مثقفين كثيرين، من العولمة وتحدياتها، وتعتقد أن "غنى الداخل وصلابته كفيلان بالصمود أمام أي شيء، وفي حال كانت لدى الأشخاص أو المجتمعات قناعات راسخة فلا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية والحضارية", بل على العكس تماماً، تعتقد خلود أن "التطور والتقدم التقني قد يساهمان في ترسيخ أو غربلة ما نحمله من قيم وثقافة، والفيصل في هذا الأمر هو التعامل مع العولمة ومنتجاتها بوعي، والانفتاح على الآخر لاكتساب كل ما من شأنه أن يقوينا كمجتمعات وأفراد".

هدايا شعرية

ويأبى الشعر إلا أن يطل برأسه متسائلاً عن دوره وجدواه في عصر الديجيتال والاستهلاك وصراع الحضارات والقتل المجاني على الطرقات.
ترفض خُلود طرحاً كهذا لأنه يتعاطى مع الشعر كما لو كان أداة، في حين أن الشعر كائن حي, ولا يختلف عن أي خلية حية سوى في أسطوريته... إنه كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف، ربما ينحسر حيناً أو يبدو متراجعاً في الظاهر، بيد أنه، في العمق تماماً، يتقدم.

أما ما يقال عن أثر التكنولوجيا المدمر على العلاقات الإنسانية، التي هي في الأصل مجال عمل الشعر بوصفه شكلاً وأسلوباً من أشكال الاتصال والتواصل، فلا يعدو أن يكون بالنسبة إليها "ذنب الإنسان الذي يسيء استخدام التكنولوجيا وليس ذنب التكنولوجيا التي نتمتع بمنافعها وثمارها في أكثر من مجال. فالتقنيات الحديثة والإنترنت، تمارس دوراً مهماً في نشر الثقافة، وقد فتحت فضاءات واسعة للمثقف للاطلاع على الجديد في كل المجالات، وجعلت العالم مفتوحاً، مما أدى إلى اتساع الحرية وارتفاع سقفها فصرنا نتنفس بشكل أفضل".

في الشعر، مثلاً، وهب التقدم التقني وانتشار وسائل الإعلام الشعراء هدايا جميلة تسلمت خلود نفسها واحدة منها، فهذا التقدم التكنولوجي والاتصالي منحها القدرة على الانتشار كشاعرة في المغرب، ولولاه ربما تأخر اسمها كثيراً في الوصول إلى هناك والحصول على جائزة الإبداع الشعري.

ترفض خُلود أيضاً القول بانحسار الشعر إنتاجا وتداولاً، تأثيراً وفعالية، لصالح الرواية بزعم ان العصر عصر رواية، وترى أن "شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد. من هناك، من الطفولة تحديداً، تبدأ القصة المحكية قبل النوم تصوغ أحلامنا وذكرياتنا وذائقتنا أيضاً، فالطفل يعتاد على الحكاية ويدخرها في وعيه بحيث تتحول في الآتي من الأيام "فرشة" أو مهاداً يجعل من تذوق الرواية أمراً سهلاً، بينما يحتاج الشعر إلى جهد أكبر في قراءته.

القصيدة تحتاج إلى وعي وإدراك ورؤى وجوّانيات ربما لم تعد متوفرة بكثرة في الزمن المعاصر الذي بات كل شيء فيه يخضع للحسابات المادية والآنية، وفي جو كهذا يصبح من الطبيعي أن تهتم دور النشر بالكتب التي تبيع أكثر، ومنطق السوق، للأسف، ليس في صالح الشعر".

لا ينبغي للتحليل السابق لأسباب ازدهار الرواية وانحسار الشعر، أن يوقعنا في وهم أن للشاعرة موقفاً سلبياً من الرواية، بل العكس تماماً، فخلود تحب قراءة الروايات وتتابع جديدها باستمرار، لكنها – كما تقول – تقرأ الشعر وتحبه أكثر.

حزنٌ أقلّْ

النظرة المتفائلة التي ترى النصف الممتلئ من الكأس، عادة من عادات خلود، تتجلى حتى في قصائدها التي تكتبها لكي تجعل الحزن أقل، تقول: "أحيطني بكل ما يعينني على التصالح مع ذاتي. أهرب من الحزن لأن هناك فائض كبير منه في الداخل. أحاول البحث عن جماليات الأشياء لأخفف قليلاً من الحزن".

هل الكتابة إذن محاولة للخلاص؟

تجيب: الشعر حالات مختلفة. لا تتشابه في إيقاعاتها. لا طريقة واحدة لقولها. والشاعر معرض لحالات متغايرة وإرهاصات غرائبية وعجائبية يحاول فيها جميعها أن ينتشل ذاته من شيء ما، أحياناً تفرض الحالة قانونها ومزاجها، ولهذا تتفاوت القصائد شكلاً ولغة ومضموناً. في النهاية تبقى محاولات للتغلب على شيء ما لعله الشعور بالعدم.

إذن، هل يمكن أن يخذلنا الشعر؟

ترفض خُلود القول بأن الشعر يمكن أن يخذلنا، وإذ تؤكد أن الشعر ملك لا يخذل رعاياه، توافق أن القصيدة قد تخذل الشاعر إذا لم يكن متوحداً مع ذاته وإبداعه... أما عنها، فما تزال سارحة في الملكوت، تغني للغائب الذي لا تسميه أبداً، الغائب "الذي بوَصْلِهِ يخرج نخيلها من حزنه، ومحبَّتُهُ ترشًّ مِسْكَها في روحها، فتكتمل، ويرتوي وردها".





تامر أبوالعنين – جريدة الإتحاد الإماراتية – 31 مايو 2006 – جنيف

حوار بين الشعر والسياسة و الرؤية الشعرية

استضاف مهرجان المتنبي الشعري الدولي في دورته السادسة الشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، التي قرأت على الحضور في 5 مدن سويسرية مقتطفات من منجزها الشعري مع 21 شاعرا عربيا ومن أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تناول مهرجان هذا العام الذي نظمه المركز العربي السويسري بالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الفيدرالية السويسرية، العلاقة بين الشعر والسياسة، وجاء اختيار ثلاث شاعرات عربيات لافتا للنظر، لما يعتقده الأوروبيون بأن المرأة العربية لا دخل لها بالسياسة ةقد أحسنت الشاعرات العربيات المشاركات في اختيار النصوص.

عودة >>

تامر أبوالعنين – جريدة الإتحاد الإماراتية – 31 مايو 2006 – جنيف

حوار بين الشعر والسياسة و الرؤية الشعرية

استضاف مهرجان المتنبي الشعري الدولي في دورته السادسة الشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، التي قرأت على الحضور في 5 مدن سويسرية مقتطفات من منجزها الشعري مع 21 شاعرا عربيا ومن أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تناول مهرجان هذا العام الذي نظمه المركز العربي السويسري بالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الفيدرالية السويسرية، العلاقة بين الشعر والسياسة، وجاء اختيار ثلاث شاعرات عربيات لافتا للنظر، لما يعتقده الأوروبيون بأن المرأة العربية لا دخل لها بالسياسة ةقد أحسنت الشاعرات العربيات المشاركات في اختيار النصوص.

الاتحاد التقت الشاعرة خلود المعلا في جنيف وكان الحوار التالي:

بين الشعر والسياسة

مهرجان المتنبي هذا العام كان تحت عنوان العلاقة بين الشعر والسياسة.وهل ترين فعلا أن هناك علاقة بين الشعر والسياسة؟

قد تكون أجمل النصوص العاطفية هي نفسها أجمل النصوص التي تعبر عن قضية سياسية، فالمزج وتوظيف اللغة لخلق نص مبدع، يلمس وجعا ما أو حالة ما بصورة غير مباشرة قد يكون أعمق بكثير من النص الذي تتخللة المفردات السياسية التي تؤدي إلى تصنيف الشعر إلى سياسي أو عاطفي مثلا.
الشعر شعر، ويجب ألا يتم تصنيفه لغرض واحد، فالنص الأجمل يحمل أكثر من بعد في آن واحد وهنا تأتي قدرة الشاعر وإبداعه.

الرؤية الشعرية

في رأيك كيف يؤثر المجتمع في الرؤية الشعرية للشاعر العربي؟

الرؤية الشعرية بمثابة ترمومتر خاص بالشاعر، يتأثر بكل مايحيط يه سلبيا أو إيجابيا، حزنا وفرحا، قلقا أو تحديا، كل هذه الأجواء يستقبلها الشاعر بحساسية مفرطة، ويلتقط من خلالها صورا جمة لتفاصيل قد تغيب عن الإنسان العادي، وذلك لأن حالة الشاعر أو المبدع عموما حالة غير ثابتة ولا يستطيع التعايش من دون التفاصيل الحياتية فهي تشكل مكوناته الإبداعية وتعمق رؤيته الشعرية، فهو الأكثر قلقا وأحباطا عندما يعيش حالة سلبية ما، وأكثر التصاقا بمعنى الأشياء وإحساسا بقيمتها حين يدخل مداراته التي يحب.

الرؤية الشعرية للشاعر لا تأتي محض الصدفة، وإنما من خلال تراكمات لتفاصيل حياتية وزمانية وذاكرة مليئة بالصور وغنية بالمشاعر والحالات التي تكون مكنونه الشعري، وقد تختزن ذاكرة الشاعر بمخزون أو بحالة حدثت منذ زمن بعيد، تأثر بها بعمق لكنه لم يعبر عنها في أوانها وإنما يقبض على زمنها في ذاكرته إلى أن تأتي اللحظة التي يندفع فيها هذا المخزون وتلك الحالة بشدة فيترجمها إلى نص.

الرؤية الشعرية يتم بناؤها تراكميا، وتبدأ في التكوين من مراحل الطفولة والشباب وتأخذ بالتشكل تدريجيا في كل مرحلة من مراحل العمر بما تحمل من مؤثرات مختلفة أحزان وأفراح، آمال وانهزامات، ظروف وموروثات سياسية، واجتماعية وحتى ثقافية وعائلية، تقاليد وأعراف كلها تدخل في تكوين إطار فكري وحالة فكرية للشاعر يتم بناؤها خلال مسيرته الحياتية والفكرية.

والمجتمع هو واحد من أهم هذه المؤثرات التي تساهم في تشكيل مكنون الشاعر بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. وغالبا ما يكون المجتمع قيدا، خصوصا في مجتمعاتنا العربية، ليس فقط على الشاعر وإنما على المبدع بصفة عامة، فالمجتمع بكل مايحمله من أعراف وتقاليد يضيق حرية المبدع، ويفرض عليه حدود كثيرة ويخلق فيه خوف من المحيط مما يخنق روح الإبداع هذه الروح التي لا تحيا سوى بالحرية لتتمكن من إطلاق أسراب طيورها كما يجب وفي كل أفق، فيولد نص الشاعر حرا طازجا وسليما من أي إصابات اجتماعية وحواجز فكرية وخطوط حمراء.

كيف تقيمين تجربتك الشعرية؟

هي صورة الذات الإنسانية التي تنتج من تفاعلات مع المحيط ومع الآخر، من خلالها أعبر عني بلغة صادقة ومدلولات حقيقية تنقل ما يختلج في النفس من قلق ممتد وحلم دائم للأفضل. لغتي خاصة أو هكذا أزعم، ومفرداتي يغلب عليها النفس الصوفي لأني وجدت لغته تشبهني وهي الأقرب إلي. أقرأ التراث الصوقي لأثراء مفرداتي الروحية والشعرية وهذه المفردات هي ما يميز نصي الشعري, فاللون بمدلولاته والحروف بمدلولاتها ،وغيرها من المفردات كالصلاة، والتأمل والروح.

أحاول أن أوظف هذه المفردات لخدمة المعنى الذي أريد ولا أجد سواها قريبا من حسي. من خلال هذه المفردة الصوفية أعبر عن ذاتي وذات الآخر فحين أكتب عن حالة قلق ما، ليست بالضرورة حالة خاصة وإنما عامة جزء من حياة الآخر لأننا كلنا نعيش في محيط واحد وواقع متشابه في أطره العامة، هذا الواقع المليء بالكوارث والإحباطات والخذلان، وبالتالي فالشعر حين يعبر عن أزمة ما فليس بالضرورة أن يعبر عنها بمفردات مباشرة ويصرح بها بشكل صريح يضعف النص ويضيق أفق النص وبالتالي يصنف تحت الشعر السياسي أو الغزل أو غير ذلك.

كيف تصفين "الشعر النسائي" في دولة الإمارات؟

لدي حساسية من هذا التصنيف العجيب" الشعر النسائي" فإذا كنتم تصرون على الشعر النسائي فيعني هذا أن هناك شعرا رجاليا. الشعر كما ذكرت سابقا هو شعر سواء لشاعر أو شاعرة، الشعر إنساني. وكل أنسان يتكيف بما يحيط به ويعكسه في كتابته حسب مكوناته النفسية والاجتماعية والثقافية وقدراته الإبداعية وحسب همومه وهواجسه وآماله وإحباطاته وكيف يتعامل مع محيطه ومع الآخر، وهذا يختلف حتى من شاعر لشاعر سواء كان رجلا أم مرأة. وقد ينقل الرجل حالة خاصة عن المرأة بشكل أعمق وأفضل عن المرأة ذاتها والعكس طبعا صحيح.

لدينا في الإمارات عدد لا بأس به من الشاعرات اللواتي استطعن تخطي حدود المحلي ابتداءا من ميسون صقر ونجوم الغانم وظبية خميس ثم صالحة غابش والهنوف محمد وهذه الأسماء على سبيل المثال وليس الحصر فهناك أسماء شاعرات لا يتسع المقام لذكرها كلها.

لكن الحركة الثقافية والشعرية خاصة في الإمارات تحتاج لاهتمام أكبر ليس فقط من الجهات المعنية بالثقافة وإنما من الشعراء والشاعرات أيضا من أجل خلق مناخ ثقافي نشط وخلاق، فالكثير منا في عزلة عن الآخر والتواصل فيما بيننا ضعيف مما يؤثر بشكل مباشر على تفعيل مناخنا الثقافي وإبراز إبداعاتنا وهويتنا الثقافية بشكل أفضل.

أحمد غريب - جريدة الخليج – 10 يونيو - 2002

حوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين

يقع هذا الحوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين، الأول هو اكتمال مجموعتها الثالثة "هاء الغائب"، والثاني هو توقع صدور المجموعة قريبا. ويتناول حوارنا بعضا من ملامح اتجاهها الإبداعي وبخاصة علاقتها بالموروث الصوفي، وما أثمرت عنه تجربتها الشعرية منذ نشرت "هنا ضيعت الزمن" 1997، ثم "وحدك" 1999:

عودة >>

أحمد غريب - جريدة الخليج – 10 يونيو - 2002

حوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين

يقع هذا الحوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين، الأول هو اكتمال مجموعتها الثالثة "هاء الغائب"، والثاني هو توقع صدور المجموعة قريبا. ويتناول حوارنا بعضا من ملامح اتجاهها الإبداعي وبخاصة علاقتها بالموروث الصوفي، وما أثمرت عنه تجربتها الشعرية منذ نشرت "هنا ضيعت الزمن" 1997، ثم "وحدك" 1999:

دراستك للهندسة المعمارية ثم إدارة المشروعات، وتوجه قصيدتك نحو التحليق الصوفي تثير السؤال حول هذه الثنائية التي تبدو مضادة..ما رأيك؟

كل ما حولنا وما نراه ونقرأه ونسمعه يؤثر في بناء شخصيتنا، فكرنا وثقافتنا، والقصيدة جزء من ذلك. فهذه التراكمات تشكل القصيدة، وقصيدتي جزء من أمسي وحاضري وغدي، جزء من مخزون الداخل ومخزون الذاكرة. والهندسة المعمارية فن يعتمد على الحس والخيال، وكذلك القصيدة. هي نتاج حالة ما مستمرة في الداخل..حالة تنتج من تفاعلات الشاعر بما حوله –بذاكرته- وبكل شيء. يظهر ذلك في سلوكه قبل قصيدته، فالشعر سلوك قبل كل شيء.

ماذا يمثل لك اختيار الصوفية؟

الصوفبة لم تكن اختيارا في البداية.لم أخترها بل وجدتني فيها، وجدتها أقرب إلي. هناك انسجام وتواؤم بين ما أشعر به وما تحمله هذه المناخات من تآلف الأرواح والتعمق في المعنى والتلاشي في الآخر البعيد القريب، وحالات الفناء والتوحد وغيرها.

الصوفية عالم واسع وعميق، فضاءاته تعطي للروح مداها الأرحب للتحليق، فتولد من جديد وتتحرر.

عندما كتبت مجموعتي الأولى "هنا ضيعت الزمن" لم يكن هذا الاتجاه قرارا أو اختيارا، ولم ألتفت لذلك في مفردتي. كما لم أكن وقتها قد قرأت في التراث الصوفي سوى مادرسته. ربما تكون قراءتي للشعر القديم لعبت دورها كمدخل للارتباط بمفردات هذا الحس. فقد ظلت بعض المفردات عالقة في ذاكرتي بصداها الواضح. كذلك علاقتي الوثيقة بالقرآن الكريم كان له أثر واضح في تشكيل الشحنة الروحانية في قصادئدي.

بعد صدور المجموعة الأولى وقراءة بعض الآراء النقدية التي كتبت عنها انتبهت للمناخ الصوفي الذي تدور فيه القصائد ومن هنا بدأت علاقتي بشعر المتصوفة وتاريخهم وثقافتهم، وصرت أهتم بتعميق هذا الاتجاه في لغتي.

تبدو قصائدك في كل مجموعة من مجموعاتك كطقوس متتابعة، تشكل حالة الديوان. في ضوء تجربتك مع "هاء الغائب" متى تضعين القلم وتقولين: هنا انهيت المجموعة؟

أتوقف عندما أشعر بالإرهاق من هذه الحالة الممتدة. فقصائد كل مجموعة أعتبرها وليدة حالة مستمرة، نفس طويل وممتد، صدى لإيقاع يتشكل من نغمات مختلفة لكل واحدة منها مناخها الخاص، تتجمع لتعبر عن تلك الحالة الممتدة، وحين يرهقني ذلك وأشعر يعدم قدرتي على الاحتمال أختار التوقف.

وأنت على أعتاب نشر الجموعة الشعرية الثالثة، كيف تبلورت علاقتك بالتراث وبخاصة الصوفي منه، وما هي جسور هذه العلاقة؟

القرآن الكريم كان المدخل الأول، ليس عن طريق القراءة والترتيل فقط ولكن من خلال الدخول في النص والمفردة، فكتب التفسير تصاحب قراءتي له الشبه يومية، ويجد قاريء قصيدتي مفردات كثيرة مستمدة من ذلك. إلى جانب ذلك تصاحبني دائما أشعار ابن عربي وجلال الرومي والحلاج. اهتمامي بالتراث الصوفي أدى إلى ظهور مفرادته بدرجة أكبر لدى، لكن في إطار قناعة بضرورة التغيير، ولذلك يشغلني ألا تكون القصيدة مكررة، حيث ألجأ إلى إنتاج قراءاتي داخل النص بحثا عن لغة تشبهني أو تشكل إضافة نوعية جديدة داخل نسق اللغة الشعرية التي أحاول الوصول إليها.

بحثك في التراث عما يشبهك ربما يؤدي إلى عملية فرز مفردات بعينها هل أساس هذا الفرز هو "إحساس الدهشة المرتبط بالطفولة" وهو وصف كتبه أحد النقاد عن مجتموعتيك السابقتين؟

لم أفكر في هذا من قبل، أما ما تسميه عملية فرز فأعتقد أن الفرز أصلا سلوك لا إرادي نقوم به حتى في حياتنا اليومية. عموما أنا أبحث عن كل ما يشبهني، وهو ما أسميه "الإحساس بالدهشة المرتبط بالذاكرة"، سواء كانت ذاكرة الأمس أم الغد أم الحاضر..إحساس يخلق الحالة التي تشكل لغتي الخاصة للقصيدة، والتي تتمثل بمفردات دائما ما أبحث عنها والتي تكون قاموسي الخاص، الذي به أخلق قصيدتي، فتعبر عني وترسم هذا الإحساس المرتبط بالذاكرة.

لغتي تألفني وأألفها.إنها لغة تتعامل مع حالات الذات بأمومة مطلقة لتولد قصيدتي، ولهذا فأنا أملك ميزانا حساسا، " ترمومتر" يقيس نبض الحالة وعمقها وحسها الداخلي، فأتآلف مع مخزون الذاكرة وأعيد انتاجه بلغتي الخاصة.


هل يؤدي الشعر وظيفة التواصل مع الآخر؟ وكيف تفسرين مركزية "الغياب" في جل نصوصك؟

صحيح أنني أشكل القصيدة، لكن الشعر يشكلني. هو غايتي ووسيلتي في نفس الوقت. غايتي في الوصول إلي، ووسيلتي في الوصول للآخر. هناك حالة قلق دائمة، مستمرة وعميقة للبحث عن مفقود، عن آخر. هذا الآخر يتغير دائما في فضاء القصيدة التي تستدعيه. هو شيء غير واضح لكنه موجود.

قلت في حوار سابق أنك "مصبوغة بصبغة وطنك"، وقلت أيضا "أن التقاليد تحد من ظهور وانتشار المرأة المبدعة" ألا ترين أن إبداع المرأة العربية بات يحظى بالاهتمام في السنوات الأخيرة وأحيانا إلى درجة مبالغ فيها؟

أعتقد أن المرأة المبدعة لا يتم التعامل معها كمنتجة للمادة الفكرية وتسليط الضوء عليها لا يعني بالضرورة اهتماما بها، فقد يعني تسليط الضوء على اختراقات الموروث، وتختلف دواعي تسليط الضوء بين مؤيد ومعارض. هناك دائما تخصيص لما تبدعه المرأة، فنحن نسمع عن الأدب النسوي، الكتابة الأنثوية، أمسيات شعرية نسائية، مهرجانات للمبدعات أو الشاعرات العربيات. لماذا هذا التخصيص! هذا التخصيص ما هو إلا تأكيد وإبراز للقيود التي كانت ومازالت تحاول المرأة التحرر منها.

أما من ناحية التقاليد وكيف أنها تحد من انتشار المبدعة، فنعم، وهذا طبيعي، فالتقاليد جزء من الموروث الاجتماعي، وهو ما يحدد السقف الذي تتحرك تحته المرأة وحتى الرجل. وبما أن المرأة محاسبة ومراقبة أكثر من الرجل فمساحة الحركة لديها أضيق بكثير، وهذا ما يشكل خطورة على إبداعها. بالنسبة لي أحاول أن أرسم مساحتي الخاصة في ظل ما هو محيط، وأتحرك من فضاء ضيق إلى آخر أكثر اتساعا، وكل حرصي على احترام ما أكتبه نابع من ضوابط شكلتها نشأتي في احترام الموروث الاجتماعي بحيث لايصبح قيدا وإنما صبغة وهوية لي، ولذلك أقول أنا مصبوغة بصبغة هذه الأرض، وقد شكلني موروثها وأنا سعيدة بذلك.

مع التغيرات الاجتماعية الكثيرة في الإمارات بدءا من السبعينات، تمايزت أجيال المبدعين بوضوح، أين تصنفين نفسك بينها؟

مجتمع الإمارات مرن جدا، واستيعاب هذا التغيير في فترة قصيرة والتآلف معه بهذه السرعة نقطة لا يجب إغفالها حين نتحدث عن الأجيال والتغيير. أعتقد أن جيل الخمسينات والستينات هو أكثر وعيا وتفاعلا مع القضايا المحيطة، وأكثر ثقافة واستيعابا لهموم المجتمع والأمة. وهو أيضا أكثر حرصا على الأرض والهوية.وأعتقد أن الكثيرون يتفقون معي على ذلك.

"جيل عبدالناصر" هكذا تسمينه؟

نعم هو جيل عبدالناصر، جيل تربى على القومية وعلى الاندماج في قضايا الأمة.جيل الاعتزاز بكل ما هو عربي. جيل الثورة على كل ما هو مذل، وعبدالناصر كان محرضا لذلك. أما جيل اليوم فيعيش معزولا عما حوله. وعيه واندماجه في قضايا مجتمعه وأمته شبه معدوم. هو جيل منشغل بهمومه الخاصة، يعيش العزلة، والهوية ليست في قاموسه، كما أن ثقافته اقتصرت على مجال الدراسة والثقافة الاستهلاكية، وابتعاده عن الهم العام صار سلوكه.

كثافة الرمز في قصيدتك وبخاصة الرمز الديني تثير السؤال حول نظرتك له كوسيلة تعبيرية؟

الرمز تشكيل للصورة، هناك حالات الرمز فيها لا يحد من فضاء المعنى، بل يترك للمتلقي حرية الغوص في تفاصيله، وهناك حالات لا تحتمل مثل هذا التشكيل، ولابد أن تكون الدلالة واضحة فيها.
الرمز الديني أساسي في نصي، وعلاقتي به وثيقة، وألجأ إليه لرسم صورة مشهدية لحالة ما. أحرص أن تكون لغتي الشعرية خاصة بي، وأن أشكل بها لونا جديدا في اللوحة لأصل بالمتلقي إلى المعنى ذاته الذي أنشد.

صباح زوين – جريدة النهار – 9 فبراير 2000 - بيروت

الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة

خُلود المعلا شاعرة مرهفة ورقيقة، تجيب عن الأسئلة في انفعال عميق، فنلمس لتونا مدى تمرد الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة.
القصيدة لديها مبنية على رغبة في تحدي العالم عبر ذلك التصوف الذي تكتشف الشاعرة، بشفافيته، ذاتها والآخر. إنها الذات المتفجرة صورا شعرية هاذية بنشوة المطلق، إذ لامجال إلا لسواه للتعبير عن تراكمات الشغف بالحياة ومايقابلها من جمالات لاتطاولها إلا اليد الكاتبة في صدق وجدية.

عودة >>

صباح زوين – جريدة النهار – 9 فبراير 2000 - بيروت

الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة

خُلود المعلا شاعرة مرهفة ورقيقة، تجيب عن الأسئلة في انفعال عميق، فنلمس لتونا مدى تمرد الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة.
القصيدة لديها مبنية على رغبة في تحدي العالم عبر ذلك التصوف الذي تكتشف الشاعرة، بشفافيته، ذاتها والآخر. إنها الذات المتفجرة صورا شعرية هاذية بنشوة المطلق، إذ لامجال إلا لسواه للتعبير عن تراكمات الشغف بالحياة ومايقابلها من جمالات لاتطاولها إلا اليد الكاتبة في صدق وجدية.

كيف دخلت الشعر الحديث ولماذا لم تنشري قبل 1997؟

دخلت الشعر منذ فترة طويلة فقد كانت لي محاولات شعرية في كتابة القصيدة العمودية، لكن مع النضج وخلال المرحلة الجامعية بدأ توجهي نحو قصيدة النثر لأني وجدت نفسي أقرب إليها. لم أنشر باكرا لأني كنت منشغلة بالدراسة فأنا أحمل بكالوريوس هندسة وماجستر في إدارة المشروعات. وثمة أيضا ظروف اجتماعية ساهمت في تأخير إصداراتي.

ماذا تعنين بأنك أقرب إلى الشعر الحديث؟

القصيدة الحديثة تهبني أفقا أوسع للإحساس والتأمل والتعبير بشكل أرحب وأوسع. أكره أن أضع نفسي قي قالب محدود ضيق حين أكتب قصيدتي، فأنا أعكس حالا بعينها لاتحتمل أن أفكر في قافية ووزن وموسيقى. فقصيدة النثر تأتي متدفقة ومنسابة مع تلك الحال الداخلية فتصف حالي كما هي وبدون أي قوالب، لذا فمداها أرحب في إطلاق الذات للتعبير عن انفعالاتها من دون قيود أو ضوابط. لكن لمَ يُسأل شاعر القصيدة الحديثة عن سبب اتجاهه لها ولا يُسأل شاعر القصيدة العمودية رغم أن كلاهما اتجاهان مختلفان. وحيال سؤالك لا أدري إن كنت تعنين بالقصيدة الحديثة قصيدة النثر، لأني أجد الحداثة أيضا في المتميز من الشعر العمودي، ويتفق معي الكثيرون على أن شاعرا كالمتنبي أو الجواهري يمكن اعتبارهما محدثين رغم وجودهما على قمة القصيدة الكلاسيكية.

أنا أيضا قلت غير مرة أن المتنبي شاعر حديث. لاخلاف على ذلك. لكن شاعر القصيدة العمودية أيضا نسأله عن سبب اتجاهه. بل ما لا ينبغي في الواقع طرحه سؤالا في الألفية الثالثة هو لم لا يزال العرب يتمزقون بين الكلاسيكي والحديث، أي بين الأصيل والدخيل؟ لِم لم يتجاوز العرب بعد هذه المعضلة؟

يُسأل شاعر القصيدة العمودية عن رأيه في الشعر الحديث ولا يسأل إن كان يكتبه أم لا.

ولا أتفق معك حول هذا التمزق بين الكلاسيكي والحديث، إذ أعتقد أن الأخير أرسى قواعده منذ فترة طويلة. قصيدة النثر أصبحت اليوم اتجاها مميزا لها آفاقها، لغتها مبدوعوها، متذوقوها وأجيالها. يستفزني هذا السؤال : لماذا تكتبين "قصيدة النثر" وما رأيك في الشعر الحديث؟ نحن في الألفية الثالثة وحري بنا التركيز على تطوير إبداعنا كل في اتجاهه، لأن تنوع كهذا يثري منتوجنا الإبداعي . أتذوق القصيدة العمودية كثيرا لو قرأت لشاعر كبير كالمتنبي أو كالجواهري مثلا، وأعتبر أن أولئك (شعراء القصيدة العمودية الكبار) ساهموا في إثراء القصيدة الحديثة. قصييدتي مثلا تتجه نحو الصوفية المستمدة من الموروث الصوفي. فدعونا نتذوق الشعر بمختلف مدارسه لو كان ثمة إبداع حقيقي.

ماذا عن الصوفية؟

يستهويني الحلاج. قرأت له وعنه كثيرا. أما القرآن فأقرأه بشكل يومي ودائم، فضلا عن تفسيره لأعمق هذه القراءة. وتأثير القرآن واضح لغتي. والمطلع على نصوصي سيلاحظ المفردات ذات النفس الديني و الصوفي فمثلا مفردات كهذه:" نشوة تأتي برائحة الصلاة"، و " وحدك من له الروح تصلي فتخضر المعابد"، و " ياذاك الطالع من كتابي المقدس". وهناك الكثير من هذه المفردات في نصوصي التي تأثرت بقراءاتي الدينية والصوفية تحديدا.

عزمي عبدالوهاب: مجلة كل الأسرة العدد 266 – 18نوفمبر 1998– القاهرة

الصمت يراقب العاصفة الورقية

عالم واسع ينفتح أمام الشاعرة خلود المعلا، إذ تحدق فترى " الصمت يراقب العاصفة الورقية" وعندما نتوغل معها نرى أفاقا جديدة يتسرب من خلالها لون له رائحة الذكرى.. ودائما هناك نهاية مفتوحة على كافة الاحتمالات.. فاللوحة تأبى أن تكتمل

عودة >>

عزمي عبدالوهاب: مجلة كل الأسرة العدد 266 – 18نوفمبر 1998– القاهرة

الصمت يراقب العاصفة الورقية

عالم واسع ينفتح أمام الشاعرة خلود المعلا، إذ تحدق فترى " الصمت يراقب العاصفة الورقية" وعندما نتوغل معها نرى أفاقا جديدة يتسرب من خلالها لون له رائحة الذكرى.. ودائما هناك نهاية مفتوحة على كافة الاحتمالات.. فاللوحة تأبى أن تكتمل

تلك كانت بعض الأجواء التي ولجتها خلود المعلا في ديوانها "هنا ضيعت الزمن" والتي تحقق نقله جديدة بديوانها "وحدك" الذي سيصدر قريبا.

هل الرومانسية الطاغية في ديوانك " هنا ضيعت الزمن" تستطيع أن تعبر عن تشابك الروح الآن؟

المجموعة بشكل عام جاءت حفرا في الذات، فالنصوص في مجملها تدفق لبعض ما في الداخل، لتخليص الروح من حالة مؤرقة تأتي على شكل انفعالات مختلفة: طفولة، ورومانسية ووهم، ثورة وهدوء، قوة وضعف، استسلام وانتصار. كلها تنبض لمواجهة هموم وضغوط محيطة بي. في النصوص تتحاور الذات مع حالها تارة، ومع الآخر تارة. هذا الآخر يأتي أحيانا على شكل حلم أو وهم أو قضية، وأحيانا أخرى على شكل الغائب أو الموجود بصورة أم أو صديق أو حبيب.

هذه النصوص ما هي إلا تدفق دافيء يعبر عن حالة يمتليء بها الداخل، مزيج من انفعالات تسبح فيها الروح فتتشكل قصيدة. حالة كهذه أعتبرها صوت الروح وطوق نجاتها الذي من خلاله تصل الذات إلى سكونها الملغوم، هذا السكون هو ذاته المبشر بولادة قصيدة.. هكذا يتوالى التدفق بتوالى حالات الروح وعدم استقرارها، وهو ما يمكن أن أعتبره تعبيرا عن هذا التشابك الذي ذكرته والرومانسية هي إحدى تلك حالات تشابك الروح وليست الحالة الوحيدة. فتشابك الروح التي تفيض بانفعالاتها ومزاجتها هو نتيجة طبيعية.

المرأة الشاعرة غدت أكثر حرية من كاتبة القصة نسبيا لأنها تتحرك في حقل يساعدها على الهروب من المساءلة الاجتماعية، هل لهذا آثرت الشاعرة خُلود المعلا الشعر على سواه من الأجناس الأدبية؟

الشعر ليس اختيارا، ولا يمكن لأي أحد أن يقرر أن يكون روائيا أو شاعرا أو كاتب قصة مثلا. فالشعر كغيره من أشكال الإبداع تسيره قوى لا يمكن السيطرة عليها أو تغييرها ولذلك فالمبدع محكوم بهذه القوى التي توجه مساره وهواه نحو الشعر أو الموسيقى أو الرواية دون أن يكون للمبدع دخل فيها، ومن ثم يأتي دوره هو بتشكيلها، وتهيئة كل المقومات التي تروي هواه ذاك، وتغذي تلك القوى وتبلوها على شكل إنتاج حقيقي مؤثر.عندها يبدأ بخلق روح خاصة ونفس إبداعي مميز يعبر فيه عن ذاته بصدق وقناعة ولذلك لا يمكن أن يكون إبداعه إلا انعكاسا له وتعبيرا عن ماهيته.ولا أعتقد أن هناك مبدعا حقيقيا يقرر التحرك في حقل معين من حقول الإبداع هروبا من المساءلة الاجتماعية، فالمبدع الحقيقي يعي دوره وأهمية مصداقية وتأثيره، فيتحرك وهو مؤمنا برسالته ومسئولا عن كل ما يصل إلى جمهوره من خلال إبداعه. وأنا معك في أن الشاعرة غدت أكثر حرية من كاتبة القصة والرواية، وكاتبة القصة هي أيضا أكثر حرية من كاتبة الرواية لما تتطلبه الرواية من سرد تفاصيل دقيقة ورسم مشاهد كاملة ومتسلسلة و خلق شخصيات محورية وثانوية بأبعاد تحقق غاية الكاتبة في مزج كل ذلك وسرده بشكل لابد أن يكشف مساحات ويعكس سمات لذات الكاتبة بشكل أوضح من الشعر، وخاصة قصيدة النثر التي تستطيع الشاعرة الاختياء في رؤاها الفلسفية التي تترجمها بالرمز والصور المكثفة ولهذا فانكشاف ذاتها للجمهور يتطلب جهدا أكبر وثقافة أوسع.

التاريخ الشعري الحديث يكاد يخلو من حضور المرأة كمبدعة على نموذج نازك الملائكة وفدوى طوقان، في حين استطاعت الروائية وكاتبة القصة أن تجد لها مكانا أكثر رسوخا على الساحة الإبداعية..ماتعليقك على هذا؟

يدفعني سؤالك على التنويه أيضا أن في وقتنا الحاضر يذكر المطرب ويلقى الضوء عليه أكثر من كاتب الأغنية أو الشاعر، أما في الماضي فقد كان للشاعر قيمته الأكبر حتى أكثر من الفنان نفسه إذا لم يكونا في نفس المكانة، فمثلا ما إن تذكر أم كلثوم حتى تذكر أحمد رامي أو ابراهيم ناجي، وما أن تذكر فيروز حتى تذكر الرحابنة، وهذا يؤكد ماكان للشاعر من تقدير وحضور كبيرين. أما أن تكون الشاعرة أو المبدعة أكثر حضورا في ذلك الوقت فهذا طبيعي جدا نظرا لحدة الظروف الاجتماعية المسلطة علي المرأة بشكل عام والمبدعة بشكل خاص. ظروف كهذه تجعل الظهور في وسط كل تلك التحديات والقدرة على مواجهتها كفيلا بأن يبرز الشاعرة ويؤكد حضورها، فكيف إذا كانت الشاعرة بقوة إبداع وتميز نازك الملائكة وفدوى طوقان! أضف إلى ذلك قلة كاتبات الرواية والقصة في ذلك الوقت والذي قد يكون بسبب مقومات الرواية وما تتطلبه من سرد وتفاصيل تسهل انكشاف ذات الكاتبة وتجعلها أكثر مواجهة للمجتمع الذي كان يحكم الأصوات النسائية بصورة أكبر مما نحن عليه الآن. ولا ننسى أيضا ما للظروف السياسية والاقتصادية من دور في التركيز على السياسة والفكر والشعر أكثر من الرواية لأن ذلك الوقت لم يكن وقت رواية مما ساعد في انتشار الشعر بشكل أوسع. أما حديثا ونتيجة للتغيرات في وضع المرأة والتي نلمسها في واقعنا العربي سواء على المستوىات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية أو حتى على مستوى التعليم وتوفر فرص التعليم العالي، ساعدت في تقلص القيود المفروضة عليها و الظهور بحرية في الساحة الإبداعية وفي كل المجالات مما ساهم في خلق وانتشار أسماء كثيرة من المبدعات في وطننا العربي وأكثر بكثير من الجيل القديم وبالتالي فالتميز هنا أصعب ويتطلب من المبدعة الكثير.

وإذا قلنا أن الشعر الحديث يكاد يخلو من حضور مبدعة فهذا في اعتقادي حكم متسرع، فهناك أسماء لايمكننا إغفالها. ودعني أذكرك أن هناك أسماء أيضا ظهرت على مستوى المبدعين الرجال لم تتكرر مثل جبران، وشوقي والسياب. وهل تعتقد أن نزار قباني يمكن أن يتكرر. وعموما فالموهبة المتميزة تفرض حضورها في أي وقت، والمبدع الحقيقي لابد من تميزه سواء كان شاعرا أم روائيا. وحسب اعتقادي فإن قراء الرواية هم أكثر من قراء الشعر وخصوصا الحديث لأن الشعر يتطلب من قرائه ثقافة أوسع ولغة أقوى من قراء الرواية لما تحمله القصيدة من لغة مكثفة، وصو ورمزية عالية ذات رؤى فلسفية، أما الرواية فهي أسهل في صورها ولغتها لأنها ترتكز على السرد والدخول في تفاصيل لا تصعب على القاريء. ولذلك نجد قراء الرواية أكثر، أما الشعر فنخبوي. ولا نغفل أيضا هنا الدور الهام الذي تلعبه دور النشر في نشر الرواية فنجد الناشر يتحمس للرواية والقصة بشكل أكبر عن الشعر لأن سوق الرواية أوسع من سوق الشعر مما ساهم في ظهور الروائية وحضورها أكثر من الشاعرة ومهما يكن فأعتقد أننا نتفق على أن الجيد مهما كان مجاله لابد أن يفرض حضوره.

أحمد زين - جريدة الحياة - 16 أبريل 2013

خلود المعلا : أستلهم قوتي من لغتي ... وأمي خافت علي من الشعر

تتحول القصيدة لدى الشاعرة الإماراتية خلود المعلا إلى ملاذ ومناسبة لتأمل الذات والإصغاء إلى أصوات الكون، ورؤية اللامرئي، في محاولة إنقاذ لهذه الذات، وانتشالها...

عودة >>

أحمد زين - جريدة الحياة - 16 أبريل 2013

خلود المعلا : أستلهم قوتي من لغتي ... وأمي خافت علي من الشعر

الباب/ الصفحة: 18 - آفاق

تتحول القصيدة لدى الشاعرة الإماراتية خلود المعلا إلى ملاذ ومناسبة لتأمل الذات والإصغاء إلى أصوات الكون، ورؤية اللامرئي، في محاولة إنقاذ لهذه الذات، وانتشالها من السقوط في دوامات الواقع. وليس بالضرورة أن يكون الملاذ الذي تتيحه القصيدة لها وحدها، إذ يوجد من هم في حاجة إلى ملاذ أيضاً،"أولئك الذين يسمعون صوتي من خلال القصيدة، أياً كانت قصيرة أم طويلة، طالما أنها تقتحم مساحات الذات الإنسانية بكل محبة كقارب نجاة".

يطغى القصر والكثافة على نصوص المعلا، ولئن بدت الحال هي التي تقترح أن يكون النص قصيراً أم طويلاً، فإنها تؤمن بأن تكثيف لغة القصيدة هو الأصعب دوماً،"ولا يمكن أي شاعر أن ينجح في كتابة القصيدة المكثفة إلا إذا كان مستوعباً تماماً الحال التي يعيشها".

الحاجة هي ما يدفع صاحبة"وحدك"إلى الكتابة من أجل مواجهة الواقع والحياة. وعندما يكون فعل الكتابة ينتج من الحاجة، فإن الأطر والأشكال والقوالب الفنية لا تعود مهمة، أو تقع في آخر قائمة ما هو مهم.

التلاشي، الزوال، الذوبان، مفردات أساسية في المعجم الشعري لدى خلود المعلا، كأنما تحاول الإمساك بأشياء وحالات يصعب الإمساك بها، كأنما أيضاً تلك المفردات تعني الفقدان وما يرافقه من محاولات للتشبث."إنه نوع من التشبث بالحياة وبذل كل الطاقات لإعادة صوغها في شكل يمكنني إدراكه والتعامل معه"، تقول خلود المعلا:"نوع من إعادة الخلق لضمان النجاة والقدرة على مواصلة المسير".
خلود المعلا شاعرة مُولعة بالتفاصيل في حياتها، لها طقوسها التي تبتدعها وتقدسها وتطورها، وإن لم تتم هذه الطقوس، لأي سبب من الأسباب"فلا أرى الأشياء التي أقوم بها بالصورة التي أحب أن أراها ولا أفهمها، كما أحب أن أفهمها. يعني ببساطة تختل الرؤية لدي إذا ما اختلت طقوسي في فعل الأشياء". ولا تكتب المعلا، التي ترجمت قصائدها إلى عدد من اللغات، منها الإسبانية والإنكليزية والتركية والفرنسية، إلا حين تكون وصلت إلى ذروة اللاإحتمال،"ما فوق الصبر وما وراء الشعور"، وعندما يتحول الكون إلى حبة رمل أصغر وأدق من أن تمسكها،"لكنني أراها بوضوح وأقرأ تفاصيلها. إنه اللامرئي الذي يكشفه الشعر في عوالمه المختلفة فيستفز حقيقتها ويكشفها، فيتحول اللامرئي إلى حقيقة أدركها وأحاول الإمساك بها. فالشعر لا يتحقق إلا بالوعي بكل ما هو متخيل وإدراكه. هكذا أحاول استشفاف حقيقة الوجود وما وراء الأشياء ليتسنى لي فهم الواقع واستيعابه. إذاً لا بد من السفر في ما ورائيات المعنى والمتخيل، إعادة تشكيل فهمي للواقع لتتمكن الذات من التشبث بوجودها، وترسيخ حضورها في سبيل تحقيق قيمة ما". يقول الشاعر الأردني يوسف أبولوز:"تتجه خُلود المُعلاَّ إلى ما هو بسيط وجوهري وخفيف...لأنها تعلم أن هذا العالم ثقيل وسميك باللامبالاة والغباء والخرس وسوء الإصغاء، وسوء الضحك". يكاد هذا التوصيف يختزل خصائص القصيدة الشعرية لخلود المعلا وينيرها للقارئ. فعلى العكس من الشعراء الذين يولون اهتماماً كبيراً بالشكل الفني وبلغة القصيدة، والذين يتعاملون مع الكتابة بصفتها صنعة، بعيداً من الانشغال بالرؤى والأفكار، تكتب صاحبة"هاء الغياب"قصيدتها بلغة بسيطة وغير متكلفة، فهي على يقين بأن الرؤى والانفعالات لكي تصل إلى المتلقي لا بد من أن تكون غير معقّدة، وفي الوقت نفسه مُدهشة،"أترك حالي على سجيتها تنقل ما أشعر به خالصاً وطازجاً، في لحظة تحتشد المشاعر والأفكار في رأسي، وتعلو ضربات القلب، دونما انتباه أو اكتراث بتشكيل القصيدة فنياً، تولد قصيدة تشبهني".

القلق، التوجس، غليان تحت جليد الجسد، العطش، مرايا تشع بالعزلة، صمت لا يطاق، عمر ناقص، قلب لا يسمعه أحد، بلاد لا تأبه بك... مفردات ومفاتيح تتناثر في شعرها،"هذه ليست مجرد مفردات"، توضح صاحبة"دون أن أرتوي"وتضيف:"إنها حالات موجهة نحو الزمن وما يأتي به. إنه قلق مرتبط بالوجود والزمن والحياة. حالات من الخوف والتوجس مما يحدث وقد يحدث. دوار يصيبني ويدخلني حالاً مزاجية مرعبة تتلبسني في الصحو والنوم".
لا يوجد القلق في نصوصها، إنما أيضاً في داخلها، تعيشه ويسكنها، غير أنها تعتبر هذا القلق، من وجهة نظر لا تغرق في التشاؤم،"دليلاً صارخاً على اتقاد الحواس والشعور والتفاعل بما يدور حولنا وفينا. تتأثر الذات القلقة بما يدور كل لحظة. تتأثر في شكل سريع ومباشر، ما يساعد على التعامل مع الأوضاع الصعبة بفاعلية. المهم أن تكون هذه الذات القلقة قادرة في الوقت نفسه على حماية ذاتها من السقوط في بئر الإحباط".

وعلى رغم ما يسببه القلق لها من اضطرابات نفسية وجسدية، فهو في الوقت نفسه الشرارة التي تشعل فتيل الكتابة،"ولا تنتج من القلق طاقة إبداعية إلا إذا تغلبنا عليه بمزجه بمشاعر ورغبات وحاجات حقيقية تتوق إلى الأفضل، وتسخّر ما يعترض طريقها لتوصلنا إلى حال من الوعي تضيء لنا عتمة هذا القلق وتنفخ في خلايانا الحياة".

تأخذ القصيدة صاحبة"ربما هنا"إلى الهوى والهواء، إلى الحياة، بها تنطلق، وتستتر، تنكشف وتكشف وتكون."بها تحررت أنوثتي. انفصلت عن أنوثتي المرئية لأدخل أنوثة الحياة. أرى ذاتي المستترة. أستلهم قوتي من لغتي"."الشعر يتعب القلب"هكذا قالت لها أمها، حين عرفت بقصيدتها الأولى،"خافت أمي عليّ من الشعر إذاً. خافت أن يأخذني الشعر منها ومن كل شيء. تورطت. وتلك الورطة كانت أجمل ما حدث لي".
تعترف خلود المعلا، المتخصصة في حقل الهندسة المعمارية، بأنها ليست ممن يهندسون القصيدة على الإطلاق. الهندسة بالنسبة اليها خطط ومعايير ومساحات وأشكال ومعادلات تخضع لأسس،"أما القصيدة فهي كشف المحتجب ومواراة الظاهر بلغة مُدهشة". إن الجانب الجمالي والشكل الفني في التصميم المعماري شرطان أساسان لإنجاح أي تصميم. وأحياناً كثيرة يفشل التصميم المعماري حين يركّز على الجانب الوظيفي في التصميم من دون إعطاء أهمية للجانب الفني".

ولا تنفي في الوقت نفسه تأثير الهندسة في قصيدتها، لكنها ليست وحدها،"لأننا ومن دون أن ننتبه نتأثر بكل ما يدور في المحيط. خبراتنا في الحياة تراكمية. كل شيء في تفاصيلنا اليومية له تأثير فينا، الصيف، الغيم، الشتاء، العمل، الفقد، الحزن، السفر، الطفولة، بكاء طفل، جلسة مع أصدقاء، وجه عابر، وهكذا".

عندما كتبت قصائد ديوانها الأول"هنا ضيّعت الزمن"وبعد صدوره، لم تكن خلود المعلا تتقصد كتابة شعر يتماس مع تجارب المتصوفة، أو ينطوي على مسحة صوفية، غير أن النقاد هم من نبهوها إلى ذلك، قالوا إنها تتكئ على إرث ثقافي صوفي في الرؤى والنظرة الحياتية، الأمر الذي أشعل الحماسة فيها لمطالعة أدب المتصوفة وتأمل عوالمهم."يبدو أنني أدور في مدارات صوفية من دون أن أنتبه، لأن الصوفية لا تتحقق من خلال العالم المحسوس، طبقاً لقوانينه الطبيعية. هناك عالم خلف العالم المحسوس. عالم غير مدرك ولا يمكن إدراكه إلا وفق المتخيل الذي يتخذ الواقع سلماً له".

هناك أيضاً أمر أساس له علاقة بالبعد الصوفي في تجربتها، وهو علاقتها بالقرآن الكريم،"طقس أساس في حياتي اليومية. والقراءة هنا ليست قراءة عادية وإنما حرص على أن أقرأ القرآن بالتفسير لفهم كل جملة. وكثيراً ما آخذ وقتاً طويلاً في ختم المصحف. هذا طقس مهم جداً وأحزن إن أدت ظروف ما إلى تعطيل هذا الطقس". على أنها أيضاً ومنذ صغرها، تعيش هاجس البحث عن المعنى وما ورائياته،"بحث دائم عن معنى، عن مفقود، بحث لا ينقطع إلى حد التعب. قد يكون هذا هو السبب اللامدرك في هذه الحاجة الماسة للشعر. أفعل ذلك في كل لحظة وكل ما يدور حولي مع البشر والأشياء وحتى الكلام واللغة. هكذا أفكّر، أدرك، أستشف، أصعد، هكذا أحيا. أبحث خلف كل ما هو مرئي ولا مرئي، محسوس أو لا محسوس، خيال أو مدرك. أحاول أن أنسج من هذا البحث خيوط الحقيقة، أكشف وأنكشف، واستحالة اكتمال هذا النسيج لا تزيدني إلا إصراراً. هذا لا يعني أنني أحيا تجربة صوفية، أو أسلك طريقة صوفية، لا أبداً".

في شعرها يمتزج المتخيل بالمدرك، الواقع بالحلم. يتحول الجسد مثلاً من حسي إلى معنوي،"ليصعد متخذاً الضوء سلماً والسموات مسكناً، والروح تتحول من لا مرئي إلى محسوس يتحدث، يتألم ويتفاعل، وهكذا كل ذلك من خلال واقع مدرك، محسوس ومعاش بكل إحباطاته".

المسحة الصوفية في شعر خلود المعلا لم تمنعها من قول إن لا مكان اليوم للشاعر الرسولي، فهي ترى أن الشعر اليوم تحرّر من القيود التي تحد من الانطلاق،"الشعر الحديث تعامل مع الحقائق والعالم والحياة انطلاقاً من الذات إلى ذات الآخر، ومن الخاص إلى العام. لا يمكن أن ننجح في إبراز التعامل مع الآخر حين نحجب الذات. لا يمكن فهم العام وطرقه إذا لم يكن نابعاً من فهمنا للخاص".

شهـيرة أحـمد – جريدة الاتحاد – الملحق الثقافي – 18 ديسمبر 2008

شاعرة من وطن القلق تبني بيتها في

* فُتِنَتُ بجدّي وشعرِهِ وقرآنه... وأهداني "ثروتي اللغوية"
* كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء لا أن أحطمها
* كلما ذكر الخطر الذي يتهدد اللغة العربية أشعر بالصداع
* لا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية
* الشعر كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف
* شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد
* الشعر كائن أسطوري ممتد... وملك لا يخذل رعاياه

عودة >>

شهـيرة أحـمد – جريدة الاتحاد – الملحق الثقافي – 18 ديسمبر 2008

شاعرة من وطن القلق تبني بيتها في

* فُتِنَتُ بجدّي وشعرِهِ وقرآنه... وأهداني "ثروتي اللغوية"
* كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء لا أن أحطمها
* كلما ذكر الخطر الذي يتهدد اللغة العربية أشعر بالصداع
* لا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية
* الشعر كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف
* شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد
* الشعر كائن أسطوري ممتد... وملك لا يخذل رعاياه

تسري الشاعرة خُلود المعلاّ في ليل المواجد باحثة عن غيمة تقولها، وكلما تاهت بها السبل تتوهج أعماقها وتتفتح روحها فتسكبها شعراً وحزناً ومناجاة. تولد مع كل قصيدة، وتفرح لما يأتي موعد الكتابة حتى لو حمل معه شعور الخسران والمرارة. وحيدة تمتطي خيول الشعر وتركض في براري العزلة. تولّي وجهها شطر محطات لا تعرف غير الانتظار، وفي الشتاء تلملم وحدتها وتعلن الرحيل.

في شعرها شيء من البشارة، وفيه حزن شفيف وغلالة من الأسى تغلل معظم قصائدها... وفيه وجع مستديم استحق لعمقه أن يحمل اسم واحدة من هذه القصائد.

النجاة وهم، والنيات البيضاء لا تكفي لكتابة شعر يستحق أن يحمل نبض العدم السرمدي، فيبقى الكلام ركاماً، غباراً، محاولة للخلاص من الوحدة الباذخة... لهذا، تحدق خُلود المعلاّ في روحها، تحدق كثيراً في نصِّها، تحدق وهي تتقصى مدارات الألفة أو متاهات الفقد، لتحظى بما هو أكثر من الغبار، لتعود بلؤلؤة الشعر. وحين تختار من نبعه شربة لترتوي تظمأ أكثر... هكذا هو الشعر: مخاتل ينمو على خيبات الروح السائرة إلى أساها طائعة مختارة. الروح التي ترفُّ في هسيس منفرد لا يشاركها فيه أحد، وترى في السّرى ما لا يراه سواها، وحين تحلّ فيها بركات الشعر تضيء مثل ماسة، وتتوهج مثل حكمة عتيقة.
مهندسة معمارية تذوقت جمالياتها درساً وقراءة، واغترفت من نبعها ما يسمح لها أن تهندس "بيتها" في "مدينة الشعر" التي تحب. هربت ذات قصيدة من عوالم الهندسة "المحسوبة" إلى عوالم الشعر القزحية وأطيافه الملونة, فتاهت فيها و "ضيَّعت الزمن".

ثم إن جنيّات الشعر أخذنَها من "روحها" وسلَّمنَها لرحيق مختوم، فقطفت "وحْدَكَ" وعادت بمجموعتها الثانية, ولما كانت في تخوم الروح العليا تجلَّت مليئة بالدلالات والاحتمالات، وتفتحت على التجربة الصوفية بثرائها فصاغت "هاء الغائب", وللهاء تجليات وتأويلات شتى أعادتها إلى هنا لتكتب مجموعتها الجديدة "ربما هنا".

خُلود المعلا، شاعرة تسكن بين الأسطوري واليومي، ومن مدارات العزلة الفائضة تهتف: "لا يسمعني أحد". ولهذا "لا بد أن أحيا أسطورتي"، لكي أصل إلى "إكسير الحياة"، و أشرع في كتابة "مسيرتي الجديدة" أو أجترح "هزيمة تليق بقلبي".

أول الألق

لم تكن خُلود المعلا قد بلغت مدارج الصِّبا حين صَبَتْ إلى الشعر، وبدأت يدها الصغيرة تخط صباباته. وإذا سألتها متى وكيف مسَّكِ الشعر، من أراك طريق الشعراء؟ تبرق الحيرة في روحها، وتتمتم بكلمات قليلة: "منذ زمن... من أمي الشاعرة ربما... ربما من جدي الذي عشت معه وهو يكتب الشعر أيضاً، ومعه قضيت طفولتي".

لعلَّه الميراث أو الجينات، أو ربما سحرها الشعر. هناك، في البيت القديم، فُتِنَتْ الصغيرة بجدِّها العاكف على قصيدته، وربما كان وهو يكتب قصيدته، يكتبها هي الأخرى، أو يكتب ميلادها كشاعرة بشكل أدق، ذلك أنها كانت ترافقه في روحاته وغدواته. وفي مجالسه ونقاشاته وحواراته مع الآخرين تكون إلى جانبه، وعندما يقرأ القرآن يخشع قلبها الصغير وهو يشرب الآيات ومعها يشرب الإحساس العميق بمعنى اللفظ وتفسيره ودلالاته التي كبرت معها، وشكلت ليس فقط "ثروتها اللغوية" التي تنتسب إلى اللغة القرآنية بل ومفردتها الصوفية التي تستلهمها من مناخاته وعوالمه القدسية.
بداية الشعر كانت مع الحب، الذي سيستمر منهلاً ورافداً وأقنوماً أساسياً من أقانيمها الشعرية فيما بعد: "كتبت أول قصيدة في العاشرة من العمر. كانت قصيدة حب، لكن والدتي خافت عليَّ لأنني صغيرة، فضلاً عن ضرورة الاهتمام بالدراسة".

مذّاك، ظلت علاقتها بالشعر سرّية وغير معلنة، وظلت كتاباتها خبيئة الأدراج حتى بعد أن دخلت الجامعة... الصدفة وحدها أخرجت هذه القصائد من عتمة الأدراج والصمت إلى حقول النشر والعلن، وهنا، تقول خُلود: "من الضروري أن أذكر الشاعر أحمد الشهاوي الذي فاجأني بنشر قصائدي من دون أن يسألني، ومن دون أن يعرف تبعات النشر اجتماعياً، لكنني فرحت بنشرها وبهذه الورطة الجميلة".

فضائل النشر

ولأن للنشر نكهة فارقة في تجربة الشاعر، يكون لها وقع مختلف على قلبه، كذلك خلود أيضاً، للنشر في ما يخصّها فضائل، أولها: "أصبحت أكثر حرصاً على المفردة والقراءة والمعرفة. وكثفت قراءاتي في التصوف بعد صدور مجموعتي الأولى لأنني كنت أصدر عن مشاعر فطرية وعفوية ولم أكن أدرك ماهية التصوف أو دلالات المفردات الصوفية". وثانيها: "تحررت أكثر في التعامل مع النص واللفظ، في ديواني الثاني، وصار سقف الحرية أعلى، وأصبحت أكثر تمكناً من أدواتي. كنت قبلها أفكر في تغيير مفردة معينة قد يساء فهمها. كانت الأبواب مغلقة وكان عليَّ أن أفتحها بهدوء وليس تحطيمها، لهذا أعدت قراءة نصوص مجموعتي الأولى وتدخلت في كتابتها".

مع ذلك، لا الحرص على "فتح الأبواب المغلقة" ولا "الوعي الخارجي" شكَّلا عبئاً على قصيدة الشاعرة، بل ظلت محكومة إلى غنى الروح وسرّانيتها وجوّانياتها، وما فيها من نوازع الذات وتجلياتها العميقة، فجاءت قصائدها لتعكس "حالة التوحد بين الحب والحزن والفراق" وفيها "تتبادل جدلية الحياة والموت الكينونة فتهب الوجود دلالته العميقة وقراره الشجي الراسخ في الوجدان" على حد تعبير الناقد الدكتور صلاح فضل.

وإذا كان الحزن والشعور بالاغتراب أو الشقاء يبدو جلياً في النصوص الشعرية المعاصرة خاصة قصيدة النثر، فإنه يبدو واضحاً في قصائد الشاعرة التي تعكس شقاء الوعي وحرارة التجربة وهي ترتطم بالعدم في محاولاتها الدائمة لضخ الحياة في الأشياء الميتة، في بلاد "لا تعطيها سوى نقطة في هامشها"، أو سعيها لـ "الهرب من ظلها"، أو بحثها الدؤوب عن "وسائد عالية تسند روحها إليها" لعلها "تصعد مرة إلى الجنة ولو في الوهم".

يتيمتا الدهر

والوهْمُ، مفردة واسعة الدلالات لدى خُلود المعلا، فما يشاع عن شعر نسائي وشعر رجالي وهْمٌ محض، وما يقال عن كون قصيدة النثر بحاجة إلى "أب" و"أم" و"نسَبٍ" وهْمٌ أيضاً، يجعلها تردّ على السؤال بسؤال: "لماذا يجب أن نثبت أن قصيدة النثر حاضرة وفاعلة؟ لا أعتقد أن قصيدة النثر بحاجة إلى أن تثبت نفسها. هذا يحدث مع المرأة أيضاً. نحن دائماً مطالبون بأن نثبت أن المرأة مبدعة، وفاعلة، ومنتجة، وأنها أثبتت نفسها في كل المجالات. نحن نقبل التنوع والتحديث والتغيير في كل شيء إلا الشعر والمرأة!. كأننا أمام "تابو" لعين لا يمكن اختراقه.

تقرن خُلود بين المرأة وقصيدة النثر كما لو أنهما "يتيمتا الدهر" يتعرضان للمحو والإنكار والرفض، وإذ ألفت انتباهها إلى "غرائبية هذا الاقتران" تقول: "إن القول بأن شعر المرأة العربية بحاجة الى إعادة اكتشاف، وأن تراثنا الإبداعي ما زال مجهولا أو مشوهاً، هو أمر مستفز حقاً. الشعر تجربة إنسانية، ليس هناك شعر امرأة وشعر رجل، هناك شعر أو لا شعر. أما عن إعادة الاكتشاف، فأظن أن المرأة على كل المستويات بحاجة إلى إعادة اكتشاف وليس الشاعرة أو المبدعة فقط، فلأنها أنثى لم يتم الانتباه إلى حضورها الإبداعي، كأن الشعر حكر على الرجال، وعندما تكتبه المرأة يجب أن يبرر ويبحث عن الإثبات".

لا يقتصر نص خُلود على الحزن والفقد بل يتوِّجه شعور دائم بالانتظار، وقدرة على التقاط العادي والمتروك والمهمل وتحويله إلى كائن شعري، وفي هذا تقول: "هكذا هو الشعر... هكذا هو الشاعر، يصنع علاقته بالأشياء على هوى القصيدة، وهواه أيضاً. يحتفي بالتفاصيل، باليومي، بما يمر عليه الناس مرور الكرام، ليراه هو بعينه الشاعرة فيعيد صوغه وصبَّه في قالبه السحري، وينسجه في ثوب انفعالي ربما يخالف السائد. أنا شاعرة من هذا الوطن الكبير، من وطن القلق، والهموم، وكل ما في محيطي ينعكس على روحي. الشاعر أكثر قدرة على تلمس الهموم والأحزان والتفاعل معها. قد لا تظهر في صورة إبداع مباشر لكنها لا تندثر ولا تفنى بل تختزنها الروح حتى يحين أوانها. تخيلي أنني تعبت من هذا البوح لمجرد الكلام، فما بالك بالكتابة!.

البوح يتعبها، والكتابة مخاضها، أما العزلة الماسية التي تعيشها فلا بد منها لإنجاز نص متجاوز حتى لو "كانت شاعرة غير استثنائية" كما تقول في أحد نصوصها. العزلة هي الفلك الذي تدور فيه القصائد، وعنها تقول مرجريت دوراس: "إن العزلة المتعلقة بالكتابة هي عزلة بدونها لا ينتج المكتوب، أو أنه يتفتت نازفاً في البحث عما يكتب. هو فقد من الدم، لم يعترف به الكاتب بعد"، أما خلود فتوصِّفها قائلة: "لا أذكر بالضبط من هو الكاتب الذي شبَّه الكتابة بالمخاض، لكنها مخاض بالفعل، مؤلمة وفي الوقت نفسه مغموسة بالفرح الذي يعقبها، والسعادة المتحصَّل عليها، أثناء الكتابة وبعدها، لا يمكن وصفها".

شتاء الكتابة

للكتابة طقسها، وموسيقاها، و"فيروزتها" تحديداً، وللروح طقسها، وروح الشاعرة تتفتح بأبهى ما يكون في الشتاء، في هذا الفصل "الغني الدافئ"، حسب وصفها، يحلو لها التأمل: "لا بد أن أفتح الستارة كل يوم وأبحث عن غيمة. أمارس هذا الطقس يومياً بلا تعب ولا كلل ومنذ زمن طويل لا أدري متى بدأ. أبحث عن مطر، رذاذ، غيمة، في نصوصي يتكرر المطر ومشتقاته كثيراً. الشتاء فصل غني، يحمل كل شيء. الشتاء يطفئ النيران الداخلية. إنه أقرب الفصول إلى الروح، والعلاقة مع الطبيعة والوجود تتفتح فيه على نحو عجيب".

الفصول بنات الزمن، وعلاقة الشاعر بالزمن علاقة شائكة، وللشعراء على وجه الخصوص في علاقتهم بالزمن مذاهب وطرائق، أما خلود، التي تخلو نصوصها من أي تأريخ، فترى الزمن "مخيفاً، ولكثرة خوفها منه تتمنى أن توقفه، أن لا يمر. وهي دائماً تخاف من الآتي، وتحمد الله كلما مرت ساعة بسلام".

ثمة شيء آخر تخافه خلود خوفاً عظيماً هو الخطر الذي يتهدد اللغة العربية، أداة الشعر الأولى، بل وتشعر بالصداع كلما طرحت هذه القضية التي تؤرقها، وترى "ضرورة تكاتف جهود الجميع من أجل الحفاظ على لغتنا الجميلة؛ الأسرة والمدرسة والإعلام والمثقفين ومؤسسات المجتمع المدني. كلنا ينبغي أن نعمل على مواجهة التحديات وأن لا نكتفي بالخوف من العولمة أو الخوف على لغتنا. نحن في أزمة واضحة. الجيل الجديد لا يهتم بالثقافة بكل أطيافها وليس الشعر فقط. لغتنا تهجنَّت وتكسَّرت والحل في تكاتف الجهود كلها، وأن تشعر كل فئات المجتمع بخطورة المسألة. القضية ما تزال إلى الآن مقصورة على النخبة، ولا بد من تعميمها على كافة مؤسسات المجتمع التربوية والثقافية والاجتماعية حتى نستطيع التعاطي معها بإيجابية ونجد الحلول الناجعة. وبعبارة أخرى لا بد من استراتيجية وطنية شاملة لحماية لغة الضاد والذود عنها، فهذه قضية تحتاج إلى عمل حقيقي، جاد، مؤسس، ومدروس، من كافة فئات المجتمع وفي مقدمتها القرار السياسي لأنها حلقات متصلة ببعضها البعض وكل منها يقود إلى الآخر".

تخاف خُلود أشد الخوف من الزمن، وتخاف أشد الخوف على اللغة العربية، لكنها لا تخاف، مثل مثقفين كثيرين، من العولمة وتحدياتها، وتعتقد أن "غنى الداخل وصلابته كفيلان بالصمود أمام أي شيء، وفي حال كانت لدى الأشخاص أو المجتمعات قناعات راسخة فلا العولمة ولا غيرها يمكن أن تخلخل الذات أو الهويات الثقافية والحضارية", بل على العكس تماماً، تعتقد خلود أن "التطور والتقدم التقني قد يساهمان في ترسيخ أو غربلة ما نحمله من قيم وثقافة، والفيصل في هذا الأمر هو التعامل مع العولمة ومنتجاتها بوعي، والانفتاح على الآخر لاكتساب كل ما من شأنه أن يقوينا كمجتمعات وأفراد".

هدايا شعرية

ويأبى الشعر إلا أن يطل برأسه متسائلاً عن دوره وجدواه في عصر الديجيتال والاستهلاك وصراع الحضارات والقتل المجاني على الطرقات.
ترفض خُلود طرحاً كهذا لأنه يتعاطى مع الشعر كما لو كان أداة، في حين أن الشعر كائن حي, ولا يختلف عن أي خلية حية سوى في أسطوريته... إنه كائن أسطوري ممتد ولا يعرف التوقف، ربما ينحسر حيناً أو يبدو متراجعاً في الظاهر، بيد أنه، في العمق تماماً، يتقدم.

أما ما يقال عن أثر التكنولوجيا المدمر على العلاقات الإنسانية، التي هي في الأصل مجال عمل الشعر بوصفه شكلاً وأسلوباً من أشكال الاتصال والتواصل، فلا يعدو أن يكون بالنسبة إليها "ذنب الإنسان الذي يسيء استخدام التكنولوجيا وليس ذنب التكنولوجيا التي نتمتع بمنافعها وثمارها في أكثر من مجال. فالتقنيات الحديثة والإنترنت، تمارس دوراً مهماً في نشر الثقافة، وقد فتحت فضاءات واسعة للمثقف للاطلاع على الجديد في كل المجالات، وجعلت العالم مفتوحاً، مما أدى إلى اتساع الحرية وارتفاع سقفها فصرنا نتنفس بشكل أفضل".

في الشعر، مثلاً، وهب التقدم التقني وانتشار وسائل الإعلام الشعراء هدايا جميلة تسلمت خلود نفسها واحدة منها، فهذا التقدم التكنولوجي والاتصالي منحها القدرة على الانتشار كشاعرة في المغرب، ولولاه ربما تأخر اسمها كثيراً في الوصول إلى هناك والحصول على جائزة الإبداع الشعري.

ترفض خُلود أيضاً القول بانحسار الشعر إنتاجا وتداولاً، تأثيراً وفعالية، لصالح الرواية بزعم ان العصر عصر رواية، وترى أن "شيوع الرواية يأتي من علاقتنا القديمة والمتجذرة بالسرد. من هناك، من الطفولة تحديداً، تبدأ القصة المحكية قبل النوم تصوغ أحلامنا وذكرياتنا وذائقتنا أيضاً، فالطفل يعتاد على الحكاية ويدخرها في وعيه بحيث تتحول في الآتي من الأيام "فرشة" أو مهاداً يجعل من تذوق الرواية أمراً سهلاً، بينما يحتاج الشعر إلى جهد أكبر في قراءته.

القصيدة تحتاج إلى وعي وإدراك ورؤى وجوّانيات ربما لم تعد متوفرة بكثرة في الزمن المعاصر الذي بات كل شيء فيه يخضع للحسابات المادية والآنية، وفي جو كهذا يصبح من الطبيعي أن تهتم دور النشر بالكتب التي تبيع أكثر، ومنطق السوق، للأسف، ليس في صالح الشعر".

لا ينبغي للتحليل السابق لأسباب ازدهار الرواية وانحسار الشعر، أن يوقعنا في وهم أن للشاعرة موقفاً سلبياً من الرواية، بل العكس تماماً، فخلود تحب قراءة الروايات وتتابع جديدها باستمرار، لكنها – كما تقول – تقرأ الشعر وتحبه أكثر.

حزنٌ أقلّْ

النظرة المتفائلة التي ترى النصف الممتلئ من الكأس، عادة من عادات خلود، تتجلى حتى في قصائدها التي تكتبها لكي تجعل الحزن أقل، تقول: "أحيطني بكل ما يعينني على التصالح مع ذاتي. أهرب من الحزن لأن هناك فائض كبير منه في الداخل. أحاول البحث عن جماليات الأشياء لأخفف قليلاً من الحزن".

هل الكتابة إذن محاولة للخلاص؟

تجيب: الشعر حالات مختلفة. لا تتشابه في إيقاعاتها. لا طريقة واحدة لقولها. والشاعر معرض لحالات متغايرة وإرهاصات غرائبية وعجائبية يحاول فيها جميعها أن ينتشل ذاته من شيء ما، أحياناً تفرض الحالة قانونها ومزاجها، ولهذا تتفاوت القصائد شكلاً ولغة ومضموناً. في النهاية تبقى محاولات للتغلب على شيء ما لعله الشعور بالعدم.

إذن، هل يمكن أن يخذلنا الشعر؟

ترفض خُلود القول بأن الشعر يمكن أن يخذلنا، وإذ تؤكد أن الشعر ملك لا يخذل رعاياه، توافق أن القصيدة قد تخذل الشاعر إذا لم يكن متوحداً مع ذاته وإبداعه... أما عنها، فما تزال سارحة في الملكوت، تغني للغائب الذي لا تسميه أبداً، الغائب "الذي بوَصْلِهِ يخرج نخيلها من حزنه، ومحبَّتُهُ ترشًّ مِسْكَها في روحها، فتكتمل، ويرتوي وردها".





تامر أبوالعنين – جريدة الإتحاد الإماراتية – 31 مايو 2006 – جنيف

حوار بين الشعر والسياسة و الرؤية الشعرية

استضاف مهرجان المتنبي الشعري الدولي في دورته السادسة الشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، التي قرأت على الحضور في 5 مدن سويسرية مقتطفات من منجزها الشعري مع 21 شاعرا عربيا ومن أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تناول مهرجان هذا العام الذي نظمه المركز العربي السويسري بالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الفيدرالية السويسرية، العلاقة بين الشعر والسياسة، وجاء اختيار ثلاث شاعرات عربيات لافتا للنظر، لما يعتقده الأوروبيون بأن المرأة العربية لا دخل لها بالسياسة ةقد أحسنت الشاعرات العربيات المشاركات في اختيار النصوص.

عودة >>

تامر أبوالعنين – جريدة الإتحاد الإماراتية – 31 مايو 2006 – جنيف

حوار بين الشعر والسياسة و الرؤية الشعرية

استضاف مهرجان المتنبي الشعري الدولي في دورته السادسة الشاعرة الإماراتية خُلود المعلا، التي قرأت على الحضور في 5 مدن سويسرية مقتطفات من منجزها الشعري مع 21 شاعرا عربيا ومن أوروبا وأمريكا اللاتينية، حيث تناول مهرجان هذا العام الذي نظمه المركز العربي السويسري بالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الفيدرالية السويسرية، العلاقة بين الشعر والسياسة، وجاء اختيار ثلاث شاعرات عربيات لافتا للنظر، لما يعتقده الأوروبيون بأن المرأة العربية لا دخل لها بالسياسة ةقد أحسنت الشاعرات العربيات المشاركات في اختيار النصوص.

الاتحاد التقت الشاعرة خلود المعلا في جنيف وكان الحوار التالي:

بين الشعر والسياسة

مهرجان المتنبي هذا العام كان تحت عنوان العلاقة بين الشعر والسياسة.وهل ترين فعلا أن هناك علاقة بين الشعر والسياسة؟

قد تكون أجمل النصوص العاطفية هي نفسها أجمل النصوص التي تعبر عن قضية سياسية، فالمزج وتوظيف اللغة لخلق نص مبدع، يلمس وجعا ما أو حالة ما بصورة غير مباشرة قد يكون أعمق بكثير من النص الذي تتخللة المفردات السياسية التي تؤدي إلى تصنيف الشعر إلى سياسي أو عاطفي مثلا.
الشعر شعر، ويجب ألا يتم تصنيفه لغرض واحد، فالنص الأجمل يحمل أكثر من بعد في آن واحد وهنا تأتي قدرة الشاعر وإبداعه.

الرؤية الشعرية

في رأيك كيف يؤثر المجتمع في الرؤية الشعرية للشاعر العربي؟

الرؤية الشعرية بمثابة ترمومتر خاص بالشاعر، يتأثر بكل مايحيط يه سلبيا أو إيجابيا، حزنا وفرحا، قلقا أو تحديا، كل هذه الأجواء يستقبلها الشاعر بحساسية مفرطة، ويلتقط من خلالها صورا جمة لتفاصيل قد تغيب عن الإنسان العادي، وذلك لأن حالة الشاعر أو المبدع عموما حالة غير ثابتة ولا يستطيع التعايش من دون التفاصيل الحياتية فهي تشكل مكوناته الإبداعية وتعمق رؤيته الشعرية، فهو الأكثر قلقا وأحباطا عندما يعيش حالة سلبية ما، وأكثر التصاقا بمعنى الأشياء وإحساسا بقيمتها حين يدخل مداراته التي يحب.

الرؤية الشعرية للشاعر لا تأتي محض الصدفة، وإنما من خلال تراكمات لتفاصيل حياتية وزمانية وذاكرة مليئة بالصور وغنية بالمشاعر والحالات التي تكون مكنونه الشعري، وقد تختزن ذاكرة الشاعر بمخزون أو بحالة حدثت منذ زمن بعيد، تأثر بها بعمق لكنه لم يعبر عنها في أوانها وإنما يقبض على زمنها في ذاكرته إلى أن تأتي اللحظة التي يندفع فيها هذا المخزون وتلك الحالة بشدة فيترجمها إلى نص.

الرؤية الشعرية يتم بناؤها تراكميا، وتبدأ في التكوين من مراحل الطفولة والشباب وتأخذ بالتشكل تدريجيا في كل مرحلة من مراحل العمر بما تحمل من مؤثرات مختلفة أحزان وأفراح، آمال وانهزامات، ظروف وموروثات سياسية، واجتماعية وحتى ثقافية وعائلية، تقاليد وأعراف كلها تدخل في تكوين إطار فكري وحالة فكرية للشاعر يتم بناؤها خلال مسيرته الحياتية والفكرية.

والمجتمع هو واحد من أهم هذه المؤثرات التي تساهم في تشكيل مكنون الشاعر بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. وغالبا ما يكون المجتمع قيدا، خصوصا في مجتمعاتنا العربية، ليس فقط على الشاعر وإنما على المبدع بصفة عامة، فالمجتمع بكل مايحمله من أعراف وتقاليد يضيق حرية المبدع، ويفرض عليه حدود كثيرة ويخلق فيه خوف من المحيط مما يخنق روح الإبداع هذه الروح التي لا تحيا سوى بالحرية لتتمكن من إطلاق أسراب طيورها كما يجب وفي كل أفق، فيولد نص الشاعر حرا طازجا وسليما من أي إصابات اجتماعية وحواجز فكرية وخطوط حمراء.

كيف تقيمين تجربتك الشعرية؟

هي صورة الذات الإنسانية التي تنتج من تفاعلات مع المحيط ومع الآخر، من خلالها أعبر عني بلغة صادقة ومدلولات حقيقية تنقل ما يختلج في النفس من قلق ممتد وحلم دائم للأفضل. لغتي خاصة أو هكذا أزعم، ومفرداتي يغلب عليها النفس الصوفي لأني وجدت لغته تشبهني وهي الأقرب إلي. أقرأ التراث الصوقي لأثراء مفرداتي الروحية والشعرية وهذه المفردات هي ما يميز نصي الشعري, فاللون بمدلولاته والحروف بمدلولاتها ،وغيرها من المفردات كالصلاة، والتأمل والروح.

أحاول أن أوظف هذه المفردات لخدمة المعنى الذي أريد ولا أجد سواها قريبا من حسي. من خلال هذه المفردة الصوفية أعبر عن ذاتي وذات الآخر فحين أكتب عن حالة قلق ما، ليست بالضرورة حالة خاصة وإنما عامة جزء من حياة الآخر لأننا كلنا نعيش في محيط واحد وواقع متشابه في أطره العامة، هذا الواقع المليء بالكوارث والإحباطات والخذلان، وبالتالي فالشعر حين يعبر عن أزمة ما فليس بالضرورة أن يعبر عنها بمفردات مباشرة ويصرح بها بشكل صريح يضعف النص ويضيق أفق النص وبالتالي يصنف تحت الشعر السياسي أو الغزل أو غير ذلك.

كيف تصفين "الشعر النسائي" في دولة الإمارات؟

لدي حساسية من هذا التصنيف العجيب" الشعر النسائي" فإذا كنتم تصرون على الشعر النسائي فيعني هذا أن هناك شعرا رجاليا. الشعر كما ذكرت سابقا هو شعر سواء لشاعر أو شاعرة، الشعر إنساني. وكل أنسان يتكيف بما يحيط به ويعكسه في كتابته حسب مكوناته النفسية والاجتماعية والثقافية وقدراته الإبداعية وحسب همومه وهواجسه وآماله وإحباطاته وكيف يتعامل مع محيطه ومع الآخر، وهذا يختلف حتى من شاعر لشاعر سواء كان رجلا أم مرأة. وقد ينقل الرجل حالة خاصة عن المرأة بشكل أعمق وأفضل عن المرأة ذاتها والعكس طبعا صحيح.

لدينا في الإمارات عدد لا بأس به من الشاعرات اللواتي استطعن تخطي حدود المحلي ابتداءا من ميسون صقر ونجوم الغانم وظبية خميس ثم صالحة غابش والهنوف محمد وهذه الأسماء على سبيل المثال وليس الحصر فهناك أسماء شاعرات لا يتسع المقام لذكرها كلها.

لكن الحركة الثقافية والشعرية خاصة في الإمارات تحتاج لاهتمام أكبر ليس فقط من الجهات المعنية بالثقافة وإنما من الشعراء والشاعرات أيضا من أجل خلق مناخ ثقافي نشط وخلاق، فالكثير منا في عزلة عن الآخر والتواصل فيما بيننا ضعيف مما يؤثر بشكل مباشر على تفعيل مناخنا الثقافي وإبراز إبداعاتنا وهويتنا الثقافية بشكل أفضل.

أحمد غريب - جريدة الخليج – 10 يونيو - 2002

حوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين

يقع هذا الحوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين، الأول هو اكتمال مجموعتها الثالثة "هاء الغائب"، والثاني هو توقع صدور المجموعة قريبا. ويتناول حوارنا بعضا من ملامح اتجاهها الإبداعي وبخاصة علاقتها بالموروث الصوفي، وما أثمرت عنه تجربتها الشعرية منذ نشرت "هنا ضيعت الزمن" 1997، ثم "وحدك" 1999:

عودة >>

أحمد غريب - جريدة الخليج – 10 يونيو - 2002

حوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين

يقع هذا الحوار مع الشاعرة خلود المعلا بين قوسين، الأول هو اكتمال مجموعتها الثالثة "هاء الغائب"، والثاني هو توقع صدور المجموعة قريبا. ويتناول حوارنا بعضا من ملامح اتجاهها الإبداعي وبخاصة علاقتها بالموروث الصوفي، وما أثمرت عنه تجربتها الشعرية منذ نشرت "هنا ضيعت الزمن" 1997، ثم "وحدك" 1999:

دراستك للهندسة المعمارية ثم إدارة المشروعات، وتوجه قصيدتك نحو التحليق الصوفي تثير السؤال حول هذه الثنائية التي تبدو مضادة..ما رأيك؟

كل ما حولنا وما نراه ونقرأه ونسمعه يؤثر في بناء شخصيتنا، فكرنا وثقافتنا، والقصيدة جزء من ذلك. فهذه التراكمات تشكل القصيدة، وقصيدتي جزء من أمسي وحاضري وغدي، جزء من مخزون الداخل ومخزون الذاكرة. والهندسة المعمارية فن يعتمد على الحس والخيال، وكذلك القصيدة. هي نتاج حالة ما مستمرة في الداخل..حالة تنتج من تفاعلات الشاعر بما حوله –بذاكرته- وبكل شيء. يظهر ذلك في سلوكه قبل قصيدته، فالشعر سلوك قبل كل شيء.

ماذا يمثل لك اختيار الصوفية؟

الصوفبة لم تكن اختيارا في البداية.لم أخترها بل وجدتني فيها، وجدتها أقرب إلي. هناك انسجام وتواؤم بين ما أشعر به وما تحمله هذه المناخات من تآلف الأرواح والتعمق في المعنى والتلاشي في الآخر البعيد القريب، وحالات الفناء والتوحد وغيرها.

الصوفية عالم واسع وعميق، فضاءاته تعطي للروح مداها الأرحب للتحليق، فتولد من جديد وتتحرر.

عندما كتبت مجموعتي الأولى "هنا ضيعت الزمن" لم يكن هذا الاتجاه قرارا أو اختيارا، ولم ألتفت لذلك في مفردتي. كما لم أكن وقتها قد قرأت في التراث الصوفي سوى مادرسته. ربما تكون قراءتي للشعر القديم لعبت دورها كمدخل للارتباط بمفردات هذا الحس. فقد ظلت بعض المفردات عالقة في ذاكرتي بصداها الواضح. كذلك علاقتي الوثيقة بالقرآن الكريم كان له أثر واضح في تشكيل الشحنة الروحانية في قصادئدي.

بعد صدور المجموعة الأولى وقراءة بعض الآراء النقدية التي كتبت عنها انتبهت للمناخ الصوفي الذي تدور فيه القصائد ومن هنا بدأت علاقتي بشعر المتصوفة وتاريخهم وثقافتهم، وصرت أهتم بتعميق هذا الاتجاه في لغتي.

تبدو قصائدك في كل مجموعة من مجموعاتك كطقوس متتابعة، تشكل حالة الديوان. في ضوء تجربتك مع "هاء الغائب" متى تضعين القلم وتقولين: هنا انهيت المجموعة؟

أتوقف عندما أشعر بالإرهاق من هذه الحالة الممتدة. فقصائد كل مجموعة أعتبرها وليدة حالة مستمرة، نفس طويل وممتد، صدى لإيقاع يتشكل من نغمات مختلفة لكل واحدة منها مناخها الخاص، تتجمع لتعبر عن تلك الحالة الممتدة، وحين يرهقني ذلك وأشعر يعدم قدرتي على الاحتمال أختار التوقف.

وأنت على أعتاب نشر الجموعة الشعرية الثالثة، كيف تبلورت علاقتك بالتراث وبخاصة الصوفي منه، وما هي جسور هذه العلاقة؟

القرآن الكريم كان المدخل الأول، ليس عن طريق القراءة والترتيل فقط ولكن من خلال الدخول في النص والمفردة، فكتب التفسير تصاحب قراءتي له الشبه يومية، ويجد قاريء قصيدتي مفردات كثيرة مستمدة من ذلك. إلى جانب ذلك تصاحبني دائما أشعار ابن عربي وجلال الرومي والحلاج. اهتمامي بالتراث الصوفي أدى إلى ظهور مفرادته بدرجة أكبر لدى، لكن في إطار قناعة بضرورة التغيير، ولذلك يشغلني ألا تكون القصيدة مكررة، حيث ألجأ إلى إنتاج قراءاتي داخل النص بحثا عن لغة تشبهني أو تشكل إضافة نوعية جديدة داخل نسق اللغة الشعرية التي أحاول الوصول إليها.

بحثك في التراث عما يشبهك ربما يؤدي إلى عملية فرز مفردات بعينها هل أساس هذا الفرز هو "إحساس الدهشة المرتبط بالطفولة" وهو وصف كتبه أحد النقاد عن مجتموعتيك السابقتين؟

لم أفكر في هذا من قبل، أما ما تسميه عملية فرز فأعتقد أن الفرز أصلا سلوك لا إرادي نقوم به حتى في حياتنا اليومية. عموما أنا أبحث عن كل ما يشبهني، وهو ما أسميه "الإحساس بالدهشة المرتبط بالذاكرة"، سواء كانت ذاكرة الأمس أم الغد أم الحاضر..إحساس يخلق الحالة التي تشكل لغتي الخاصة للقصيدة، والتي تتمثل بمفردات دائما ما أبحث عنها والتي تكون قاموسي الخاص، الذي به أخلق قصيدتي، فتعبر عني وترسم هذا الإحساس المرتبط بالذاكرة.

لغتي تألفني وأألفها.إنها لغة تتعامل مع حالات الذات بأمومة مطلقة لتولد قصيدتي، ولهذا فأنا أملك ميزانا حساسا، " ترمومتر" يقيس نبض الحالة وعمقها وحسها الداخلي، فأتآلف مع مخزون الذاكرة وأعيد انتاجه بلغتي الخاصة.


هل يؤدي الشعر وظيفة التواصل مع الآخر؟ وكيف تفسرين مركزية "الغياب" في جل نصوصك؟

صحيح أنني أشكل القصيدة، لكن الشعر يشكلني. هو غايتي ووسيلتي في نفس الوقت. غايتي في الوصول إلي، ووسيلتي في الوصول للآخر. هناك حالة قلق دائمة، مستمرة وعميقة للبحث عن مفقود، عن آخر. هذا الآخر يتغير دائما في فضاء القصيدة التي تستدعيه. هو شيء غير واضح لكنه موجود.

قلت في حوار سابق أنك "مصبوغة بصبغة وطنك"، وقلت أيضا "أن التقاليد تحد من ظهور وانتشار المرأة المبدعة" ألا ترين أن إبداع المرأة العربية بات يحظى بالاهتمام في السنوات الأخيرة وأحيانا إلى درجة مبالغ فيها؟

أعتقد أن المرأة المبدعة لا يتم التعامل معها كمنتجة للمادة الفكرية وتسليط الضوء عليها لا يعني بالضرورة اهتماما بها، فقد يعني تسليط الضوء على اختراقات الموروث، وتختلف دواعي تسليط الضوء بين مؤيد ومعارض. هناك دائما تخصيص لما تبدعه المرأة، فنحن نسمع عن الأدب النسوي، الكتابة الأنثوية، أمسيات شعرية نسائية، مهرجانات للمبدعات أو الشاعرات العربيات. لماذا هذا التخصيص! هذا التخصيص ما هو إلا تأكيد وإبراز للقيود التي كانت ومازالت تحاول المرأة التحرر منها.

أما من ناحية التقاليد وكيف أنها تحد من انتشار المبدعة، فنعم، وهذا طبيعي، فالتقاليد جزء من الموروث الاجتماعي، وهو ما يحدد السقف الذي تتحرك تحته المرأة وحتى الرجل. وبما أن المرأة محاسبة ومراقبة أكثر من الرجل فمساحة الحركة لديها أضيق بكثير، وهذا ما يشكل خطورة على إبداعها. بالنسبة لي أحاول أن أرسم مساحتي الخاصة في ظل ما هو محيط، وأتحرك من فضاء ضيق إلى آخر أكثر اتساعا، وكل حرصي على احترام ما أكتبه نابع من ضوابط شكلتها نشأتي في احترام الموروث الاجتماعي بحيث لايصبح قيدا وإنما صبغة وهوية لي، ولذلك أقول أنا مصبوغة بصبغة هذه الأرض، وقد شكلني موروثها وأنا سعيدة بذلك.

مع التغيرات الاجتماعية الكثيرة في الإمارات بدءا من السبعينات، تمايزت أجيال المبدعين بوضوح، أين تصنفين نفسك بينها؟

مجتمع الإمارات مرن جدا، واستيعاب هذا التغيير في فترة قصيرة والتآلف معه بهذه السرعة نقطة لا يجب إغفالها حين نتحدث عن الأجيال والتغيير. أعتقد أن جيل الخمسينات والستينات هو أكثر وعيا وتفاعلا مع القضايا المحيطة، وأكثر ثقافة واستيعابا لهموم المجتمع والأمة. وهو أيضا أكثر حرصا على الأرض والهوية.وأعتقد أن الكثيرون يتفقون معي على ذلك.

"جيل عبدالناصر" هكذا تسمينه؟

نعم هو جيل عبدالناصر، جيل تربى على القومية وعلى الاندماج في قضايا الأمة.جيل الاعتزاز بكل ما هو عربي. جيل الثورة على كل ما هو مذل، وعبدالناصر كان محرضا لذلك. أما جيل اليوم فيعيش معزولا عما حوله. وعيه واندماجه في قضايا مجتمعه وأمته شبه معدوم. هو جيل منشغل بهمومه الخاصة، يعيش العزلة، والهوية ليست في قاموسه، كما أن ثقافته اقتصرت على مجال الدراسة والثقافة الاستهلاكية، وابتعاده عن الهم العام صار سلوكه.

كثافة الرمز في قصيدتك وبخاصة الرمز الديني تثير السؤال حول نظرتك له كوسيلة تعبيرية؟

الرمز تشكيل للصورة، هناك حالات الرمز فيها لا يحد من فضاء المعنى، بل يترك للمتلقي حرية الغوص في تفاصيله، وهناك حالات لا تحتمل مثل هذا التشكيل، ولابد أن تكون الدلالة واضحة فيها.
الرمز الديني أساسي في نصي، وعلاقتي به وثيقة، وألجأ إليه لرسم صورة مشهدية لحالة ما. أحرص أن تكون لغتي الشعرية خاصة بي، وأن أشكل بها لونا جديدا في اللوحة لأصل بالمتلقي إلى المعنى ذاته الذي أنشد.

صباح زوين – جريدة النهار – 9 فبراير 2000 - بيروت

الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة

خُلود المعلا شاعرة مرهفة ورقيقة، تجيب عن الأسئلة في انفعال عميق، فنلمس لتونا مدى تمرد الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة.
القصيدة لديها مبنية على رغبة في تحدي العالم عبر ذلك التصوف الذي تكتشف الشاعرة، بشفافيته، ذاتها والآخر. إنها الذات المتفجرة صورا شعرية هاذية بنشوة المطلق، إذ لامجال إلا لسواه للتعبير عن تراكمات الشغف بالحياة ومايقابلها من جمالات لاتطاولها إلا اليد الكاتبة في صدق وجدية.

عودة >>

صباح زوين – جريدة النهار – 9 فبراير 2000 - بيروت

الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة

خُلود المعلا شاعرة مرهفة ورقيقة، تجيب عن الأسئلة في انفعال عميق، فنلمس لتونا مدى تمرد الشاعرة التي تثور في حدة مكتومة.
القصيدة لديها مبنية على رغبة في تحدي العالم عبر ذلك التصوف الذي تكتشف الشاعرة، بشفافيته، ذاتها والآخر. إنها الذات المتفجرة صورا شعرية هاذية بنشوة المطلق، إذ لامجال إلا لسواه للتعبير عن تراكمات الشغف بالحياة ومايقابلها من جمالات لاتطاولها إلا اليد الكاتبة في صدق وجدية.

كيف دخلت الشعر الحديث ولماذا لم تنشري قبل 1997؟

دخلت الشعر منذ فترة طويلة فقد كانت لي محاولات شعرية في كتابة القصيدة العمودية، لكن مع النضج وخلال المرحلة الجامعية بدأ توجهي نحو قصيدة النثر لأني وجدت نفسي أقرب إليها. لم أنشر باكرا لأني كنت منشغلة بالدراسة فأنا أحمل بكالوريوس هندسة وماجستر في إدارة المشروعات. وثمة أيضا ظروف اجتماعية ساهمت في تأخير إصداراتي.

ماذا تعنين بأنك أقرب إلى الشعر الحديث؟

القصيدة الحديثة تهبني أفقا أوسع للإحساس والتأمل والتعبير بشكل أرحب وأوسع. أكره أن أضع نفسي قي قالب محدود ضيق حين أكتب قصيدتي، فأنا أعكس حالا بعينها لاتحتمل أن أفكر في قافية ووزن وموسيقى. فقصيدة النثر تأتي متدفقة ومنسابة مع تلك الحال الداخلية فتصف حالي كما هي وبدون أي قوالب، لذا فمداها أرحب في إطلاق الذات للتعبير عن انفعالاتها من دون قيود أو ضوابط. لكن لمَ يُسأل شاعر القصيدة الحديثة عن سبب اتجاهه لها ولا يُسأل شاعر القصيدة العمودية رغم أن كلاهما اتجاهان مختلفان. وحيال سؤالك لا أدري إن كنت تعنين بالقصيدة الحديثة قصيدة النثر، لأني أجد الحداثة أيضا في المتميز من الشعر العمودي، ويتفق معي الكثيرون على أن شاعرا كالمتنبي أو الجواهري يمكن اعتبارهما محدثين رغم وجودهما على قمة القصيدة الكلاسيكية.

أنا أيضا قلت غير مرة أن المتنبي شاعر حديث. لاخلاف على ذلك. لكن شاعر القصيدة العمودية أيضا نسأله عن سبب اتجاهه. بل ما لا ينبغي في الواقع طرحه سؤالا في الألفية الثالثة هو لم لا يزال العرب يتمزقون بين الكلاسيكي والحديث، أي بين الأصيل والدخيل؟ لِم لم يتجاوز العرب بعد هذه المعضلة؟

يُسأل شاعر القصيدة العمودية عن رأيه في الشعر الحديث ولا يسأل إن كان يكتبه أم لا.

ولا أتفق معك حول هذا التمزق بين الكلاسيكي والحديث، إذ أعتقد أن الأخير أرسى قواعده منذ فترة طويلة. قصيدة النثر أصبحت اليوم اتجاها مميزا لها آفاقها، لغتها مبدوعوها، متذوقوها وأجيالها. يستفزني هذا السؤال : لماذا تكتبين "قصيدة النثر" وما رأيك في الشعر الحديث؟ نحن في الألفية الثالثة وحري بنا التركيز على تطوير إبداعنا كل في اتجاهه، لأن تنوع كهذا يثري منتوجنا الإبداعي . أتذوق القصيدة العمودية كثيرا لو قرأت لشاعر كبير كالمتنبي أو كالجواهري مثلا، وأعتبر أن أولئك (شعراء القصيدة العمودية الكبار) ساهموا في إثراء القصيدة الحديثة. قصييدتي مثلا تتجه نحو الصوفية المستمدة من الموروث الصوفي. فدعونا نتذوق الشعر بمختلف مدارسه لو كان ثمة إبداع حقيقي.

ماذا عن الصوفية؟

يستهويني الحلاج. قرأت له وعنه كثيرا. أما القرآن فأقرأه بشكل يومي ودائم، فضلا عن تفسيره لأعمق هذه القراءة. وتأثير القرآن واضح لغتي. والمطلع على نصوصي سيلاحظ المفردات ذات النفس الديني و الصوفي فمثلا مفردات كهذه:" نشوة تأتي برائحة الصلاة"، و " وحدك من له الروح تصلي فتخضر المعابد"، و " ياذاك الطالع من كتابي المقدس". وهناك الكثير من هذه المفردات في نصوصي التي تأثرت بقراءاتي الدينية والصوفية تحديدا.

عزمي عبدالوهاب: مجلة كل الأسرة العدد 266 – 18نوفمبر 1998– القاهرة

الصمت يراقب العاصفة الورقية

عالم واسع ينفتح أمام الشاعرة خلود المعلا، إذ تحدق فترى " الصمت يراقب العاصفة الورقية" وعندما نتوغل معها نرى أفاقا جديدة يتسرب من خلالها لون له رائحة الذكرى.. ودائما هناك نهاية مفتوحة على كافة الاحتمالات.. فاللوحة تأبى أن تكتمل

عودة >>

عزمي عبدالوهاب: مجلة كل الأسرة العدد 266 – 18نوفمبر 1998– القاهرة

الصمت يراقب العاصفة الورقية

عالم واسع ينفتح أمام الشاعرة خلود المعلا، إذ تحدق فترى " الصمت يراقب العاصفة الورقية" وعندما نتوغل معها نرى أفاقا جديدة يتسرب من خلالها لون له رائحة الذكرى.. ودائما هناك نهاية مفتوحة على كافة الاحتمالات.. فاللوحة تأبى أن تكتمل

تلك كانت بعض الأجواء التي ولجتها خلود المعلا في ديوانها "هنا ضيعت الزمن" والتي تحقق نقله جديدة بديوانها "وحدك" الذي سيصدر قريبا.

هل الرومانسية الطاغية في ديوانك " هنا ضيعت الزمن" تستطيع أن تعبر عن تشابك الروح الآن؟

المجموعة بشكل عام جاءت حفرا في الذات، فالنصوص في مجملها تدفق لبعض ما في الداخل، لتخليص الروح من حالة مؤرقة تأتي على شكل انفعالات مختلفة: طفولة، ورومانسية ووهم، ثورة وهدوء، قوة وضعف، استسلام وانتصار. كلها تنبض لمواجهة هموم وضغوط محيطة بي. في النصوص تتحاور الذات مع حالها تارة، ومع الآخر تارة. هذا الآخر يأتي أحيانا على شكل حلم أو وهم أو قضية، وأحيانا أخرى على شكل الغائب أو الموجود بصورة أم أو صديق أو حبيب.

هذه النصوص ما هي إلا تدفق دافيء يعبر عن حالة يمتليء بها الداخل، مزيج من انفعالات تسبح فيها الروح فتتشكل قصيدة. حالة كهذه أعتبرها صوت الروح وطوق نجاتها الذي من خلاله تصل الذات إلى سكونها الملغوم، هذا السكون هو ذاته المبشر بولادة قصيدة.. هكذا يتوالى التدفق بتوالى حالات الروح وعدم استقرارها، وهو ما يمكن أن أعتبره تعبيرا عن هذا التشابك الذي ذكرته والرومانسية هي إحدى تلك حالات تشابك الروح وليست الحالة الوحيدة. فتشابك الروح التي تفيض بانفعالاتها ومزاجتها هو نتيجة طبيعية.

المرأة الشاعرة غدت أكثر حرية من كاتبة القصة نسبيا لأنها تتحرك في حقل يساعدها على الهروب من المساءلة الاجتماعية، هل لهذا آثرت الشاعرة خُلود المعلا الشعر على سواه من الأجناس الأدبية؟

الشعر ليس اختيارا، ولا يمكن لأي أحد أن يقرر أن يكون روائيا أو شاعرا أو كاتب قصة مثلا. فالشعر كغيره من أشكال الإبداع تسيره قوى لا يمكن السيطرة عليها أو تغييرها ولذلك فالمبدع محكوم بهذه القوى التي توجه مساره وهواه نحو الشعر أو الموسيقى أو الرواية دون أن يكون للمبدع دخل فيها، ومن ثم يأتي دوره هو بتشكيلها، وتهيئة كل المقومات التي تروي هواه ذاك، وتغذي تلك القوى وتبلوها على شكل إنتاج حقيقي مؤثر.عندها يبدأ بخلق روح خاصة ونفس إبداعي مميز يعبر فيه عن ذاته بصدق وقناعة ولذلك لا يمكن أن يكون إبداعه إلا انعكاسا له وتعبيرا عن ماهيته.ولا أعتقد أن هناك مبدعا حقيقيا يقرر التحرك في حقل معين من حقول الإبداع هروبا من المساءلة الاجتماعية، فالمبدع الحقيقي يعي دوره وأهمية مصداقية وتأثيره، فيتحرك وهو مؤمنا برسالته ومسئولا عن كل ما يصل إلى جمهوره من خلال إبداعه. وأنا معك في أن الشاعرة غدت أكثر حرية من كاتبة القصة والرواية، وكاتبة القصة هي أيضا أكثر حرية من كاتبة الرواية لما تتطلبه الرواية من سرد تفاصيل دقيقة ورسم مشاهد كاملة ومتسلسلة و خلق شخصيات محورية وثانوية بأبعاد تحقق غاية الكاتبة في مزج كل ذلك وسرده بشكل لابد أن يكشف مساحات ويعكس سمات لذات الكاتبة بشكل أوضح من الشعر، وخاصة قصيدة النثر التي تستطيع الشاعرة الاختياء في رؤاها الفلسفية التي تترجمها بالرمز والصور المكثفة ولهذا فانكشاف ذاتها للجمهور يتطلب جهدا أكبر وثقافة أوسع.

التاريخ الشعري الحديث يكاد يخلو من حضور المرأة كمبدعة على نموذج نازك الملائكة وفدوى طوقان، في حين استطاعت الروائية وكاتبة القصة أن تجد لها مكانا أكثر رسوخا على الساحة الإبداعية..ماتعليقك على هذا؟

يدفعني سؤالك على التنويه أيضا أن في وقتنا الحاضر يذكر المطرب ويلقى الضوء عليه أكثر من كاتب الأغنية أو الشاعر، أما في الماضي فقد كان للشاعر قيمته الأكبر حتى أكثر من الفنان نفسه إذا لم يكونا في نفس المكانة، فمثلا ما إن تذكر أم كلثوم حتى تذكر أحمد رامي أو ابراهيم ناجي، وما أن تذكر فيروز حتى تذكر الرحابنة، وهذا يؤكد ماكان للشاعر من تقدير وحضور كبيرين. أما أن تكون الشاعرة أو المبدعة أكثر حضورا في ذلك الوقت فهذا طبيعي جدا نظرا لحدة الظروف الاجتماعية المسلطة علي المرأة بشكل عام والمبدعة بشكل خاص. ظروف كهذه تجعل الظهور في وسط كل تلك التحديات والقدرة على مواجهتها كفيلا بأن يبرز الشاعرة ويؤكد حضورها، فكيف إذا كانت الشاعرة بقوة إبداع وتميز نازك الملائكة وفدوى طوقان! أضف إلى ذلك قلة كاتبات الرواية والقصة في ذلك الوقت والذي قد يكون بسبب مقومات الرواية وما تتطلبه من سرد وتفاصيل تسهل انكشاف ذات الكاتبة وتجعلها أكثر مواجهة للمجتمع الذي كان يحكم الأصوات النسائية بصورة أكبر مما نحن عليه الآن. ولا ننسى أيضا ما للظروف السياسية والاقتصادية من دور في التركيز على السياسة والفكر والشعر أكثر من الرواية لأن ذلك الوقت لم يكن وقت رواية مما ساعد في انتشار الشعر بشكل أوسع. أما حديثا ونتيجة للتغيرات في وضع المرأة والتي نلمسها في واقعنا العربي سواء على المستوىات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية أو حتى على مستوى التعليم وتوفر فرص التعليم العالي، ساعدت في تقلص القيود المفروضة عليها و الظهور بحرية في الساحة الإبداعية وفي كل المجالات مما ساهم في خلق وانتشار أسماء كثيرة من المبدعات في وطننا العربي وأكثر بكثير من الجيل القديم وبالتالي فالتميز هنا أصعب ويتطلب من المبدعة الكثير.

وإذا قلنا أن الشعر الحديث يكاد يخلو من حضور مبدعة فهذا في اعتقادي حكم متسرع، فهناك أسماء لايمكننا إغفالها. ودعني أذكرك أن هناك أسماء أيضا ظهرت على مستوى المبدعين الرجال لم تتكرر مثل جبران، وشوقي والسياب. وهل تعتقد أن نزار قباني يمكن أن يتكرر. وعموما فالموهبة المتميزة تفرض حضورها في أي وقت، والمبدع الحقيقي لابد من تميزه سواء كان شاعرا أم روائيا. وحسب اعتقادي فإن قراء الرواية هم أكثر من قراء الشعر وخصوصا الحديث لأن الشعر يتطلب من قرائه ثقافة أوسع ولغة أقوى من قراء الرواية لما تحمله القصيدة من لغة مكثفة، وصو ورمزية عالية ذات رؤى فلسفية، أما الرواية فهي أسهل في صورها ولغتها لأنها ترتكز على السرد والدخول في تفاصيل لا تصعب على القاريء. ولذلك نجد قراء الرواية أكثر، أما الشعر فنخبوي. ولا نغفل أيضا هنا الدور الهام الذي تلعبه دور النشر في نشر الرواية فنجد الناشر يتحمس للرواية والقصة بشكل أكبر عن الشعر لأن سوق الرواية أوسع من سوق الشعر مما ساهم في ظهور الروائية وحضورها أكثر من الشاعرة ومهما يكن فأعتقد أننا نتفق على أن الجيد مهما كان مجاله لابد أن يفرض حضوره.